مع استشراء الفساد في الطبقة السياسية العالمية وغياب القادة والزعماء الحقيقيين القادرين على الحكم بالعدل والاهتمام بامور رعيتهم، بحثت منظمة الأمم المتحدة بشكل مكثف في الأعوام الاخيرة في ملفات الأكاديميين العالميين المعروفين أملا في العثور على اختصاصيين في اعطاء الدروس في فن قيادة الأمم، ووجدت ضالتها في كبير هؤلاء جون ادير الكاتب البريطاني المعروف على الساحة العالمية بأنه اول من الف كتابا في عالمنا المعاصر عن مواصفات القائد الناجح. ومنذ كتابه هذا اصبح هذا الموضوع يدرس كإختصاص في الجامعات الغربية. ادير اليوم يرأس معهد الأمم المتحدة التعليمي والتدريبي لكوادر المنظمة العالمية الكائن في تورينو في ايطاليا.
لأدير أكثر من 40 كتابا ومؤلفات تشمل القيادة على انواعها ليس فقط السياسية منها بل بل ايضا في كيفية قيادة مؤسسات الاعمال والاقتصاد والاجتماع والتنمية. في العام 2009 عينته الأمم المتحدة رئيسا لدراسات القيادة في المجمع التدريبي لكوادرها الكائن في مدينة تورينو الإيطالية، ومؤخرا كرمته الصين بمنحه لقب بروفسور فخري تقديرا لبحوثه الإستثنائية واسهامه الكبير في مجال القيادة.
أصدر أدير في العام 2010 كتابه قيادة محمد الذي يتناول فيه المميزات العظيمة التي تمتع بها النبي محمد كقائد ناجح لم يسبق له مثيل وخاصة خلال تعامله مع القبائل العربية المتناحرة. ويعكس أدير في الكتاب خبرته مع البدو الذين عمل الى جانبهم ويشير الى عقليتهم الصعبة بما يؤكد على القدرات المميزة التي كان يتمتع بها الرسول. ولأدير ايضا كتب في شخصيات تاريخية أخرى بينها عيسى المسيح عليه السلام.
خلال لقاء لـالمستقبل معه في منزله في غيلدفورد، أسف أدير للقمع الوحشي الممارس في سوريا وليبيا، لكنه أعرب عن تفاؤله بمستقبل الشعوب العربية التي برأيه لم تعد تحتمل العيش تحت سلطة رؤساء فاسدين وديكتاتوريين اسلوبهم في القيادة يناقض تماما السيرة النبوية التي يحرص اليوم ابرز رؤساء العالم على الإقتداء بها كي ينجحوا في حكم بلدانهم وادارة حكوماتهم. وهنا نص الحوار:
[ما الظروف التي دفعتك للكتابة عن الرسول محمد ؟
القصة طويلة وتعود بداية الى العام 1954 عندما كنت اؤدي الخدمة العسكرية التي كانت الزامية في بريطانيا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية . وانا كنت الوحيد الذي خدم في صفوف جيش عربي وتحديدا في فيلق من البدو. كنت مساعد ضابط لمدة عام وكنت البريطاني الوحيد بين 900 جندي من البدو وكان علي ان اتعلم العربية. خلال هذه السنة تمكنت من التعرف جيدا الى البدو وطباعهم وكانوا يطلقون علي اسم سويلم. القيادة بين البدو هو شيء شد اهتمامي للغاية خاصة واني كنت كتبت عدة كتب في القيادة فللبدو ميزات خاصة جدا وهم لم يتغيروا على مر الزمن الا منذ منتصف القرن الماضي بعد استخراج النفط ودخول التكنولوجيا الرقمية والهواتف الخليوية الخ الى حياتهم اليومية. بسبب انعزالهم طويلا داخل شبه الجزيرة العربية هم لم يتغيروا من ايام الرسول وصولا الى العقود الاولى من القرن الماضي لذا شعرت ان البدو الذين عشت معهم كانوا حتما مشابهين الى حد كبير للبدو ايام الرسول فالبعض منهم يتحدرون من القبائل نفسها التي عاصرت محمد. وعندما بدأت قراءة السيرة النبوية لاحظت انه امضى الفترة الاولى من حياته في خيمة بدوية وهذا ما اعطاني الشجاعة والثقة لأتعمق اكثر واطلع على ميزات محمد وشخصيته القيادية. وجدت بالفعل ان الرسول تمكن من فهم العقلية والنفسية البدوية وعرف مفاتيحها فهو لم يكن غالبا يعطيهم اوامر بل يطرح خيارات يكون احدها ما يريده ويعرف جيدا انهم سيفضلونه على الخيارات الأخرى. فقد كان خبيرا في ما يعشقون وما يكرهون وهذه ابرز صفات القائد الناجح ان يكون قريبا جدا من رعيته ويعرف اهواءهم وتطلعاتهم فيصبح من السهل عليه التعامل معهم لا سيما في وقت الأزمات. واحد اهم اقواله المأثورة كبير القوم خادمهم، هذا القول بالنسبة لي يشكل الركيزة الأساس للقائد العادل والناجح في اي زمان واي مكان.
[ما هي المواصفات التي تميز بها الرسول ولا توجد عند القادة الآخرين؟
الميزة الأولى قدرته الفائقة على تحويل الأعداء الى أنصار. واستشهد هنا بموقعة حنين او عند العودة الى مكة والطريقة التي تعامل فيها مع الخصوم وبالآية الكريمة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وهذه الميزة بنظري تولد مع الشخص وهي نابعة من دماثة الخلق والنفس الكريمة المتسامحة التي لا تعرف الغل والحقد. قادة قلة في تاريخ البشرية كان لديهم هذه الميزة اذكر من التاريخ الحديث الرئيس الأميركي الراحل ابراهام لينكولن كان لديه هذه العطية ولكنه لم يكن بذكاء محمد الذي كان خلاقا أكثر في استعمالها وايضا في ظروف اشد تعقيدا وصعوبة.
[ بعد الاعتداء الإرهابي في اوسلو الذي قام به اصولي مسيحي يريد شن حرب صليبية جديدة ضد الإسلام، ما سبب مشاعر الكراهية للدين الذي أتى به محمد؟ وما سبب انتشار المجموعات المتطرفة المعادية للمسلمين في اوروبا؟
أنصح هذه المجموعات بإكتساب المزيد من الوعي والخبرة في الحياة وان يقوموا بالإطلاع على ثقافات ومعتقدات الآخرين قبل الحكم عليها بشكل أعمى. اذا سبب مشاعر الكراهية والعداء واضح وهو الجهل. وللأسف الجهل لا يقتصر فقط على الأوروبيين العنصريين او الاصوليين فحسب بل يمتد ليشمل شريحة واسعة من العالم الإسلامي عموما والعربي خصوصا فهؤلاء ايضا ولا سيما الطبقة الحاكمة لا يقدرون القرآن حق قدره ولا يمتثلون في اسلوب حياتهم بسيرة الرسول وقيادته الحكيمة. أنظر الى التحركات الشعبية اليوم او الربيع العربي من يقوم بها؟ انهم شبان يؤمنون بمستقبل افضل ويعترضون على الاستمرار في العيش في ظل حكام بعيدين كل البعد عن قواعد القيادة العادلة والحكيمة كما ارساها محمد. فأنا في دروسي التي اعطيها الآن للكوادر القيادية في الأمم المتحدة اعدد مواصفات محمد الذي كان يلقب بـالأمين ونال ثقة كل من يعرفه حتى قبل ان ينزل عليه الوحي. ميزاته يجب ان تتوافر في اي قائد ناجح وهي الحماسة والأمانة والنزاهة والإستقامة، الصرامة والعدالة في الوقت عينه، الشهامة والكرم والصدق واللطف والانسانية وايضا وقبل كل شيء التواضع. كل هذه الميزات كانت موجودة لدى محمد، لكن انظر اليوم الى الحكام الذين يديرون المناصب كأنها ملك لهم وليست للشعب، فساد ورشاوى في كل مكان واتحدى ايا كان اذا كان بإمكانه ان يأتي لي بحادثة فساد او رشوى او اي شيء من هذا القبيل خلال فترة قيادة محمد للمسلمين. فهو في المسائل المالية والمكاسب المادية كان شفافا للغاية واسلوب حياته لم يكن فخما وعظيما بينما الحكام في الدول العربية اليوم يجدون في المنصب وسيلة لإثراء انفسهم وعائلاتهم وحاشيتهم المقربة منهم وكل اساليبهم بعيدا عن التعاليم الإسلامية الصحيحة. عندما يحتل القائد المنصب فإن مهمته الاولى هي خدمة الشعب تماما مثل الراعي وهنا أذكر ان اول شخص تأثر به محمد كان جده ابا طالب الذي كان راعيا. وهنا اكرر حديثه الذي قال فيه ان قائد القوم خادمهم. وهذا صحيح لأنه عليك ان تخدم الآخرين كي تكون صالحا لقيادتهم.
[ لا أعتقد انه يمكننا شمل جميع الحكام العرب في خانة واحدة. ولكن بما انك تطرقت الى الثورات العربية كيف ترى القمع الدموي الذي يحصل اليوم في بعض البلدان؟
بالطبع انا اعني الأنظمة الديكتاتورية بالدرجة الأولى وادعو الأنظمة الأخرى الى العودة الى الأصول التي ارساها الرسول في ممارسة الحكم. واعود مجددا الى قوله قائد القوم خادمهم لأنه برأيي يلخص في ثلاث كلمات ما يعرف اليوم بالديموقراطية السياسية وتداول السلطة. عندما تخدم الشعب ويرضى عن ادائك يجدد انتخابه او مبايعته لك لولاية ثانية، واذا لم تجب لتطلعاته وحاجاته فله الحق في ابدالك بآخر وهذا ما يتم عادة في البلدان الغربية اليوم عبر صناديق الإقتراع. لكن في البلدان العربية الزعماء ولا سيما الديكتاتوريين كالقذافي والأسد ومبارك يقولون هذا المنصب لي للأبد وعندما تنتفض الشعوب يواجهونها بالمدافع والدبابات. هناك صراع يحصل الآن في العالم العربي من اجل التحرر من الهيمنة المفروضة على السلطة والشعوب من قبل حكام فاسدين، والمهم الآن من وجهة النظر العالمية ان تعود الميزات الرائعة للقيادة الإسلامية الصحيحة الى الواجهة مجددا ليس فقط لصالح الشعوب العربية ولكن ايضا لأن باقي دول العالم ايضا تحتاج لأمثلة جيدة. فالشعوب والدول العربية مطالبة اكثر من غيرها بأن تكون الأفضل لأن الله من عليها بنعمة القرآن. يجب ان يكونوا قدوة لباقي شعوب العالم. وهذا لا يمكن ان يحصل الا اذا اعتنق جميع القادة في البلدان العربية ولا اعني فقط رؤساء الدول بل من رؤساء المجموعات او البلديات وصولا الى رأس الدولة. عندما يتبنى هؤلاء ميزات الرسول التي فندتها بالتفصيل في كتابي قيادة محمد ويطبقونها في حكمهم وتصرفاتهم عندها فقط ستصبح الدول العربية والإسلامية هي الرائدة في المستقبل.
[قرأت ايضا كتابك قيادة عيسى المسيح. كون لبنان مزيجاً من المسيحيين والمسلمين بم تنصح القادة في هذا البلد؟
أؤكد للجميع ان الرسولين العظيمين عيسى ومحمد علما المبادئ والقيم الأخلاقية نفسها. لهذا انا اعتقد في حال تمكنا من التوصل الى ارضية مشتركة لتحديد كيفية القيادة الناجحة مأخوذة من التعاليم الإسلامية والمسيحية الصحيحة فإن هذا سيسهل علينا ايجاد فريق من الحكام يعمل بتوافق وانسيابية لقيادة البلدان المختلطة مثل لبنان او نيجيريا على سبيل المثال. وهنا اعتقد ان الامور تبدأ في تغيير العقليات ونبذ الفكر المتطرف ومد الجسور مع الآخر والبناء على القواسم المشتركة وهي كثيرة من اجل القدرة على العمل سويا في بناء المستقبل بدلا من التناحر والاقتتال وسعي فريق الى الهيمنة على الفريق الآخر. ومن يطبق التعاليم الاسلامية او المسيحية الحقيقة كما يجب لا بد وان يكون حاكما جيدا، لهذا المسألة تكمن في ما يقرره هؤلاء الحكام انفسهم فإما يكونون حكاما درجة أولى ويحكمون بالعدل والشراكة وعدم التمييز واما ان يكونوا حكاما درجة ثانية ويعيشوا في عقليتهم المتخلفة الانعزالية ويغدقوا فقط على حاشيتهم والمقربين منهم. لهذا مستقبل البلدان ومدى عظمتها يتوقف على شخصيات حكامها وادائهم. وهذا ايضا هو العامل الرئيسي في تحديد مستقبل العالم بأسره. لهذا اظن انه واجب علينا ان نخاطر بجمع خبراء وقادة من خلفيات متعددة ليناقشوا ما يجمع بينهم وما يمكن ان يتفقوا عليه. وهنا اود ان اشير الى ان محمد واخلاقه وميزاته ليست مهمة فقط للمسلمين كي يقتدوا بها بل ايضا للمسيحيين واصحاب المعتقدات الأخرى. طبعا المسيح كان له اخلاق مشابهة لمحمد لكن قدرته على استقطاب الناس لإعتناق الدين الجديد جاءت في غالبها من قدرته التي منحه اياها الخالق على اجتراح المعجزات كإعادة البصر الى العميان وما شابه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.