بدأت الكوابيس والمخاوف التي تنتاب دول البلطيق الثلاث استونيا ولاتفيا وليتوانيا من احتمال اجتياح روسيا لها، تتجسد على ارض الواقع. فقد أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ما يبدو مستشاريه القانونيين بإيجاد منفذ قانوني يشرع لروسيا استعادة هذه الدول التي كانت اجزاء من الاتحاد السوفياتي قبل انفراط عقده مطلع تسعينات القرن المنصرم. هذا ما جاء واضحا في اعلان مكتب المدعي العام الاعلى في روسيا عن بدء النظر في ما اذا كان الاتحاد السوفياتي السابق تصرف بطريقة شرعية قانونية عندما وافق على استقلال استونيا ولاتفيا وليتوانيا العام 1991.
وكان مكتب الادعاء العام، اعلى سلطة قضائية في موسكو، اعلن ايضا الاسبوع الفائت ان قيام الادارة السوفياتية العام 1954، خلال ولاية الرئيس السوفياتي الراحل نيكيتا خروتشيف، بنقل شبه جزيرة القرم من ملكية روسيا وضمها الى اوكرانيا كان غير قانوني. ونقلت وكالة انترفاكس الروسية عن مصدر في مكتب الادعاء ان طلب اعادة النظر في استقلال دول البلطيق جاء بطلب من عضوين في مجلس الدوما هما النائبان انطون رومانوف ويفغيني فيودوروف المنتميان الى حزب بوتين روسيا المتحدة، واوعز هذان النائبان في رسالتهما الى الادعاء بأن قرار اعتراف الاتحاد السوفياتي العام 1991 باستقلال استونيا ولاتفيا وليتوانيا تم اتخاذه من قبل هيئة غير دستورية.
وكانت روسيا اعربت عن استيائها العارم عندما انضمت دول البلطيق الثلاث الى حلف شمال الاطلسي في آذار العام 2004، وابدت قلقها من الخطر التي باتت تشكله هذه الدول على الامن القومي الروسي خاصة بعد دخول تلك الدول اسرة الاتحاد الاوروبي في ايار 2004. وازدادت مخاوف دول البلطيق منذ العام الفائت بعدما احتلت روسيا شبه جزيرة القرم التي كانت جزءا من اوكرانيا وقامت بدعم الانفصاليين في شرق اوكرانيا. وهذا ما دفع الاطلسي الى وضع استراتيجية دفاعية جديدة لحماية استونيا ولاتفيا وليتوانيا من اي هجوم روسي محتمل. وهذه الاستراتيجية التي تقوم على نشر قواعد عسكرية للحلف في الدول الثلاث وفرقة رأس حربها عديدها لا يقل عن 5000 عنصر من اكفأ المقاتلين في صفوف الحلفاء، اعتبرتها موسكو استفزازا مباشرا لها وانتهاكا لاتفاقية وقعت العام 1997 بين روسيا والاطلسي تحظر على الاخير نشر قواعد عسكرية دائمة له في دول البلطيق. فكان رد الاطلسيين ان قواعدهم المقرر نشرها في الدول الثلاث غير دائمة.
ومع ورود انباء المراجعة التي يقوم بها القضاء الروسي لملف استقلال دول البلطيق، حل القلق ضيفا على حكومات تلك الدول التي نددت امس بالخطوة الروسية. فوزير الخارجية الليتواني ليناس لينكيفسيوس اعتبر المراجعة استفزازية ولا يتقبلها سياسيا واخلاقيا اي عقل، فيما تعجب نظيره الاستوني كيت بنتوسروسيمانوس متسائلا لماذ يضيع الادعاء الروسي وقته في مثل هذه المراجعة التي لا طعم لها. اما وزير الخارجية اللاتفي ايفارس لاسيس فقال اذا اردنا اتباع المنطق الروسي، فهذا يعني ايضا ان شرعية استقلال روسيا نفسها امر مشكوك في صحته.
وتجدر الاشارة الى ان بوتين كان تذرع لدى ضمه القرم ودعمه الانفصاليين في شرق اوكرانيا بحماية كرامة ومصالح الجاليات ذات الاثنية الروسية فيها. وتعتبر ليتوانيا هي اقل دول البلطيق احتواء لجالية ذات اثنية روسية، فبحسب احصائيات عام 2012 تشكل الجالية ذات الاثنية الروسية زهاء 25 في المئة من اجمالي سكان استونيا و26 في المئة من مجموع سكان لاتفيا و6 في المئة فقط من سكان ليتوانيا.
وفي اطار تحضيرات الاطلسي الدفاعية في دول الجوار وصل الامين العام للحلف ينس ستولتنبرغ امس الى العاصمة الرومانية بوخارست في زيارة تستمر يومين يقوم خلالها بتدشين مقر لوحدة الحلف في رومانيا. وفي سياق الاخذ والرد الحاصل بين الاطلسيين والروس، اعلن رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر مطلع الاسبوع الجاري تعزيز العقوبات الكندية على روسيا لمعاقبتها على سياساتها الانتهاكية لسيادة دول الجوار ولا سيما اوكرانيا، فنددت روسيا امس بهذه الخطوة الكندية التي تسيء الى العلاقات بين موسكو واوتاوا وتوعدت باتخاذ خطوات مناسبة للرد على هذا الهجوم، حسب تعبير الناطق بإسم الخارجية الروسية الكسندر لوكاشفيتش.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.