اختار الناخبون المنتسبون الى حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن زعيما جديدا للحزب بأغلبية ساحقة بعد حصوله على نحو 60 في المئة من اجمالي الاصوات. وهكذا طوى العماليون صفحة يسار الوسط والعماليون الجدد (نيو لايبور) بكافة رموزها من امثال رئيسي الوزراء السابقين طوني بلير وغوردون براون واللورد بيتر ماندلسون، وفتحوا صفحة جديدة من اليسار التقليدي مشبعة بهواء سياسي جديد غير معهود في السياسة البريطانية المعاصرة.
وعقب صدور النتيجة ظهر امس القى كوربن خطابا حدد فيه وجهة السفينة العمالية في المرحلة المقبلة، فشدد على ضرورة وقف التدخل العسكري البريطاني في العالم ومحاسبة كل من يجب محاسبته على ظلم ارتكب بإسم المملكة المتحدة، مذكرا بان العمال يؤمنون بأن العالم أسرة واحدة وبالتالي هذه الفروقات بين دولة واخرى يجب ان تنتهي ويجب ان نرقى بالانسانية سويا. ودعا الى ضرورة استقبال بريطانيا اللاجئين الفارين من اماكن الصراع بصدر رحب وان تلعب دورها كدولة رائدة ومثالا يحتذى على صعيد القيم الانسانية والدفاع عن الحقوق وكرامة الانسان. وتعهد بمحاربة التقشف والعمل على تحسين اوضاع جميع فقراء البلاد الذين اهملتهم وتهملهم بحسب قوله سياسات حزب المحافظين الحاكم.
وبعد انتهاء احتفاء انصاره بالفوز سار كوربين واتباعه في شوارع لندن وانضموا الى مسيرة داعمة لقضية اللاجئين السوريين.
في السياسة الخارجية يتوقع ان يرفض كوربن اي اقتراح في مجلس العموم للتدخل العسكري في سوريا خاصة اذا كان مبهما حول الهدف من القيام به، ولكن من غير المرجح ان يكون تجاوب نواب الكتلة العمالية معه حول هذه المسألة مرتفعا وهذا يعني ان قرارا كهذا قد يمر رغما عنه.
كوربن مؤيد بشدة للقضية الفلسطينية ومنتقد كبير لسياسات اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية. داعم لحق ايران بالحصول على الطاقة النووية المدنية وليس مناهضا لسياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. عارض بشدة اجتياح العراق وهو ينادي بمحاكمة طوني بلير بسبب عدم شرعية تلك الحرب. وقد تكون قدرة كوربن على محاصرة بلير ومحاسبته مضاعفة خاصة ان النائب طوم واتسون المحنك قضائيا والذي وجه اصعب الاسئلة في جلسة استجواب الملياردير روبرت مردوخ خلال قضية فضيحة التنصت الاعلامي انتخب ايضا امس كنائب لزعيم العمال. وهذا يعني ان الثنائي الجديد كوربن - واتسون في حال وضع نصب عينيه ايصال بلير الى قاعة المحكمة فإن هذا سيحصل، خاصة وان بلير كان زعيم الحزب نفسه ووصل عبره الى رئاسة الوزراء لولايتين عامي 1997 و2002.
كوربن يفضل بقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي لأن الاتحاد يعد منظمة يسارية جامعة للشعوب الاوروبية، لكنه لا يبدي حماسة مفرطة تجاه هذه المسألة. وابدى الزعيم اليساري الجديد حرصه على توحيد صفوف العمال مادا يده الى اصحاب الخطوط السياسية الأخرى داخل الحزب المتطرفين منهم والوسطيين، وقد ابدى الزعيم السابق للحزب اد ميليباند وكل من اندي بورنهام وايفيت كوبير اللذين خسرا معركة رئاسة الحزب ضد كوربن رغبتهما في العمل معه من اجل اعادة العمال الى السكة الصحيحة. وكوربن يحظى بثقة الاتحادات العمالية في البلاد، لكنه شخص غير مرغوب فيه بتاتا لدى اللوبي اليهودي والشركات الكبرى والاثرياء وشتى وسائل الاعلام المحلية.
كما تحوم شكوك كبيرة حول اهدافه الطويلة الامد نظرا لانتقاده حلف شمال الاطلسي (ناتو) واعلانه في اكثر من مناسبة وجوب تخفيض موازنة التسلح البريطانية ورفض تجديد برنامج الغواصات النووية لأنه يرغب في عام خال تماما من هذه الاسلحة. هذه المواقف الخاصة بسياسة الدفاع البريطانية هي التي تجعل من كوربن مرشحا يصعب انتخابه لرئاسة الوزراء العام 2020، خاصة في حال استمرت الفوضى في هذا العالم المتقلب وواصلت روسيا في الاعوام الخمسة المقبلة تهديداتها الامنية وسياساتها التوسعية داخل اوروبا، لكن الزعيم الجديد لـالعمال البريطاني لا يزال في بداية الطريق وقد تتغير مواقفه وتتبدل بحسب المستجدات العالمية ومدى رغبته في انتزاع ادارة البلاد من حزب المحافظين في الانتخابات المقبلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.