8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاستحقاق الديموقراطي الذي ستشهده الولايات المتحدة الأميركية اليوم سيرسم ملامح الإدارة في واشنطن على مدى العامين المقبلين. وبغض النظر عن النتيجة التي ستحملها صناديق الاقتراع، فإن السياسة الخارجية للبلاد ستتأثر بها بشكل أو بآخر. ومفعول السحر في الانتخابات اليوم سيتركز في المقاعد الـ36 التي قد تقلب الموازين لمصلحة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ خصوصاً والكونغرس عموماً. وبحسب آخر استطلاع للرأي نشرته صحيفة واشنطن بوست أمس فإن مجلس الشيوخ الذي ينعم فيه الحزب الديموقراطي حتى الآن بأكثرية 53 مقعداً مقابل 45 للحزب الجمهوري سيتحوّل بعد انتخابات اليوم الى سيطرة الجمهوريين بـ53 مقعداً مقابل 47 فقط للحزب الحاكم.
ومع الترجيحات الكبيرة بعدم فقدان الجمهوريين همينتهم على مجلس النواب، فهذا يعني أن الحزب الجمهوري المعارض لسياسات الرئيس باراك أوباما في طريقه ليسيطر بشكل تام على مجلسي الكونغرس وعلى القرار التشريعي في البلاد.
إن سيناريو سيطرة الجمهوريين على الكونغرس سيشل قدرة أوباما على اتخاذ قرارات مصيرية كبرى في الشؤون الداخلية والاقتصادية، ويبقى له ورقة وحيدة ليلعب بها من أجل تحسين شعبيته وعدم إعدام آمال حزبه الديموقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة العام 2016. هذه الورقة هي السياسة الخارجية ولهذا السبب قد يضطر إلى إجراء تعديلات حكومية كبيرة تتناغم مع اتخاذ قرارات حاسمة في عدد من الملفات المهمة بالنسبة لواشنطن. لهذا من غير الممكن استمراره في السياسة الضبابية غير الحازمة لا سيما في ملفات سوريا والعراق وأوكرانيا والنووي الإيراني، لأن استمراره على هذا المنوال والضغط الكبير الذي سيسببه له الجمهوريون المنتقدون لهذه السياسة الخارجية والدفاعية الضعيفة بنظرهم، سيؤديان في نهاية المطاف إلى تحطيم حظوظ المرشح الديموقراطي المقبل لرئاسة البلاد بالفوز في سباق البيت الأبيض بعد عامين.
لهذه الأسباب، فإن الدول الحليفة للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الاوسط التي تتضررت مصالحها بشكل كبير بسبب سياسة أوباما الخارجية، تنظر بكل اهتمام الى ما ستفرزه صناديق الاقتراع الأميركية اليوم أملاً في أن تؤدي النتائج إلى تغيير طال انتظاره في سياسة القيادة من الخلف التي اشتهرت بها أميركا أوباما على مدى السنوات الست الأخيرة.
وفي مقدم هذه الدول، تأتي تركيا واسرائيل والمملكة العربية السعودية. فالأولى شاهدت شبكة حلفائها تتهاوى في ثورات الربيع العربي بعد أن وصلت بشكل موقت قصير الأمد الى سدة الحكم في مصر وتونس وتكاد تندحر تماماً في سوريا أمام نيران داعش ونظام الأسد، والثانية تدور بها الظنون والشكوك حول مدى فاعلية سياسة المفاوضات واليد الممدودة حتى آخرها مع إيران. أما الثالثة فقد دفع بها حد الامتعاض من سياسة المجتمع الدولي عموماً وواشنطن خصوصاً تجاه الأزمة السورية الى رفض مقعد في مجلس الأمن الدولي، ناهيك عن عدم ثقتها بنية إيران التخلّي فعلياً عن طموحاتها العسكرية النووية.
إن هدف تركيا في سوريا واضح وهو الإطاحة ببشار الأسد، وهذا ما حرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تأكيده مع نظيره الفرنسي فرنسوا هولاند خلال قمتهما الأخيرة في باريس. وإدارة أردوغان تدرك تماماً أن واشنطن بحاجة ملحّة الآن أكثر من أي وقت مضى الى شراكة الأتراك في حلف شمال الأطلسي وأهميتهم الاستراتيجية البالغة في وقف التهديد الروسي المتعاظم في الأزمة الأوكرانية. ونظراً الى تعاظم نفوذ إيران في المنطقة ودعمها الأعمى لنظام الأسد الذي يزعج ليس أنقرة وحدها فحسب بل الرياض أيضاً، يشعر الأتراك والسعوديون أن سياسة أوباما الخارجية لا بد أن تتحوّل في الجزء المتبقي من حكمه إلى مصلحتهما.
ولكن كل هذه الحسابات قد تكون خاطئة تماماً خاصة مع رئيس من طينة أوباما لا يمكن التكهن بخطواته التالية ولا أحد أكثر دراية من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في مدى سرعة الرئيس الأميركي في تغيير قررات مصيرية في الدقائق بل الثواني الأخيرة، وخير مثال على ذلك كان عزوفه عن توجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد عقاباً له على استخدام الأسلحة الكيميائية صيف العام المنصرم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00