شهدت الساحة العراقية في الأشهر الاخيرة تحسنا امنيا ملحوظا، فقد انحسرت موجة العنف عما كانت عليه في الفترة التي تلت الاجتياح الاميركي والبريطاني للعراق قبل خمس سنوات. الكل ينظر على الانتصار الامني على انه نتيجة للجهود العسكرية التي تبذلها القوات الاميركية والجيش العراقي، ولكن هناك ايضا لاعبون مهمون يؤدون أدوارهم خلف الكواليس وهمهم الاكبر رؤية العراق بلدا مزدهرا ينعم بالأمن والسلام. ولهذا الهدف قدم اسقف الكنيسة الانغليكانية في بغداد القس البريطاني اندرو وايت، أحد هؤلاء اللاعبين، الى بيروت ليشرف على مؤتمر يجمع بين اعلى القيادات الدينية العراقية من طائفتي السنة والشيعة، وهدف المؤتمر التوصل الى اصدار فتوى مشتركة تحرم العنف وتنبذه.
وقد اجرت "المستقبل" حوارا معه وسألته عن العراق واللاعبون فيه، فأكد تورط سوريا وايران في الاحداث هناك، ورد على مسألة التشابه بين العراق ولبنان بتوصية العراقيين بالتعلم من لبنان لأن فيه تعددا طائفيا كبيرا.
اما بالنسبة لمستقبل العراق، فإنه متفائل، على الرغم من العنف الذي استشرى هناك، خصوصا مع انخفاض مستوى العنف، حيث يرى ان تنظيم "القاعدة" يعاني عقب الضربات التي وجهت له، خصوصا من قبل "لجان الصحوة" السنية. والآتي نص الحوار:
أنت تعمل في بغداد منذ عام 1998. اذا فقد امضيت 5 سنوات هناك خلال حكم صدام. كيف تقيم الحياة في بغداد في ايام صدام وفي الـ5 سنوات الاخيرة بعد الاطاحة بالنظام العراقي؟
ـ اعتقدت دوماً ان صدام يجب ان يزاح على السلطة لانه كان دكتاتورا بكل ما في الكلمة من معنى، فالحرية والديموقراطية كانت غائبة كليا تحت حكمه، لذا لم اكن ضد الحرب على العراق بل كنت معها. ولكن في الخمس سنوات التي تلت الغزو حدثت اخطاء كثيرة بعد الغزو مباشرة ولا يزال حتى الان بعض الأخطاء يرتكب ايضا. لكن اليوم نرى ان الأمور تغيرت وأصبحت تأخذ منحىً ايجابيا اكثر. الا ان التقدم بطيء والطريق الى الهدف طويل جداً؟ وأحد ابرز المشاكل التي سببت تلك الاخطاء هو عدم اخذ امور الدين بجدية. لا يمكن فرض الأفكار الغربية والديموقراطية بالقوة في مجتمع شرق اوسطي هكذا طريقة لن تجدي.
صدام كان دكتاتورا، ولكن الا تظن ان توقيت الضربة جاء متسرعا قليلا او في غير وقته؟
ـ لا اعلم اذا كان توقيت الضربة كان في محله ام لا. ولكني اعلم ان الشعب العراقي لم يكن باستطاعته او لم يحاول ازاحة صدام، وكان اجراء حصار وضغوط على نظامه يأخذ وقتاً اطول ولم يكن ليجدي نفعاً. لهذا كان لا بد من الضربة.
تورط سوري وايراني
هناك انظمة اخرى في العالم العربي، هل صدام الدكتاتوري الوحيد؟
ـ سوريا سيئة حقاً. انه نظام رهيب وسيئ جداً.
الولايات المتحدة تقول ان سوريا وايران متورطتان بالعنف في العراق وانهما تسمحان بدخول مسلحين اليه. الى اي مدى تصح هذه المزاعم؟
ـ سوريا وايران متورطتان جدا بأحداث العنف في العراق. على الرغم من ان الحكومتين الايرانية والسورية تنفيان هذه الحقيقة الا انني أؤكد لك انهما متورطتان وهناك العديد من العناصر والمجموعات التي يتم ارسالها الى العراق لاحداث الفوضى والتفجيرات الانتحارية وليس بالضرورة ان تكون تلك العناصر تحمل الجنسيتين الايرانية والسورية فهناك الكثير من جنسيات اخرى.
"القاعدة" يعاني
مؤخراً استهدف هجوم مجالس الصحوة التي تحارب "القاعدة". هل تعتقد ان تنظيم "القاعدة" يعاني فعلا للبقاء على قيد الحياة في العراق؟
ـ نعم. القاعدة يعاني اليوم الكثير للبقاء على قيد الحياة في العراق. والان هي تترك بغداد تماما نحو الشمال والبعض يقول لم يعد لها وجود في العراق، فقد استهدف ذلك التنظيم بشكل مركز بالحملات العسكرية الأخيرة التي قادها الجيش الاميركي بالتعاون مع الجيش العراقي، الا ان الصورة تبقى معقدة جداً نظراً للحاجة الملحة لان يترافق المشروع العسكري بمشروع ديني الامر الذي يمكن ان يؤدي في النهاية الى النجاح المرجو ولكن اي مشروع بمفرده لا يمكن ان ينجح ولهذا يجب التقدم فيهما بطريقة متوازية.
لماذا باعتقادك اتخذ الاسلاميون المتشددون طريق العنف والارهاب؟
ـ السبب الأول على ما اظن هو غضبهم وردة فعلهم على ما يرون انه عدم احترام يصدر اتجاههم من المجتمع الغربي، ولكن الطامة الكبرى والشيء المحزن ان معظم اعمال العنف التي تحصل الان تتم تحت غطاء الدين وباسم العقيدة، وعندما تتخذ الديانة الطريق الخاطىء فانها تصبح خاطئة تماماً. واذا عدنا بالتاريخ الى ايام الحروب الصليبية نجد ان المسيحية سلكت تلك الطريق الخاطئة باسم الدين واليوم بعد كل هذه السنوات نجد ان الاسلام اخذ يسلك الطريق الضالة نفسها. ولكن ليس الاسلام كله بل فرقة صغيرة منه تسلك طريق الارهاب، لان معظم المسلمين ليسوا عنيفين او ارهابيين. والاسلام دين يدعو الى السلام والمحبة وليس الى القتل والعنف.
كيف تنظر الى ظاهرة المفجرين الانتحاريين؟
ـ المشكلة عقائدية مرة أخرى اليست كذلك؟ فهم يقومون بذلك اعتقاداً منهم انهم يطبقون وجهة نظرهم الخاصة بالدين على اكمل وجه وان هذا الواجب مقدس وعليهم القيام به. اضافة الى انهم يؤمنون بأن مصيرهم سيكون الجنة بعد قيامهم بهجوم انتحاري فانهم ايضا مقتنعون بأنهم يقومون بعمل الله او ان الله فرض عليهم قتل الأشخاص الذين يعتبرونهم مرتدين او كفاراً.
لبنان النموذج
لبنان مثال آخر على التعدد الطائفي. كيف ترى الامور في لنبان بعد احداث ايار الاخيرة وما يحدث اليوم في طرابلس؟
ـ على العراق التعلم من لبنان اكثر من اي بلد آخر، لأن في لبنان لديكم السنة، الشيعة، مسيحيون، تماما كما في العراق. ولكن الوضع في لبنان هو التالي خلافات على السلطة ضمن الطائفة الواحدة فالمسيحيون اللبنانيون متشرذمون ومنقسمون بين موال للغرب وموال لسوريا وايران. وللأسف العراق يشهد خلافات مماثلة، الفارق الوحيد ان معظم من يقوم بالعنف في العراق هم من دول مجاورة وليسوا العراقيين انفسهم. الا ان كل تلك التركيبات المعقدة والآراء السياسية والدينية المتضاربة لا يتمكن معظم السياسيين الغربيين من فهمها. ولكن الشيء الواضح ان المسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط على حد سواء هم اكثر تدينا من ابناء دينهم الموجودين في الغرب.
اذا لهذا السبب نرى الاكثر تشددا موجودون هنا؟
ـ التشدد يأتي من الفهم الخاطئ للدين ولجوهر الايمان فالله لم يوص احداً بالتشدد والعنف. ولكن للأسف معظم التفجيرات التي تحصل تتم باسم الدين وتحمل طابعاً مذهبياً ولعلمك ان رجال الدين الشيعة والسنة المجتمعين هنا ليسوا نظيفي الايدي واناس مسالمين لم يشاركوا قط في العنف الدائر. ولكن عندما تريد ان تحدث تغيرا في مجموعة كبيرة من الناس عليك ان تتحاور مع قياديين لديهم تأثير كبير على هؤلاء الناس فهم سينشرون نبذ العنف في خطبهم في مساجدهم على شاشات التلفزة ولهذا نحرص على اجراء اجتماعات مع هؤلاء القياديين الذين نعرف ان تأثيرهم كبير على اتباع لهم.
نرى ان لبنان هو البلد العربي الوحيد المدفوع الى مواجهة مع اسرائيل، في حين ان معظم الدول الاخرى تسعى لتطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية. بماذا تنصح اللبنانيين؟
ـ اعتقد ان على لبنان الانضمام الى سياق الحوار الديني المشترك بما في ذلك الحوار مع اسرالئيل ومع القيادات الدينية اليهودية هناك. يوجد قيادات مهمة ومحترمة جداً وتدعم كلياً عملية السلام في الشرق الاوسط وابرز هؤلاء على الاطلاق الحاخام باديا يوسف. هناك امل في تحقيق نتيجة اذا ما اجرينا حوارات على هذا المستوى، ولكن اذا ما تركنا الامور للسياسيين فقط فان شيئاً لن يحدث. الاناس هنا يتبعون رجال الدين اكثر مما يتبعون رجال السياسة وهكذا بعكس المجتمع الغربي. ففي الغرب رجال الدين لا يلعبون اي دور بارز على الاطلاق. هذه هي الخلاصة التي استنتجتها من خلال عملي في الشرق الاوسط.
العراق آمن
انت تعمل في العراق. اليس هناك خطر على حياتك؟ بماذا تنصح الراغبين في العمل في العراق ولكنهم مترددون نظراً للوضع الامني هناك؟.
ـ اؤكد لهم ان العراق آمن وسالم. وان هناك تعايشاً طائفياً ومذهبياً قل نظيره. وان كل ما يحدث الآن هو من الدخلاء الذين تبعث بهم الدول المجاورة والتنظيمات الارهابية للعبث بأمن البلد. ان كل البلدان العربية ساهمت في اذية العراق. معدل الجريمة والعنف اليوم في العراق قليل جداً وليس اسوأ من دول كثيرة في العالم. فهناك جرائم شبه يومية تحصل في لندن وواشنطن ونيويورك. هذه الصورة القاتمة التي يركز عليها كثيراً الاعلام لم تعد موجودة فعلياً وهي الآن لا تذكر مقارنة باحداث حصلت في بلدان عديدة في العالم مثل زيمبابوي وكينيا والسودان وتشاد وسريلانكا. ونحن نشعر ان المشاكل الامنية في العراق متجهة الى الزوال فقد قلت التفجيرات بنسبة 90 في المئة عما كانت عليه مباشرة عقب الاجتياح الاميركي عام 2003. فقد كان يحدث حوالي 10 انفجارات في اليوم الواحد. اما الآن فربما يحدث واحد اسبوعياً او شهرياً.
هل وجد الاميركيون الدواء الناجع للمشكلة الامنية؟ ما هو؟.
ـ كلا لم يجدوا الدواء الافضل بعد. ان المشكلة التي تؤخر ايجاد حل جذري للعنف هو ان الاميركيين والغرب ككل يعتقدون ان بامكانهم فرض او ارساء السلام بالطريقة التي يفهومها في الغرب. ولكن هذا خطأ لان لا توصل الى سلام حقيقي ما لم يتم بالمفهوم الشرق اوسطي. لا يمكن تحقيق تقدم صريح الا اذا تأتى هذا من مجهود يبذله الشرق اوسطيون انفسهم. لا يمكننا نشر اميركيين وانكليز وفرنسيين في البلاد لنقول ان هناك شعباً منفتحاً على الآخرين ويحترم حرية الرأي، بل يجب ان يتحول الشعب الشرق اوسطي نفسه الى شعب اكثر انفتاحاً على الآخرين ويتبنى مبادئ الحرية والعدل ويتقبل الآخر. يجب ايجاد ارضية مشتركة بين المجتمعات على اختلافها. يجب دمج الشباب هنا وهناك والعمل على جعلها تختلط وتتعارف على بعضها البعض. الدواء الناجع يتلخص بكلمة واحدة "الاحترام". الاحترام المتبادل قادر على ردم الهوة بسرعة كبيرة. عندما يشعر الشرق اوسطيون ان الغرب يحترمهم ويقدرهم تختلف النظرة وعندما يشعر الغربيون ان الشعوب الشرق اوسطية قادرة على تفهم طريقة حيلتهم والنظر اليهم ليس ككفرة بل اناس لهم تطلعات متعددة وان بدت غريبة بعض الشيء. فعندها لن يكون هناك اية مشكلة.
هل انت متفائل بمستقبل العراق؟.
ـ اني متفائل جداً. والايجابية في طريقها الى العراق. ما يجعلني اشعر بالتفاؤل هو درايتي بأن الشعب العراقي شعب ذكي جداً احد اذكى الشعوب التي تعاملت معها. اذا فالمستقبل سيكون ممتازاً ولكن ليس بفضل الغرب انما بفضل العراقيين انفسهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.