8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يوم مصيري في تاريخ اسكتلندا والمملكة المتحدة

يتوجه الاسكتلنديون اليوم الى صناديق الاقتراع لتقرير مستقبل اسكتلندا فيختارون اما الاستقلال والانفصال عن المملكة المتحدة واما البقاء كما هي الحال عليه منذ ثلاثة قرون اي كجزء من المملكة. واستفتاء اليوم سيكون تاريخيا ومهما جدا ليس فقط لاسكتلندا وحدها فحسب، بل ايضا لجميع الاجزاء الاخرى في بريطانيا العظمى (انكلترا وويلز وايرلندا الشمالية)، ففي حال قرر الاسكتلنديون الانفصال سيؤدي هذا الخيار الى تداعيات كبيرة على شكل الاقتصاد البريطاني المقبل وقيمة الجنيه الاسترليني والعملة الاسكتلندية المستقبلية وعلى تركيبة الجيش البريطاني واقامة حدود جديدة خاصة باسكتلندا وغيرها من التغيرات الكبيرة التي ستطرأ على حياة البريطانيين عموما والاسكتلنديين خصوصا. اما اذا قرر الاسكتلنديون البقاء ضمن الاسرة البريطانية الموحدة فهذا يعني ان المملكة ستخرج اكثر اتحادا وقوة من هذا المنعطف التاريخي وسيحظى الشعب الاسكتلندي بكل ما يطلبه من تعزيز لنوعية الاستقلال الذاتي وتوسيع لسلطات البرلمان الاسكتلندي في ادارة شؤون اسكتلندا الداخلية ضمن بريطانيا العظمى.
وبحسب آخر استطلاعات الرأي، يتقدم الموالون لبريطانيا على المطالبين بالاستقلال باربع نقاط مئوية 52 في المئة مقابل 48. لكن جميع مراكز القرار ووسائل الاعلام في المملكة تؤكد ان المنافسة في اسكتلندا ستكون حامية وان احدا لا يمكنه التكهن بالنتيجة مسبقا، لا سيما ان 350 الفا من المصوتين لم يحسموا قرارهم بعد اذا كانوا سيصوتون نعم للاستقلال ام لا. وهذا يؤكد ان أي فارق مئوي في استطلاعات الرأي بين الحملتين لا يتعدى حاجز العشر نقاط، معناه ان الضبابية حول النتيجة مستمرة وليس هناك اشارة واضحة الى ان هذا الفريق او ذاك سيفوز في الاستفتاء.
اما تفاصيل العملية الديموقراطية التي ستشهدها اسكتلندا اليوم فهي: سن التصويت (16 عاما وما فوق)، عدد المقترعين المسجلين للتصويت (اربعة ملايين و285 الفا و323 مقترعا)، عدد المحافظات (32)، عدد مراكز الاقتراع 5579 مركزا. تبدأ عملية الاقتراع عندما تفتح مراكز التصويت ابوابها الساعة السابعة صباحا بتوقيت غلاسكو وتنتهي عندما تقفل المراكز ابوابها عند العاشرة مساء. تبدأ عملية فرز الاصوات عند العاشرة مساء ويتوقع ان تصدر النتيجة بشكل رسمي قرابة الساعة السابعة من صباح يوم غد الجمعة. ويرجح ان تكون المشاركة كثيفة وان تتجاوز نسبة المقترعين 80 في المئة من المسجلة اسماؤهم.
وسار زعماء الحملتين ومناصروهم في شوارع المدن الاسكتلندية امس محاولين حشد المزيد من التأييد. وأطلقت الحملة الموالية للبقاء مع بريطانيا ظهر امس نداءين أخيرين في خطابين لرئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون ووزير الخزانة السابق اليستير دارلينغ شددا على ان من يحب اسكتلندا يصوت بلا للاستقلال لأن اسكتلندا موقعها الطبيعي والتاريخي ضمن المملكة المتحدة. وحذرا من سنوات الضياع التي ستشهدها اسكتلندا في حال قررت الاستقلال في وقت يشهد اقتصادها انتعاشا هو الافضل بين الاقسام الاخرى التي تشكل المملكة المتحدة، وذكرا بأن الاسكتلنديين خاضوا الى جانب الانكليز والويلزيين والايرلنديين حربين عالميتين ولم يفرق عندها الجنود تحت العلم البريطاني ما هي قوميتهم. ومن الجهة المقابلة، واصل زعيم الحزب القومي الاسكتلندي اليكس سالموند اللعب على الوتر القومي وان اسكتلندا قوية بمفردها وقادرة على لعب دورها كاملا على الساحة العالمية دون الحاجة الى البقاء ضمن الاسرة البريطانية وان الاوان حان لتكف ويستمنستر عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالشعب الاسكتلندي.
وكان قادة الاحزاب البريطانية الكبرى وهم زعيم حزب المحافظين رئيس الوزراء دايفيد كاميرون وزعيم حزب الليبراليين الديموقراطيين نائب رئيس الوزراء نيك كليغ وزعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج وزعيم حزب العمال اد ميليباند حاولوا خلال الايام الاربعة الاخيرة دعم الحملة الرافضة استقلال اسكتلندا وحذروا من مخاطر الانفصال على اقتصاد اسكتلندا وامنها. وتعرض هؤلاء لصيحات الاستهجان من القوميين الاسكتلنديين، وتعرض ميليباند خلال مروره في ادنبره لاعتداء من المطالبين بالاستقلال الذين وصفوه بـالكاذب وبـالقاتل مثل سلفه توني بلير. ومع مرور الوقت واقتراب موعد الحسم عززت الشرطة انتشارها في الشوارع تفاديا لأي عراك قد ينشب بين الحملتين بعدما سجلت حالات فردية من هذا النوع في الاسبوعين الاخيرين. وكان من المفاجئ عصر امس حصول بعض الحانات من بلديات بعض المدن على ترخيص لفتح ابوابها طوال ليلة الخميس ـ الجمعة التي ستعلن فيها النتائج، وذلك خلافا لما أشيع في وقت سابق ان البلديات فرضت على الحانات عدم تقديم الخمور والمشروبات الكحولية طوال اليوم الذي سيشهد عملية الاقتراع تفاديا لحصول اي مشاكل قد تتطور لتصبح مآسي. وانتقدت الشرطة امس قرار المجالس البلدية وحذرت من ان هذا قد يؤدي الى اشتباكات حتمية خاصة اذا كانت نتيجة الاستفتاء ضد الاستقلال.
ويبلغ التحدي اوجه بين مشاهير اسكتلندا، فبين الرافضين بشدة الاستقلال هناك السير اليكس فيرغسون، الكاتبة جاي كاي رولينغ (مؤلفة قصص هاري بوتر)، الممثل مايك مايرز، المطربة سوزان بويل، الممثلة ايما طومبسون، الممثل جون بارومان. لكن من الجهة المقابلة المؤيدة للاستقلال هناك ايضا اسماء كبيرة كالممثل شون كونري (اول من مثل العميل السري جايمس بوند)، الممثل برايان كوكس، الكوميدي فرانك بويل، الكوميدي كيفن بريدجز، الممثل آلان كامينغ. فيما يقف مشاهير آخرون موقف المتفرج الذي لم يقرر اذا كان سيصوت مع الاستقلال او ضده وبين هؤلاء المطربة آني لونوكس وبطل كرة المضرب اندي موراي والكوميدي بيلي كونيللي. كما يسعى بعض النجوم المحببين على امتداد المملكة، حتى لو كانوا من انكلترا وليسوا من اسكتلندا، الى التأثير بدورهم في خيارات الناخبين، وفي هذا السياق اطلق نجما الموسيقى والغناء الاكثر شهرة في بريطانيا والعالم دايفيد بووي والسير بول ماكارتني نداء الى الشعب الاسكتلندي بعنوان رجاء اسكتلندا ابقي معنا، كما شدد نجم كرة القدم الانكليزي دايفيد بيكهام وزوجته فيكتوريا على اهمية استمرار وحدة الصف بين الاسكتلنديين والانكليز.
وتجدر الاشارة الى ان معاهدة دخول اسكتلندا في اتحاد مع انكلترا وتشكيل ما يعرف بامبراطورية بريطانيا العظمى يعود الى القرن الثامن عشر وتحديدا الى العام 1707. وهذا يعني انه في حال قررت اسكتلندا الاستقلال وانهاء وجودها كدولة تتمتع بحكم ذاتي داخل المملكة المتحدة، فان نواة بريطانيا العظمى ستتفكك بعد 307 اعوام من الاتحاد بين الانكليز والاسكتلنديين. ولا احد يعلم كيف ستتجه الامور بالنسبة الى مستقبل باقي المملكة المتحدة او اسكتلندا نفسها في حال قرر شعبها الاستقلال، لكن من شبه المؤكد انه في حال نجحت تجربة اسكتلندا مع الانفصال قد يؤدي هذا تدريجيا الى تفكك الاجزاء الاخرى حيث ستطالب ويلز عندها بالاستقلال هي الاخرى ثم تليها ايرلندا الشمالية التي قد تجد من الافضل لها الاتحاد مع جمهورية ايرلندا. ولا بد من الاشارة الى ان الدول الحليفة لبريطانيا وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية لا تحبذ ابدا استقلال اسكتلندا وتفكك المملكة المتحدة. وقد أبدى الرئيس الاميركي باراك اوباما والرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون رغبتهما في رؤية اسكتلندا تستمر جزءا لا يتجزأ من المملكة المتحدة. ويجد رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون نفسه في وضع اكثر من حرج خاصة اذا حصل تفكك للمملكة في عهده، وقد يؤدي هذا الى استقالته فورا من منصبه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00