منذ ألقت الازمة الاقتصادية الكبرى عامي 2007 و2008 بأثقالها على العالم، تمر التكتلات الدولية والفيديراليات المتحدة بمرحلة مصيرية حاسمة في تحديد مستقبل هذه الاتحادات ومدى قدرتها على الصمود في وجه الضغوط. فشعوب الدول، التي عرفت طعم الرخاء بعد حربين عالميتين طاحنتين، عندما أحست بأن رفاهيتها ستمس من جراء سياسات التقشف التي اضطرت الحكومات الى اتخاذها لتجاوز الازمة بحثت عن كبش فداء تلقي عليه باللائمة في مصابها الجديد.. فكانت الكيانات الموحدة ذلك الكبش. وهكذا سارعت شعوب الدول الاوروبية الكبرى وفي مقدمها البريطانيون الى التذمر من عضوية بلادهم في الاتحاد الاوروبي، منتقدين بشدة تدفق المهاجرين من أوروبا الوسطى والشرقية اليها وما يترتب عليه ذلك من آثار سلبية على اليد العاملة المحلية واستغلال انظمة الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.
والاتحاد الاوروبي ليس الكيان الوحيد الذي عاني ويعاني منذ سبع سنوات من ضغوط اقتصادية واجتماعية تهدد بتفكيكه، فالمملكة المتحدة (بريطانيا وايرلندا الشمالية) بدأت في الاعوام القليلة الماضية تعاني هي الاخرى من خطر الانقسام الى دول مستقلة تماماً عن بعضها البعض، فشعوب الدول الاصغر حجماً فيها مثل اسكوتلندا وويلز وايرلندا الشمالية بدأت تتذمر من مركزة جميع ادارات ومؤسسات المملكة في انكلترا. وولد هذا الاستياء ضغوطا على الحكومة البريطانية نتج عنها استفتاء حول استقلال اسكوتلندا اجري في ايلول 2014 وانتهى لمصلحة بقاء هذا البلد جزءاً من المملكة ولكن الفارق بين الاسكوتلنديين الذين صوتوا للبقاء والراغبين في الاستقلال لم يتجاوز الـ10 نقاط مئوية ما قدم مؤشراً واضحاً الى ان الشعب الاسكوتلندي عموماً يتجه بشكل متسارع نحو تفضيل مستقبل لأجياله القادمة مستقل ومنفصل تماما عن بريطانيا العظمى. وفي حال حصل ذلك يتوقع المراقبون ان لا يتأخر الويلزيون هم ايضا بطلب استقلال ويلز عن المملكة، ثم ينتهي المطاف بالايرلنديين الشماليين بترك المملكة هم ايضا وتوحيد بلادهم مع شطرها الجنوبي الذي انفصل منذ نحو قرن عن المملكة ويعرف منذ ذلك الحين باسم جمهورية ايرلندا.
واليوم تمر بريطانيا بمرحلة مصيرية تسبق استفتاء على مستقبل عضويتها في الاتحاد الاوروبي، حيث يسعى الليبراليون والمعتدلون فيها من محافظين وعمال الى دعم بقائها فردا في اسرة الاتحاد، فيما يرمي المتطرفون انجيلياً والمعتدون بكبرياء الهوية البريطانية الى الانفصال تماما عن اوروبا. وبغض النظر عن نتيجة هذا الاستفتاء الذي ستشهده البلاد بدولها الاربع في 23 حزيران المقبل، فإنه سيخلف حتما وراءه تداعيات على مستقبل وحدة المملكة نفسها. ومع افتتاح الحملات الدعائية للمعسكرين المؤيد لاوروبا والرافض لها في 15 نيسان الجاري، ابدت استطلاعات الرأي الاخيرة تقارباً شديدا في شعبية الطرفين بينما تتراوح نسبة المترددين في حسم خيارهم بين 15 و35 في المئة من اجمالي المصوتين المستطلعة آراؤهم. وهذه الارقام تدل بوضوح الى مدى صعوبة التكهن بنتيجة الاستفتاء ما يجعل الاسابيع المتبقية على يوم الاقتراع مهمة للغاية في عملية جذب الاصوات. فما هي الاجواء الراهنة بين المعسكرين: المتمسك بالاتحاد الاوروبي والرافض له؟
المعسكر المؤيد لأوروبا
سياسياً، اعلن عدد من الاحزاب دعمه التام للبقاء في الاتحاد الاوروبي وبالتالي ينبغي على المنتسبين الى تلك الاحزاب اجمالا التقيد بالقرار الحزبي. وهذه الاحزاب هي: حزب العمال وحزب الليبراليين الديموقراطيين والحزب القومي الاسكوتلندي وحزب ويلز وحزب الخضر. اما حزب المحافظين فترك لأنصاره حرية الاختيار على الرغم من ان زعيم المحافظين رئيس الوزراء ديفيد كاميرون دعا البريطانيين جميعا الى اختيار البقاء في الاتحاد الاوروبي، لأن بريطانيا افضل واقوى ضمن الاسرة الاوروبية الموحدة.
ويترأس حملة بريطانيا اقوى في اوروبا الرئيس السابق لسلسلة متاجر ماركس اند سبنسر اللورد روز. ومن بين ابرز الشخصيات الداعمة لها زعيم حزب العمال جيريمي كوربن، ورئيس الوزراء ديفيد كاميرون وزعيمة الحزب القومي الاسكوتلندي نيكولا ستيرجن وزعيم حزب الليبراليين الديموقراطيين تيم فارون وزعيمة الخضر الحالية تاتالي بينيت والسابقة كارولاين لوكاس، ورؤساء الوزراء السابقين جون مايجور وطوني بلير وغوردون براون والزعماء السابقين لاحزاب العمال والليبراليين الديموقراطيين وعدد كبير من أبرز الشخصيات المحافظة والعمالية على السواء. ويتصدر اللورد ساينزبري صاحب سلسلة متاجر ساينزبري لائحة ممولي حملة البقاء في الاتحاد الاوروبي التي تتلقى أيضاً دعما ماليا من بنكي غولدمان ساكس وسيتي.
مناطقياً، ستصوت غالبية الشعب الاسكوتلندي والويلزي لصالح البقاء في الاتحاد الاوروبي ويأتي ذلك كانعكاس لخيارات أكبر الاحزاب في البلدين وهي: العمال القومي الاسكوتلندي وحزب ويلز (بليد كيمرو).
من نقاط القوة التي تتمتع بها هذه الحملة القدرة على اقناع البريطانيين بأن خيار البقاء في الاتحاد الاوروبي مع العمل على احداث المزيد من التغييرات على العلاقة بين لندن وبروكسل هو الافضل لاجيال المستقبل في بريطانيا. وتتخذ الحملة مثالاً جيداً لذلك الضمانات التي حصل عليها كاميرون مؤخرا من شركائه في الاتحاد الاوروبي لجهة خصوصية العضوية البريطانية في الاتحاد، فالاتفاق الذي توصل اليه الطرفان في شباط الفائت ينص على ان بريطانيا من الآن فصاعدا لديها ضمانات انها ستحافظ على عملتها المستقلة الجنيه الاسترليني ولن تنضم ابدا مستقبلا الى العلمية الاوروبية الموحدة اليورو، كما انها لن تشارك اطلاقا في المستقبل في اي عملية انقاذ مالية يقوم بها الاوروبيون لبلد عضو في الاتحاد يعاني من مشاكل اقتصادية ومالية (على غرار ما حصل في ازمة اليونان). بريطانيا لن توقّع ابداً على اي اتفاقية حدود مفتوحة (مثل شينغن) وستحافظ بالتالي دائما على امن حدودها، بريطانيا لن تشارك في اي جيش اوروبي موحد ولن تصبح جزءا من اي دولة اوروبية عظمى قد تولد مستقبلاً. وبمجرد قول البريطانيين في الاستفتاء نعم للبقاء في الاتحاد سيصبح لبريطانيا الحق في منع المهاجرين الاوروبيين الموجودين على اراضيها من الاستفادة على مدى 7 سنوات من منظومة الرعاية الاجتماعية البريطانية كما ستتمكن من حظر حصول هؤلاء على اي مكاسب خاصة باطفالهم ابتداء من عام 2020.
من نقاط ضعف الحملة تنافر المصالح السياسية البعيدة المدى للاحزاب المؤيدة لها مما يزعزع روابط الثقة داخل هذا المعسكر. فعلي سبيل المثال رغم التأييد التام الذي اعلنه الحزب القومي الاسكتلندي لبقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي الا انه في حال جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الخروج من الاتحاد فسيكون القوميون الاسكوتلنديون عندها اكبر المستفيدين سياسياً، اذ ان نتيجة كهذه ستعطيهم ذريعة قوية جدا لاجراء استفتاء جديد لصالح استقلال اسكتلندا بحجة ان الانكليز هم من صوت للخروج من الاتحاد الاوروبي في حين ان الغالبية الساحقة من الاسكتلنديين تعتبر نفسها اوروبية.
كما ان خسارة هذه الحملة قد يدفع كاميرون الى الاستقالة ويعزز حظوظ زعيم حزب العمال جيريمي كوربن في الوصول الى 10 داوننغ ستريت عند التفاف جميع الليبراليين والمعتدلين واليساريين من حوله كمخلص للبلاد من أتون التطرف والانقسام، التي ستجد نفسها تواجهه مع شخصيات ستبرز بعد كاميرون على الساحة (مثل رئيس بلدية لندن بوريس جونسون) التي قد يؤدي الخلاف الشديد في الرأي بينها وبين القوميين الاسكوتلنديين الى تسريع تفكك بريطانيا العظمى.
المعسكر الرافض لأوروبا
سياسياً، يتصدر حزب استقلال المملكة المتحدة لائحة المطالبين بانفصال المملكة عن الاتحاد الاوروبي. ويسانده في ذلك الحزب الوحدوي الديموقراطي (اكبر حزب في ايرلندا الشمالية) وشريحة واسعة من النواب والسياسيين المحافظين (بينهم 5 وزراء في الحكومة الحالية)، وبعض النواب والسياسيين العماليين، بالاضافة الى عدد كبير من الجمعيات وهيئات المجتمع المدني والاحزاب الصغيرة الحجم مثل الحزب القومي البريطاني.
حتى الآن لم يسمي هذا المعسكر اي شخصية لرئاسة حملته. لكن ابرز الشخصيات فيه زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايغل فاراج ورئيس بلدية لندن (المنتهية ولايته في ايار المقبل) بوريس جونسون والقيادي في الحزب الوحدوي الديموقراطي دوغلاس كارسويل والقيادية في حزب العمال جيزيلا ستيوارت. ومن ابرز الهيئات المشاركة فيه: مزارعون من اجل بريطانيا ومسلمون من اجل بريطانيا واوت اند براود (جمعية للمثليين جنسياً مناهضة للاتحاد الاوروبي). وبرزت هذه الجمعيات في وسائل الاعلام في الآونة الاخيرة في اطار محاولات القيمين على الحملة حشد تأييد لها وسط الجاليات الاقلوية داخل المجتمع. وابرز ممولي الحملة حتى الآن اكبر ممولي حزب العمال الخاصين رجل الاعمال ستيوارت ويلر والملياردير الممول لحزب استقلال المملكة المتحدة كريسبين اودي والمليونير المؤيد لحزب المحافظين بيتر كروداس.
مناطقياً يتوقع ان تشكل انكلترا اكبر خزان اصوات لصالح حملة الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، كما يتوقع ان يصوت اكثر من نصف الايرلنديين الشماليين ايضاً لصالح الطلاق بين لندن وبروكسل.
نقاط قوة هذه الحملة تكمن في سهولة عزف كوادرها على اوتار عدة يطرب لها البريطانيون وابرزها: اولاً لا للتقشف الذي يفرضه استمرار الارتباط بين المملكة والاتحاد الاوروبي، اذ ان المملكة هي بين 10 دول من دول الاتحاد الـ28 التي تضخ اموالاً في الاتحاد اكثر مما تأخذ منه ولا احد يزيد عليها في ذلك سوى المانيا وفرنسا. ثانياً التباهي بالهوية البريطانية والتأكيد ان الجزر البريطانية رغم صغر حجمها اسست مملكة لا تغيب عنها الشمس وبالتالي فإن البريطانيين ليسوا بحاجة الى جيرانهم الاوروبيين لا اقتصادياً ولا حتى امنياً. ثالثا وقف تدفق المهاجرين القادمين من اوروبا الشرقية والوسطى الى المملكة واغلاق الحدود تماما في وجه حربة التنقل التي تتيحها عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي لمواطني الدول الاعضاء في ذلك الاتحاد. رابعاً الخروج من الاتحاد الاوروبي يعيد لبريطانيا سيادتها كاملة ويلغي اي قرارات مصيرية مرتبطة ببروكسل.
من نقاط ضعف هذه الحملة عجزها عن تبديد مخاوف البريطانيين من تغييرات جذرية قد تجلب موجات من عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني على السواء. فلا أحد من كوادر الحملة او معارضيها بإمكانه ان يتصوّر على وجه اليقين ما ستؤول اليه قيمة الجنيه الاسترليني في حال الانفصال عن الاتحاد الاوروبي وما ستصبح عليه اسعار العقارات والاسهم وماذا سيحدث للبريطانيين العاملين او المقيمين في دول الاتحاد الاوروبي. هذه الهواجس قد تنتاب اي بريطاني يوم الاستفتاء وتدفعه الى اختيار الارض الثابتة (البقاء في الاتحاد الاوروبي) بدل المخاطرة في القفز الى المجهول (الخروج من الاتحاد).
زيارة أوباما
يصل الرئيس الأميركي باراك أوباما هذا الاسبوع الى المملكة المتحدة في زيارة رسمية سيعبر خلالها كـصديق (على حد قوله) عن دعمه لبقاء المملكة المتحدة جزءاً من الاتحاد الاوروبي. وقد بدأ معسكر الانفصال عن اوروبا للتو انتقاداته للرئيس الاميركي وتدخله في مسألة تخص الشعب البريطاني وحده، وقد شن كل من رئيس بلدية لندن بوريس جونسون وزعيم استقلال المملكة المتحدة نايغل فاراج نهاية الاسبوع المنصرم حرباً كلامية على أوباما، فاعتبر الاول ان الاميركيين لا يقبلون أبداً أن يشاركهم احد في سيادتهم وفي اتخاذ قراراتهم فلماذا يريدون من البريطانيين الموافقة على مشاركة قرارهم مع الأوروبيين. بالطبع يحق للرئيس الاميركي التعبير عن رأيه الشخصي حيال الاستفتاء ولكن عندما يقبل على الآخرين ما يرفضه هو على نفسه فإن هذا يمكن اعتباره رياء. اما فاراج فوصف اوباما بانه اكثر رئيس اميركي معاد للبريطانيين في تاريخ الولايات المتحدة وحذره من مغبة التدخل في هذه المسألة البريطانية المصيرية.
في المقابل، رحب معسكر البقاء في الاتحاد الاوروبي بزيارة اوباما المرتقبة وبدأت كوادر هذه الحملة بالتشديد على أهمية ما تقوله الدول العظمى وخاصة الحليف التاريخي الاميركي والهيئات الدولية الكبرى مثل صندوق النقد الدولي. وكانت رئيسة الصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد حذرت من خضة مالية واقتصادية كبيرة في حال قرر البريطانيون الانفصال عن الاتحاد الاوروبي. وحذا حذوها قادة اليابان والصين ودول عدة أخرى. ويأمل الداعمون لبقاء بريطانيا في الاتحاد ان يؤتي هذا التهويل حول مستقبل الجنيه الاسترليني والاقتصاد البريطاني اكله يوم الاستفتاء بأن يخشى البريطانيون التغيير ويقنعون بالاستمرار في الوضع الراهن مع الامل بمستقبل افضل لجهة تحسين شروط العلاقة بين لندن وبروكسل.
تداعيات الاستفتاء على وحدة المملكة
لا تغييرات فورية ستطرأ على الاتفاقات الموقعة بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي فحتى وان صوت البريطانيون لصالح الانفصال فإن التغييرات سيتم اجراؤها تدريجياً على مدى عامين. لكن رغم ذلك سيكون لنتائج استفتاء حزيران المقبل تداعيات سريعة لا مفر منها على مستقبل وحدة المملكة وقوة اقتصادها وقيمة الجنيه الاسترليني والعديد من الامور الادارية والامنية والتجارية التي تربط بين بريطانيا ودول القارة الاوروبية. فداخلياً، في حال جاءت النتيجة لصالح البقاء في الاتحاد الاوروبي وبفارق ضئيل هذا قد يولد ردة فعل تقسيمية من الشعب الانكليزي لأن نتيجة كهذه تعني ان تصويت الشعب الاسكتلندي هو الذي ابقى الانكليز رغما عنهم في الاتحاد، وهذا ما قد يؤدي الى ظهور تيارات شعبية وسياسية في المدن الانكليزية تطالب بحل المملكة واستقلال انكلترا نهائيا عن جيرانها التاريخيين.
اما في حال جاءت النتيجة لصالح الخروج من الاتحاد الاوروبي فعندها سيثور الاسكوتلنديون مطالبين باستفتاء جديد حول استقلال بلادهم وهذه المرة سيفوز معسكر الاستقلال حتما بالمعركة، لأن الاسكوتلنديين اعربوا مرارا انهم لا يرغبون ابدا ومهما كانت الظروف في الانفصال عن الاتحاد الاوروبي. وبالتالي فإن النتيجة الوحيدة التي تحمي وحدة البيت الداخلي البريطاني هي نتيجة صريحة لصالح البقاء في الاتحاد الاوروبي وهذا يعني ضمناً ان تكون اكثرية الشعب الانكليزي قد صوتت لصالح استمرار العلاقة بين لندن وبروكسل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.