شهد العام 2010 تغييرات شبه جذرية في التركيبة السياسية البريطانية، فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية افرزت الإنتخابات البرلمانية حكومة ائتلافية هي الأولى من نوعها بين حزبي المحافظين والليبراليين الديموقراطيين. في حين عرف الحزب الخارج من الحكم (العمال) انتخابات زعامة انتجت وجها جديدا هو اد ميليباند الذي تغلب على شقيقه وزير الخارجية السابق دايفيد ميليباند في خلافة غوردون براون، فاتحا صفحة جديدة في تاريخ الحزب اليساري.
وبعد 13 عاما في الحكم، خرج العماليون وعلى رأسهم براون (رئيس الوزراء من حزيران - يونيو 2007 حتى ايار- مايو 2010) بين ليلة الانتخابات في السادس من ايار (مايو) و11 منه من الحكومة عقب انتخابات لم تسفر عن حزب واحد فائز بالغالبية المطلقة للمقاعد (326). فجاءت الأرقام كالتالي: 306 مقاعد للمحافظين، 258 للعمال و57 مقعدا لليبراليين الديموقراطيين. وهذا ما اجبر حزب المحافظين الذي حصل في الانتخابات على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية على التحالف مع الحزب الثالث في الترتيب الليبراليون الديموقراطيون من اجل اقصاء العماليين وتأليف الحكومة الجديدة التي يرأسها اليوم زعيم المحافظين دايفيد كاميرون والرجل الثاني فيها هو زعيم الليبراليين الديموقراطيين نيك كليغ.
شهد الثلث الاول من سنة 2010 تحسنا ملحوظا في اداء حكومة العمال بقيادة براون ولا سيما من الناحية الاقتصادية والإجراءات التي اتخذت من اجل التصدي للأزمة العالمية. وارتفعت اسهم الحزب الحاكم في البورصة الشعبية بشكل غير مسبوق منذ أظهرت استطلاعات الرأي تقدم صريح لـالمحافظين الذين كانوا على ثقة من الانتصار بغالبية المقاعد في الانتخابات العامة وتأليف الحكومة التي انتظروها منذ نحو 13 عاما.
التقدم الذي احرزه العماليون في تلك الفترة هز دعائم حملة المحافظين لكنه لم يكن كافيا لإسقاطها. رغم ذلك ارست حكومة العمال ولا سيما بعد عودة اللورد بيتر ماندلسون اليها كوزير للأعمال اسسا جديدة لسياستها الاقتصادية قلصت نسبة البطالة الى حد كبير وبدأ الوضع الاقتصادي في المملكة يتعافى، ولهذا بدأ الشعب يعترف بالقرارات التي اتخذتها الحكومة خلال السنة الاخيرة التي سبقت الانتخابات. فهذه القرارات ساعدت حتما على تخفيف حدة تأثير الازمة الاقتصادية العالمية على بريطانيا. وبرز تحسن واضح على مستوى فرص العمل واسعار العقارات ونجاح الاعمال والمشاريع وبالنظر الى الوضع الذي ساد المملكة في الثلث الأول من 2010 نجد ان عبء الازمة المالية العالمية كان له تداعيات اخف مما كان متوقعا العام 2009، كما ان التأثر جاء اقل حدة مما شهدته بريطانيا من ازمات اقتصادية في الثمانينات او التسعينات من القرن المنصرم.
وبالتطرق الى الأمور بشكل موضوعي فإن المملكة المتحدة كانت الرائدة في الخروج من الأزمة من طريق انقاذ البنوك من الافلاس. وفي خلال تصدي حكومة العمال للتدهور الاقتصادي والمالي العالمي لعب غوردون براون دورا محوريا في المحادثات والاتصالات الاقتصادية لا سيما في قمة العشرين المهمة جدا التي استضافتها لندن العام 2009.
[ ايار (مايو) كانون الاول (ديسمبر)
اداء الحكومة العمالية لم يكن كافيا ليشفع لها لدى الشعب التواق الى التغيير، الا انه صعب مهمة الفوز على المحافظين الذين وجدوا نفسهم عقب الانتخابات العامة مضطرين الى مصالحة الليبراليين الديموقراطيين والدخول معهم في تحالف من اجل تشكيل الحكومة الجديدة واخراج العمال من الحكم.
ومع وصول دايفيد كاميرون الى 10 داوننغ ستريت ونيك كليغ نائبا له، بدأ منتقدو الحكومة الإئتلافية رهانهم على ان الحزبين اللذين تفرق بينهما مبادئ اكثر مما تجمعهم سيختلفون في ادارة البلاد. ومع مرور الأشهر عملت الحكومة على خفض الكثير من مخصصات وزارة الدفاع كجزء من السياسة التقشفية التي ستعتمدها الى حين تعافي اقتصاد البلاد تماما من الأزمة العالمية وتداعياتها. وكان الاتفاق على هذه التخفيضات الامتحان الأول من نوعه للإدارة الجديدة.
الا ان الإمتحان الجدي كان توقيته في الشهرين الأخيرين عندما تنازل الليبراليون الديموقراطيون عن شعار كان اساسيا في حملتهم الانتخابية وهو عدم خفض مخصصات القطاعين التربوي والجامعي، واضطر كليغ الى الرضوخ لكاميرون وحزبه بوجوب بلوغ الخطة والقبول بمشروع رفع الأقساط الجامعية الى الضعف او الضعفين (من نحو 3 آلاف جنيه استرليني في العام الواحد الى ما بين 6 و9 آلاف). هذه الخطة اثارت غضب الاتحادات الطلابية وسارت التظاهرات وتفجرت اعمال الشغب املا في ثني الحكومة عن المضي قدما في مشروعها الذي تبناه مجلس العموم في التاسع من كانون الاول (ديسمبر) ب323 صوتا مقابل 302.
وفي الشق السياسي المقابل، فجرت الإنتخابات الحزبية العمالية مفاجأة كبيرة اثر فوز اد ميليباند بزعامة الحزب بعد تغلبه بفارق ضئيل من الأصوات على شقيقه الخارج للتو من الحكومة وزير الخارجية السابق دايفيد ميليباند. ويعتبر اد اضافة الى كاميرون وكليغ وجوها شابة جديدة على المعترك السياسي في المملكة المتحدة. واللافت ان السياسيين الثلاثة الذين يتزعمون الأحزاب الثلاثة الكبرى في البلاد لديهم العديد من القواسم المشتركة ويرون عددا كبيرا من الملفات المحلية والخارجية من المنظار نفسه.
السياسة الخارجية والدفاع
ركزت بريطانيا العام 2010 على ملف واحد في سياستها العالمية هو حرب افغانستان. واستضافت لندن اواخر كانون الثاني (يناير) مؤتمرا دوليا خاصا بأفغانستان وضعت خلاله الاسرة الدولية اسس الاستراتيجية الجديدة التي ستعتمدها في نقل البلد الآسيوي من التطرف والإرهاب الى الإنفتاح والأمن. وبدت حكومة العمال مصممة على المضي في هذه الحرب الى حين بلوغ النتائج المرجوة.
أما المواضيع الأخرى التي افردت لها بريطانيا اهتماما خاصا في الثلث الاول من العام فكانت عملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية والأوضاع في كل من اليمن والسودان، اضافة الى الملف النووي الإيراني والإنفتاح على الصين.
فشدد وزير الخارجية حينها دايفيد ميليباند على حل الدولتين كمخرج وحيد للصراع في الشرق الأوسط، مؤكدا ان بلاده ملتزمة قيام دولة فلسطينية بحدود العام 1967 والقدس الشرقية عاصمة لها. وعرفت هذه الفترة توترا حادا في العلاقات البريطانية الاسرائيلية بعدما زور جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) جوازات سفر بريطانية واستخدمها عملاؤه في اغتيال قيادي حماس الفلسطيني محمود المبحوح في دبي في الشهر الأول من العام. واقدم ميليباند على طرد احد الديبلوماسيين الإسرائيليين من سفارة بلاده في لندن احتجاجا على التصرف الإسرائيلي غير المسؤول.
واستضافت لندن مؤتمرا خاصا لمساعدة اليمن في حربه ضد الإرهاب ومساندة اقتصاده المتهالك عبر منح وافق على تقديمها صندوق النقد الدولي. وراقب البريطانيون من كثب المشاكل الداخلية في السودان واقليم دارفور ودعموا اصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير. وبدأت بريطانيا مع شركائها في مجموعة ال5 (دائمي العضوية في مجلس الأمن: فرنسا والولايات المتحدة وروسيا والصين) + 1 (المانيا) هندسة قرار العقوبات ضد ايران في مجلس الأمن بسبب رفضها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكشف برامجها بشكل كامل امام المجتمع الدولي. وتوجه ميليباند الى الصين في زيارة لجس نبض تعزيز العلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والعملاق العالمي القابع في الشرق.
ومع وصول الحكومة الجديدة، استكمل البريطانيون ما بدأوه في معظم الملفات وخاصة النووي الإيراني فتم انجاز قرار دولي في مجلس الأمن في التاسع من حزيران (يونيو) يفرض عقوبات اشد على ايران لحملها على التعامل بشفافية بخصوص برامجها النووية والتعاون بجدية مع الوكالة الذرية. وفي سياق العقوبات على طهران، اعترفت الحكومة البريطانية بوجود خطر من بعض المعدات الخاصة التي يمكن ان تستخدمها ايران في برنامجها النووي العسكري ولا تزال غير محظورة التصدير من المملكة المتحدة الى ايران. فحتى شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، سمحت الحكومة للشركات البريطانية بتصدير سلع الى ايران مثل سبائك وانابيب النيكل ومضخات التفريغ واجهزة كشف الاشعاعات وافران حرارة خصوصية الاستعمال. وعلى الرغم من ان هذا النوع من المواد كان ادرج على لائحة الاتحاد الاوروبي للمواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن لإيران استغلالها في برنامجها النووي ويسمح بتصديرها في حالات فردية يتم دراستها كل على حدة. إلا ان وزير الدولة البريطاني لشؤون الأعمال مارك بريسك اكد امام البرلمان ان هناك خطراً تقوم ايران بإستخدام هذه المعدات في اكمال برنامجها النووي ولهذا لا بد لنا من التقدم الى الامام. وبعد هذا التوضيح، اصدرت وزارة الاعمال التي يشرف عليها الوزير فينس كايبل تعميما رسميا الى اصحاب الشركات البريطانية التي تصدر هذه السلع الى ايران، اكدت فيه ان جميع التراخيص بتصدير هذه البضائع سيتم رفضها ولن تقبل الا الحالات التي يتأكد الخبراء من انها لا تشكل اي خطر ولا يمكن ان تستعمل لغايات مريبة.
ولاقت هذه الخطوة استحسانا في اروقة لندن السياسية حتى لدى حزب العمال، فقد اثنى النائب العمالي مايك غايبس العضو في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني والأخصائي بالملف الايراني على مبادرة وزارة الأعمال واصفا اياها بـالمنطقية وحذر من أن الوقت يدهم الاسرة الدولية لذا يجب ان تكون العقوبات المفروضة فعالة وسريعة النتائج معتبراً ان عقارب الساعة تدور، والخطر واضح للجميع وهو ان يمتلك النظام الايراني سلاحا نوويا في المستقبل القريب.
ويتخوف الاوروبيون من ايران نووية تشكل خطرا مباشرا بصواريخها على جنوب القارة الاوروبية وجيرانها في الشرق الأوسط، خصوصا مع ورود تقارير استخباراتية مختلفة تشير الى ان الايرانيين لا يزالون قادرين على ايجاد سبل مختلفة للحصول على المعدات التي ترضي طموحاتهم النووية العسكرية.
واستمر البرود في العلاقة مع اسرائيل لا سيما بعد الزيارة الاولى التي قام بها وزير الخارجية الجديد ويليام هيغ الى تل ابيب حيث لم يلق ترحيبا واعلنت الحكومة الاسرائيلية في حضوره تعليق مشاوراتها السياسية العالية المستوى مع لندن، وذلك بهدف احراج الوزير واجبار الحكومة البريطانية على اتخاذ خطوات سريعة ملموسة لتعديل القانون الذي يخول القضاء البريطاني القاء القبض على السياسيين والمسؤولين الاسرائيليين المتهمين بإرتكاب جرائم حرب بمجرد ان تطأ اقدامهم اراضي المملكة المتحدة.
من جهته، شدد هيغ على الضرورة الملحة لحل سلمي على اساس الدولتين قائلا هناك حاجة ملحة لإحراز تقدم يوصل الى حل الدولتين على اساس حدود العام 1967 يتشاطران القدس عاصمة لهما مع ايجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين. هذا مهم سواء بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين والاسرة الدولية بما فيها المملكة المتحدة. وتعهد الوزير البريطاني بمواصلة الضغط على تل ابيب كي تجمد الاستيطان سنستمر في العمل مع كل من الولايات المتحدة الاميركية واطراف النزاع والاتحاد الاوروبي وشركائنا في الامم المتحدة من اجل انجاز حل الدولتين. اضافة الى ذلك سنواصل الضغط من اجل وضع حد لجميع الأنشطة الإستيطانية.
كما تميز هذا العام بتقارب اكبر بين بريطانيا ودول الخليج العربي عبر تعزيز الإستثمارات المتبادلة والشراكة الاقتصادية. وتكلل هذا التوجه بزيارة الملكة اليزابيث الثانية الى كل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.
وما يميز الحكومة الجديدة في السياسة الخارجية عن سابقتها هو ملف افغانستان، حيث اوضح رئيس الوزراء دايفيد كاميرون لشركائه في حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال قمتهم السنوية في لشبونة ان القوات البريطانية ستغادر افغانستان في العام 2015 بغض النظر عن وضع البلاد في حينه. واكد خلال زيارته الى كابول في الشهر الأخير من العام للرئيس الأفغاني حميد قرضاي ان بريطانيا مستعدة لبدء سحب قواتها اعتباراً من العام 2011. وقام كاميرون بزيارة الى الشرق الأقصى شملت الصين وكوريا الجنوبية وابدى استعداده لفتح صفحة جديدة من التعاون الاقتصادي والثقافي مع العملاق الصيني.
ووجهت بريطانيا انتقادا لاذعا لسوريا بسبب سجلها الضئيل في احترام حقوق الإنسان، وعبر عن ذلك وزير الدولة لشؤون الشرق الاوسط اليستير بيرت في تشرين الثاني (نوفمبر) قائلا إن سوريا لا تفعل شيئا لإصلاح سجلها في مجال حقوق الإنسان. وهي لا تزال تسجن اكبر واصغر مساجين الرأي (الذين سجنوا لآرائهم المعارضة) سنا في العالم العربي: هيثم المالح (79 عاما) وطل الملوحي (19 عاما) المحتجز منذ عشرة اشهر دون تهمة او حكم. وتابع بيرت ناصحا السوريين نحن نعترف بأهمية سوريا في الشرق الأوسط ونحترم رغبتها في لعب دور اكثر بروزا ولكن مثل هذه الامور تؤثر في الرأي العام العالمي. وفقا لذلك ادعو الحكومة السورية للوفاء بمسؤولياتها الدولية من طريق انهاء ممارستها المتمثلة في الاعتقالات والاحتجازات التعسفية وان تقوم بالإفراج عن مهند الحسني وهيثم المالح وطل الملوحي وجميع الذين سجنوا ظلما فقط لمجرد دفاعهم عن حقهم في حرية التعبير السلمي وحرية تكوين الجمعيات.
في المقابل اكدت لندن تطابق مواقفها بشكل كامل بشأن الوضع في لبنان واعلنت تقديمها هذا العام مساهمة مالية اضافية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان قيمتها مليون جنيه استرليني. وشدد البريطانيون على رؤيتهم بأن العدالة هي مفتاح الاستقرار الدائم في لبنان وان المحكمة الدولية اساسية من اجل طي صفحة الحروب والاغتيالات السياسية الى غير رجعة.
واوروبيا دعمت بريطانيا بقوة مساعي تركيا للإنضمام الى الاتحاد الاوروبي. ومنحت ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) في بانكيتينغ هاوس الرئيس التركي عبد الله غول جائزة تشاتام التقليدية للعام 2010 التي تقدم كل عام لأفضل رجل دولة في نظر البريطانيين. وتابع البريطانيون جهودهم الى جانب السويد وايطاليا دعم ملف انضمام تركيا الى الأسرة الاوروبية الذي يلقى رفضا قاطعا من قبل فرنسا والمانيا.
وفي قضايا الدفاع واثر اضطرار الإدارة الجديدة لخفض المخصصات لهذه الوزارة، عمدت الحكومة الى ابرام اتفاق شراكة نووية عسكرية مع فرنسا هو الاول من نوعه. فوقع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خلال قمة ثنائية في لندن في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) اتفاقيتي تعاون جديدة في مجالي الدفاع والأمن تتضمن إنشاء قوة عسكرية مشتركة وإجراء تجارب نووية بريطانية في مختبر فرنسي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.