8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الباحث التركي في معهد بروكينغز عمر تاشبينار في حديث إلى "المستقبل": لا أحد يفوز إذا خسر لبنان وعلى الإيرانيين الحذر خلال الأشهر الستة المقبلة

الشغل الشاغل للناس هذه الأيام في شتى انحاء العالم هو بدون شك الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. البعض يراهن على صورة جديدة للبيت الابيض مع المرشح الديموقراطي الاسود باراك اوباما، والبعض الآخر يؤمن بأن الخبرة والرصانة التي يتمتع بهما جون ماكين ستمكن الجمهوريين من البقاء على رأس القوة العظمى الاولى في العالم لأربع سنوات أخرى.
الناخب الاميركي في حيرة من امره، لمن يصوت؟ لأوباما الوجه الجديد ذي الخبرة القليلة والطامح للتغيير ولكن بإرث سياسي ضئيل، ام لماكين المحارب القديم والقادر ربما على اخراج سيناريو افضل للحروب التي تشنها الولايات المتحدة في مناطق مشتعلة كالعراق وافغانستان، وملفات ساخنة مثل ايران والشرق الاوسط.
بين آمال بالتغيير تشوبها شكوك حول قدرة اوباما الفعلية على ادارة الكرسي الرئاسي بشكل جيد، والثقة بماكين التي ينتابها الخوف من انكسار صورة اميركا المسالمة في العالم بشكل نهائي. ينظر العالم بأسره وليس فقط الاميركيين بقلق وترقب لما ستفرزه صناديق الاقتراع في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، موعد الانتخابات الحاسمة في سباق البيت الابيض.
سعيا لإلقاء الضوء بشكل اكبر على المشاريع الانتخابية للمرشحين ولإعطاء القارئ فكرة عما يمكن ان تكون عليه صورة الادارة الاميركية المقبلة وهيئة البيت الابيض ما بعد بوش، أجرت "المستقبل" مقابلة مع الباحث السياسي التركي عمر تاشبينار المقيم في واشنطن منذ 12 عاما.
عمر تاشبينار هو مدير البرنامج التركي في معهد بروكينغز وأستاذ دراسات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطنية في العاصمة واشنطن. مجمع التفكير (الثينك تانك) الذي يعمل له في بروكينغز هو مستقل، ولكن معظم زملائه يشكلون جزءا من طاقم مستشاري المرشح الديموقراطي للانتخابات الرئاسية الاميركية باراك اوباما.
له كتاب سيصدر قريبا حول العلاقات التركية ـ الأوروبية والعلاقات التركية ـ الأميركية، يشاركه فيه فيليب غودرون أحد أهم مستشاري اوباما.
تاشبينار مواطن تركي مقيم في واشنطن وهو على دراية واسعة بالشأن الأميركي، ليس مستشارا ولكنه صديق مقرّب لمستشارين عدة لاوباما في بروكينغز.

التفاوض مع سوريا وايران لن يكون على حساب لبنان
هنا نص الحوار:
الهم الداخلي
يوجد البعض من نقاط الالتقاء بين اوباما وماكين حول قضايا معينة، البعض منها ليس أساسيا ولكن مهم محليا بشكل أو بآخر لتحديد الفائز بالانتخابات الرئاسية، مثلاً: الهجرة، البحوث الجينية والخلايا الجذعية، زواج مثليي الجنس وربما ايضا التجارة الحرة. ويوجد نقاط اختلاف واضحة كالقضايا الاقتصادية. كيف سيكون خيار الشعب الأميركي في هذه القضايا الاجتماعية والداخلية؟
ـ لا شك ان اوباما سيكون رئيسا متسامحا أكثر حول قضايا الهجرة. ماكين ايضا لا يمثل الجزء الأقصى أو الأكثر تطرفا في الحزب الجمهوري، ولكن بسبب حاجته للفوز بأصوات الناخبين الجمهوريين المحافظين يمكن أن تأتي سياسته متناسبة والطريقة التقليدية الصارمة التي يتعامل بها الجمهوريون مع المهاجرين. وواقع ان اوباما في الأصل هو أميركي ـ افريقي، فهو حكما يملك خلفية ثقافية وعرقية مختلفة، وكونه يأتي من أقلية وليس من أكثرية، كل هذا يجعل منه المرشح الأكثر تفضيلا لدى المهاجرين.
ولكن هناك بعض التوتر التاريخي بين الجالية الاسبانية اللاتينية والجالية السوداء، وهذا يعتبر بمثابة تحد لاوباما فهل سيتمكن من استمالة هؤلاء للتصويت له؟
أنا شخصيا أعتقد انه بإمكانه أن ينال أصواتا منهم، كونه الخيار الوحيد الذي يمكن أن يعمل على شرعنة أوضاع المهاجرين غير الشرعيين. ولهذا أظن ان موضوع الهجرة لن يكون نقطة التقاء إنما تباين بين المرشحين. ولكنك محق بأنهما يلتقيان في قضية التبادل التجاري. فقد أصبح الديموقراطيون أكثر مرونة لحماية التجارة، وهم الآن يريدون أن يعيدوا النظر في معاهدة التجارة الأميركية الشمالية (نافتا)، أما ماكين فهو تقليدياً مؤيد كبير للتجارة الحرّة.
على الصعيد الاقتصادي يوجد اختلاف كبير واضح بين الاثنين، ففريق ماكين يرغب في أن يتابع ما كان جورج بوش يقوم به من ضرائب مخفضة، وبشكل عام السياسة الاقتصادية التي يستفيد منها الأغنياء. أما اوباما فيريد أن يرفع الضرائب على الطبقة الغنية وسدّ الفارق الطبقي وهو يسعى لتوسيع رقعة الطبقة الوسطى في البلاد، ولهذا أرى ان رسالة اوباما موجهة لمصلحة الطبقة الوسطى، أما رسالة ماكين فهي الرسالة الجمهورية التقليدية التي تدعم اصحاب رؤوس الأموال والأثرياء.
اجتماعياً، في قضيتي زواج المثليين والبحوث الجينية والجذعية، أعتقد ان ماكين يمثل الجزء الأكثر تحررا في الحزب الجمهوري ورغم ذلك فإني أرى ان اوباما الذي يعد ديموقراطياً مثالياً سيكون أكثر انفتاحا تجاه هاتين المسألتين.
قضايا البيئة
حول مسألة البيئة، نرى ان ماكين تبنى وليبرمان مشروعا لخفض انبعاث الغازات الدفيئة في البلاد، ألا تعتقد ان طرحه هذا أكثر واقعية من جهة القدرة على تطبيقه ميدانيا من "الحلم" الذي يريد من خلاله اوباما ان يجعل الولايات المتحدة قائدا للعالم في حربه مع التغيرات المناخية؟
ـ في مسألة الاحتباس الحراري واتفاقية "كيوتو"، أعتقد ان ماكين يريد أن يعيد صياغة صورة أميركا في العالم حول هذه المسألة المهمة، لكنه من الممكن أن يصطدم بالحواجز التقليدية للحزب الجمهوري ولكنه حتما ليس "بوش". اني أرى انه سيتطرق إلى الأمور بنظرة أكثر شمولية وواقعية وأحد هذه الأمور سيكون من دون شك اتفاقية "كيوتو"، فالجمهوريون لا يرفضون الاتفاقية ولكنهم يرون انها غير كاملة وتحتاج إلى إعادة إعداد وصياغة بطريقة أفضل تتناسب أكثر مع الحاجات الأميركية.
الاثنان يريدان إعادة اللمعان الى صورة أميركا في العالم بعدما تضررت بشكل كبير، فالكثير يرون انها الملوث الأول في العالم. وفي هذا السياق، كتبت المجلة البريطانية "ذي اكونوميست" في احد اعدادها: "صوتوا لاوباما وماكين معا، انهما افضل ما يمكن أن تقدمه أميركا".
والمجلة على حق فالاثنان يمثلان أفضل الجوانب في حزبيهما: ماكين هو الجمهوري الأكثر اعتدالا في قضايا كثيرة لاسيما الاجتماعية منها، ولكنه ليس بهذا الاعتدال في السياسة الخارجية عندما نذكر ايران مثلا، ولكنه واقعي جدا ويمثل فعلا يمين الوسط. اوباما أيضا سياسي يمثل أفضل ما يوجد في الحزب الديموقراطي، وهو لديه رغبة جامحة في تغيير أميركا ويبقى أن ننتظر ونرى إذا كان فعلا سيقدر على تغييرها، فأنصاره يظنون انه إذا فاز ستصبح أميركا بلدا مختلفا كليا.
التغيير؟
شعار حملة اوباما "تغيير نثق به"، هل تعتقد ان بإمكانه فعلا تغيير البلاد؟
ـ هنا المشكلة، أعتقد ان هناك بعض المبالغة في الآمال المعلقة عليه. وسيكون هذا تحديا ضخما في وجه اوباما في حال تم انتخابه، فعليه أن يرتقي ليبلغ سقف التوقعات المعلقة عليه.
هناك الكثير من مؤيديه يعتقدون بأن أميركا معه بإمكانها أن تصبح فجأة كالسويد ولا أظن ان هذا من الممكن أن يحصل، أميركا لها موقعها وسياستها وسيكون من الصعب جدا إحداث تغيير جذري في الشؤون المحلية والسياسة الخارجية.
ولكن من المؤكد ان بإمكانه إضفاء صبغة جديدة. نحن نراه منذ الآن ينأى بنفسه عن مجموعات الضغط السياسي (اللوبي) المسيطرة على السياسة الأميركية، فهو خلال حملته الانتخابية بعكس منافسيه هيلاري رودهام كلينتون وجون ماكين حرص على عدم أخذ المال من مجموعات اللوبي. هو يعمل بشكل واضح ليبرهن انه مختلف تماما عن الآخرين، وإذا ما تمكن من الحفاظ على مسافة معينة من مجموعات اللوبي فإن ذلك سيعد بحد ذاته إنجازا.
بالطبع ستبقى تجمعات اللوبي على حركة دائمة في الكونغرس ومجلس الشيوخ. ولكن باستطاعته أن يخفف من سيطرة هؤلاء على القرار، تلك السيطرة التي تمتعوا بها خلال العقود الأخيرة.
اتفقنا على ان اوباما لن يكون باستطاعته تغيير أميركا جذريا، ولكن باستطاعته إحداث بعض التغييرات، ما نوع هذه التغييرات الممكنة وفي أي مجالات تحديدا؟
ـ سيكون بإمكانه إحداث تغيير مؤكد في 3 مجالات:
أولا: السياسة الخارجية، فصورة أميركا تعرضت لأسوأ الهزات أيام جورج بوش وسيعمل اوباما على إصلاحها ببناء تواصل افضل مع الدول الأوروبية وعلاقة امتن مع أميركا اللاتينية. وسيغير حتما في العلاقات الأميركية في الشرق الأوسط حيث أتوقع أن يكون اوباما أكثر التزاما بعملية السلام مما كانت عليه إدارة جورج بوش خلال السنوات الست الأخيرة ، فالادارة الحالية لم تظهر أي اهتمام بعملية السلام في المنطقة.
وأعتقد ان اوباما سيبني علاقات جيدة مع آسيا، فواشنطن لديها علاقة جيدة مع الهند ولكن اوباما سيسعى إلى علاقات أفضل مع الصين والأنظمة الشيوعية المتبقية.
يقول انه سيجري محادثات مع ايران، وينتقده الجمهوريون بسبب موقفه هذا، ولكن يقول انه من السهل التكلم مع الصديق ولكن الأهم والأصعب هو التحدث مع العدو.
أنا أرى ان المحادثات التي يتكلم عنها اوباما ليست على المستوى الرئاسي بل على مستوى أدنى من ذلك وتحت شروط. فأحمدي نجاد لن يستقبل في البيت الأبيض، هذا مؤكد!. كل ما يمكن أن يحدث هو بذل جهود أكبر من الادارة الأميركية لاجراء حوار مع طهران.
وأعتقد ايضا انه سيكون هناك نوع آخر من التعامل مع بلدان أميركية مثل كوبا وفنزويلا ومع شافيز تحديدا. إذا السياسة الخارجية هي أحد المجالات الأساسية التي سيطرأ عليها تغيير مؤكد في حال تم انتخاب اوباما رئيسا للولايات المتحدة.
ثانيا: السياسة الاقتصادية، حيث المتوقع ان يزيد اوباما الضرائب على الأميركيين الأغنى والأعلى دخلا لدرء الصدع في المجتمع الأميركي. ولكن في التجارة الحرة اوباما لن يكون منفتحاً كما كان الوضع أيام بوش، وهذه هي النقطة التي من الممكن أن تكون تغييرا غير إيجابي في بناء الاقتصاد الأميركي.
ثالثا: النواحي الاجتماعية، اوباما سيصرف أموالا أكثر على القطاع التعليمي، وخاصة للأقليات والمهاجرين كالجالية الافريقية أو اللاتينية والشعب الأكثر احتياجا. وأظن ان الادارة مع اوباما سيكون لها دور اجتماعي ريادي أكبر مما كانت عليه أيام بوش.
أنت مقيم في أميركا منذ أي سنة؟
ـ 1996.
من الممكن أن يصبح اوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة، كيف ترى الديموقراطية في تلك البلاد خلال الـ12 سنة التي عشتها هناك، هل وصول اوباما يؤكد ان الديموقراطية الأميركية هي حقيقة موجودة فعلا؟
ـ ان ما يرمز إليه وصول أسود إلى القمة السياسية في أميركا هو في غاية الأهمية. إنها خطوة عملاقة، يمكنك الشعور بالاثارة التي تعيشها اليوم السياسة الأميركية. فأوباما يأتي من الشعب ذي الأصول الافريقية السوداء، هؤلاء الناس الذين لم يكن لهم حق التصويت أو إبداء الرأي في الماضي وكانوا دائما مهمشين وينتابهم الخوف من المجتمع حولهم، يمكنك أن ترى الحماسة في صفوف الطبقة الوسطى وفي صفوف طلاب الجامعات. الولايات المتحدة هي من البلدان التي لا يشارك فيها الناخبون بكثافة، ولكن اعتقد ان وجود اوباما سيحرك هؤلاء ويدفع بهم للمشاركة وبكثافة، وأعتقد ان حملته التمهيدية ضد كلينتون، برهنت او وضعتنا في الصورة التي يمكن أن تكون عليها المشاركة في الانتخابات الحاسمة. فالمراكز التي خطب فيها اوباما ضد كلينتون امتلأت على آخرها، وفي بعض الأحيان بلغ حجم الحشود حوالي 25000، ففي أحد خطبه في اوريغون بلغ عدد الحضور ما لا يقل عن 75000 شخص، وكانت هذه المرة الأولى التي يجتمع فيها هكذا عدد من الأميركيين لحضور خطاب سياسي!
يوجد الكثير من الحماسة والاثارة، وأعتقد ان الشعب بعد 8 سنوات من حكم بوش يتوق للتصويت لوجه جديد، وجه قادر على احداث تغيير جذري لما كان سائدا خلال السنوات الـ8 الأخيرة. ويمكننا القول ايضا انه سيكون التغيير الجذري الاول منذ 50 عاما، فالبعض يراه تغييرا لم يحدث منذ أيام جون كينيدي.
ولهذا فالاثارة موجودة الآن لدى الشعب، ووسائل الاعلام وكل المراكز والدور السياسية الأميركية.
لا يزال يوجد بعض التعصب العرقي في البلاد، لا سيما لدى البيض المسنين الذين لا يحبذون فكرة رئيس أميركي ـ افريقي. ولكني اظن ان أوباما قادر على جذب الجيل الجديد، جيل الشباب الذي يريد حياة جديدة وأنا متفائل جدا بأن أوباما سيفوز وان الديموقراطية في أميركا ستزهر كما لم تفعل من قبل.
أوباما الآن هو المرشح الرسمي للحزب الديموقراطي في سباق البيت الأبيض. لكن البعض يرى فيه خطرا على السياسيين الديموقراطيين المرشحين للانتخابات التشريعية في الولايات المحافظة. كيف ترى هذه المخاوف؟
ـ من يترشح عن الحزب الديموقراطي في الولايات المحافظة ولا سيما الجنوبية منها، يكون لديه علاقات ممتازة مع الناخبين هناك. لذا فهؤلاء المرشحون ليسوا الديموقراطيين المثاليين الذين من الممكن ان تجدهم في ولايات مثل ماساشوستس أو نيويورك.
هؤلاء المرشحون يقيمون علاقات دورية مع سكان مناطقهم ولهم خدمات كثيرة فيها لذا فالناس يتعاملون معهم على اساس الناحية الخدماتية البحتة وليس على الصعيد السياسي لذا فلا أظن ان الناس حتى ولو كانوا محافظين يعيرون لون رئيس الحزب اي اهتمام عندما يصوتون في الانتخابات التشريعية، لأنهم يشعرون وكأنهم يصوتون لمرشح مستقل.
السياسة الخارجية
ننتقل الآن للسياسة الخارجية. لنتكلم عن ايران. أوباما لم يصوت على قرار للكونغرس يطالب بتسمية "الحرس الثوري الايراني" منظمة ارهابية. ولكن ماكين صوت لصالح القرار. الا تعتقد ان هذا يمكن ان يؤثر على قرار الناخب العربي أو الاسرائيلي او اللبناني او حتى المدافعين عن حقوق الانسان؟
ـ أوباما يسعى ليظهر بصورة سلمية نوعا ما وليست بصورة المواجه. فهو يعتقد ان اميركا بامكانها التحرك بشكل افضل عندما تتشارك مع الأوروبيين. هو يسعى الى تقديم صورة جديدة لبلاده في الشرق الأوسط. فالصورة السائدة أيام بوش هي صورة عسكرية جدا.
لكن أوباما يواجه حتما مشاكل مع اللوبي الاسرائيلي، فهناك حملة شعبية يهودية ضده يشنها المحافظون الجدد الذين يقولون انه مسلم وانه ليس مواطنا اميركيا كونه لا يظهر واضعا الدبوس الذي يحمل العلم الأميركي كسائر المرشحين. وبدأوا يثيرون الشكوك حول وطنيته. وتفاديا لهذا النوع من الحملات فقد أدلى بخطاب أمام اللجنة اليهودية (ايباك) وتفوه بتصريحات صارمة جدا ضد ايران وكانت كلماته تنم عن انه وطني جدا وعسكري جدا ايضا، ربما اكثر من كلينتون نفسها.
كانت محاولة منه لتغطية الصورة الضعيفة التي اظهرها عنه اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة، اعتقد انه سيتكيف جيداً مع متطلبات اللوبي، وانه سيصرح دائما بما يتناسب مع الذين يصرح لهم. لن يكون كالسياسي العراقي أحمد جلبي الذي قال بأنه سيخلص الشعب الإيراني من تسلط الملالي، فاللوبي الاسرائيلي في اميركا يشكل قوة سياسية كبيرة جدا ولهذا ادلى اوباما بتلك التصريحات النارية امامهم.
غير ان اوباما يدرك تماما ان الشعب الأميركي ليس مهيأ نفسيا لخوض حرب جديدة في مكان جديد أو للتورط أكثر في حرب جارية كالعراق ، فماكين قال انه لا مانع لديه ان يبقى 50 او 200 سنة أخرِى هناك. وأوباما يعلم ان هكذا تصريحات لن تنال اصواتا أبدا، ولذا فهو معتدل وهادئ ويسعى الى اظهار انه دائما في الوسط وعلى نفس المسافة من الجميع من دون ان يظهر عن ضعف درايته في السياسة الخارجية والمسائل الأمنية.
اذا فاز أوباما. ماذا سيفعل في العراق؟ هل سينسحب؟ كيف تتوقع ان تكون الصورة هناك؟
­ اذا فاز في الانتخابات، سيبدأ مهماته كرئيس في كانون الثاني 2009. هنا سيجد ان الوعود التي قطعها خلال حملته الاتخابية والواقع الموجود امامه والذي عليه ان يتصرف من خلاله متناقضان تماما. لا أعتقد انه سيعمل هناك وفقا للوعود التي قطعها قبل انتخابه، بل سينظر الى الوضع في العراق كما هو. فإذا ما قال له جنرالات الجيش انه اذا انسحب الأميركيون من البلاد ستسيطر عليها ايران وستندلع حرب سنية ـ شيعية وسيعلن الأكراد دولتهم وستجتاح تركيا شمال العراق، واذا فهم الصورة بشكل شامل سيستمع لهم ويقول: حسنا.
سيستمع للنصيحة العسكرية وسيحلل الأوضاع كما هي على الأرض ولكن من غير المنصف ألا نؤكد انه ليس علي استعداد ليلزم أميركا في العراق مثل ماكين الذي هو على أهبة الاستعداد للبقاء هناك 200 عام. اوباما يعتقد ان اميركا يجب ان تخرج من العراق ببطء، وهو يقول ان على الأميركيين ان يكونوا في غاية الحذر خلال خروجهم من العراق والا يتهوروا كما فعلوا عند دخولهم.
اذا هو يدرك ان الخروج بدون حذر قد يؤزم الحالة في العراق، وانا اعتقد انه سيبدأ بخفض دوري لعدد القوات الأميركية المنتشرة هناك بشكل لا يضر بالحالة الأمنية في البلاد ككل.
ايران.. الملف الأكثر سخونة
ماذا سيحدث اذا قرر بوش ان يودع البيت الأبيض بشن هجوم على ايران؟ ألا تعتقد انه في هذه الحالة ستزداد حظوظ ماكين بالفوز ألا وهو العسكري المحنك والخبير؟
­ هذا هو السؤال الذي يدور بأذهان الجميع في واشنطن حاليا. يوجد سيناريويين من الممكن ان يؤديا لهجوم أميركي على طهران:
الأول: اذا استفزت ايران الولايات المتحدة. كيف يمكن ان تستفز ايران واشنطن؟ مثلا بأن تقوم بتفجير مدوّ ضد القوات الأميركية في العراق، أو اعتداء ارهابي ضخم على مصالح اميركية في الخليج.
هكذا استفزازات ستفسح المجال امام مسؤولين في الادارة الأميركية كنائب الرئيس ديك تشيني، الذي يتوق لضرب ايران قبل مغادرة الحكم فهو يؤمن بأن أميركا يجب ألا تدع ايران تستمر في برنامجها النووي وانه يجب التصرف حيال ذلك. تحرك أخرق كهذا من ايران سيعطي لتشيني وامثاله في واشنطن سببا وجيها وفرصة ذهبية لتحقيق ما يصبون اليه.
الثاني: اذا قررت اسرائيل ان تشن هجوما احاديا على ايران. فهذا سيشكل مأساة للولايات المتحدة، لأنها ستجد نفسها مضطرة للتورط. لأنه اذا انفردت تل أبيب بالقرار وهاجمت طهران ستقول ايران هذا هجوم اميركي وليس اسرائيليا، وستلوم اميركا عليه، وعندها ستصبح اميركا في وضع لا تحسد عليه لأن اسرائيل لا يمكنها شن الهجوم بالشكل الجيد والصارم الذي بمقدور اميركا ان تفعله. وسيكون بإمكان ايران الرد عبر ادواتها المنتشرة في المنطقة كـ"حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان. وسيصبح الثمن باهظا على أميركا لا سيما في العراق لأن الملالي الشيعة الايرانيين ستزداد شعبيتهم وستخسر واشنطن قدرتها على السيطرة هناك.
أنا شخصيا أستبعد هجوما أميركيا على ايران، ولكن يبقى أن ننتظر ونترك هذين الاحتمالين في البال.
ألا ترى علاقة بين مشروع الدرع الصاروخي الأميركي في اوروبا وعدم توجيه ضربة لإيران حتى الآن؟ اعني هنا ان اميركا تتخذ من إيران ذريعة لنشر درعها الصاروخي؟
ـ لا اظن ان هناك علاقة، فالتهديد الإيراني بنظر الأميركيين محدود في المنطقة المحيطة به فقط وليس أوروبا أو الولايات المتحدة. لا اظن ان مشروع الدرع الصاروخي هو عامل اساسي يؤثر على شن هجوم ضد إيران او عدمه. العامل الاساسي في احتمال ضرب إيران هو التصرفات الإيرانية والمواقف الاسرائيلية.
اذا قررت إيران أن تقوم بشيء ما لاحداث ضرر لماكين في الانتخابات الرئاسية كخلق مشاكل للأميركيين في العراق، كخلق الكثير من الأحداث الدامية خلال الأشهر الستة القادمة فهذا من شأنه احراج ماكين واقناع الأميركيين بضرورة مغادرة العراق وهذا سيصب في مصلحة اوباما دون شك.
ولكن الا يعطي هذا الحجة لادارة بوش لتوجيه ضربة لطهران؟
ـ فعلا، هنا الورطة في هذه القضية. لانهم اذا حاولوا (الإيرانيين) مساعدة اوباما للفوز عبر خلق مشاكل في العراق فانهم سيعطون حجة للأميركيين لضربهم ايضا! ولهذا على الإيرانيين ان يكونوا في غاية الحذر خلال الأشهر الستة المقبلة. ولكن من المؤكد ان فوز اوباما يهم الإيرانيين، لانهم يعتقدون انهم قادرون على اجراء حوار مع واشنطن في حال فوزه وان ادارته للبيت الابيض ستكون الافضل بالنسبة لهم. لذا فان اتباع استراتيجية خلق المشاكل لماكين يناسبهم ولكن في الوقت نفسه يعرضهم لخطر ضربة قد تقوم بها الادارة الحالية.
ولبنان وسوريا والعراق
رأينا مؤخرا ان واشنطن خففت كثيرا من حدة خطابها ضد النظام السوري، فلم نعد نسمع اللهجة التي كنا نسمعها في الفترة القريبة التي اعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الى ماذا تعزو ذلك التغيير؟
ـ يوجد اميركتان وليس اميركا واحدة. يوجد اميركا وزارة الداخلية وأميركا البنتاغون، يوجد اميركا ديك تشيني وأميركا كوندوليزارايس وروبرت غيتس.
يجب ان نكون حذرين عندما نقول واشنطن، فهناك اثنان واشنطن. أعتقد أنه في السنتين الأخيرتين كسب الواقعيون في اميركا قوة أكبر، إذ ان الحاجة لايجاد توازن قوى في الشرق الأوسط يدفع بأشخاص كوزير الدفاع بوب (روبرت) غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس للسعي الى تفريق الحلف الثنائي المؤلف من إيران وسوريا والعمل على أخذ سوريا بعيدا عن إيران. ولتحقيق هذا يتوجب على هؤلاء الواقعيين الالتفاف اكثر حول سوريا.
في الماضي كنا نرى الكثير من الضغط الاميركي على تركيا لكي تقطع علاقتها بسوريا بهدف عزل الأخيرة. اليوم تركيا تلعب دورا هاما في محادثات سلام بين اسرائيل وسوريا ونرى ان واشنطن الواقعية المتمثلة برايس وغيتس تدعم هذه المحادثات حتى ولو كان الاميركيون غير متفائلين حول بلوغ نتائج ايجابية في تلك المحادثات ولكنهم يريدون ان يكون المجهود موجودا.
أما أميركا الثانية المتمثلة بديك تشيني، اميركا المحافظون الجدد، فهي لا تحبذ أي تقرب من سوريا لأنها لا ترى اي محادثات اسرائيلية سورية يمكن ان يكون لها اي مغزى وأنها ستكون مجرد مداهنة وخداع. هذه الواشنطن ترى انه من الضروري عدم بيع لبنان لكسب سوريا. فهي ترى ان ربح سوريا سيعين عليها دفع ثمن في المقابل وهذا الثمن هو لبنان. وهم يرون ازدياد قوة حزب الله في المنطقة ولهذا فالأمر مهم جداً بالنسبة لهم.
ولكن حتى الآن ليس واضحا من يفوز او من يتقدم على الآخر في هذه المعركة في واشنطن، اي واحد من الطرفين. لكن تشيني رجل قوي جدا، بل هو اقوى نائب رئيس في التاريخ الاميركي، ان الأمر كله يتعلق بمن من الطرفين سيكون له الكلمة الأخيرة أمام الرئيس. ففي التركيبة الوطنية بوش هو من يقرر في النهاية. هو يستمع للطرفين، ومن المعروف ان قلب بوش تقليديا يميل الى المحافظين الجدد فهو ينتمي الى نفس المدرسة التي تؤمن بأنه يجب نشر الديموقراطية في العالم حتى ولو باستعمال القوة اذا احتاج الأمر.
هل سيدفع لبنان ثمن التغيير، ام ان الإدارة المقبلة لها موقف آخر من الوضع في المنطقة؟
ـ يوجد الآن اتفاق إسرائيلي ـ سوري، والسؤال الكبير الآن من يدفع الثمن؟ كثيرون يعتقدون بأنه لبنان. ولهذا آمل أن يكون هناك ضمانات من سوريا بأن توقف دعمها لحزب الله.
لكن يبرز هنا مشكل آخر مع إيران لأن حزب الله يتأثر أكثر بإيران وليس بسوريا. والسؤال التالي عندها يكون إذا خرجت سوريا من الصورة هل ستكون الإدارة الأميركية الجديدة على استعداد للتفاوض مع إيران بشأن حزب الله وهل سيكون على أميركا أن تدفع في المقابل أشياء تريدها طهران في المنطقة؟
إني آمل في أن تتوصل أميركا الى طريقة ما للتفاوض مع سوريا وإيران على حد سواء بدون التضحية بلبنان. ولتحقيق هذا يجب ربما اللجوء لاستحداث قرارات مجلس أمن دولية جديدة أو نشر قوات اطلسية أو تكثيف عديد قوات الأمم المتحدة في لبنان والمساهمة في تقوية المؤسسة العسكرية في هذا البلد. وربما يتم التوصل الى نزع سلاح حزب الله في تلك المفاوضات. والسؤال هنا ما مدى أهمية سلاح حزب الله بالنسبة لإيران؟ فربما من أجل مشروع ما مع الأميركيين قد يقدم الإيرانيون حزب الله قربانا. وأعتقد أن كل هذه الحقائق يجب على الإدارة الجديدة تقصيها ودراستها.
سلاح حزب الله هو المشكل الأساس في لبنان، ولكنه ليس الوحيد. فكما ترى هناك مجموعات أخرى مسلحة وتسمع الآن بما يحدث من اشتباكات في طرابلس ومناطق أخرى. هل تعتقد بأن إسرائيل أعطت ضوءا أخضرا لسوريا للاستمرار في إزعاج أمن لبنان واستقراره؟
ـ المشكلة الأساسية هي التركيبة اللبنانية. تركيبة المجتمع اللبناني. أنت تعرفه أكثر مني. التحدي الذي تواجهه أميركا هو كيفية إيجاد توازن قوى في المنطقة ولهذا هي تجري مفاوضات مع سوريا وتركيا. ولكني لا أعتقد أن واشنطن قادرة على أن تضحي بلبنان. ومن الأشياء الأكيدة التي ستطلبها أميركا أو إسرائيل من سوريا هو وقف دعمها للمجموعات الإرهابية بنظرهما وأعني هنا حماس وحزب الله. هذا سيكون جزءا من الاتفاق وهذا ما كان يجري التفاوض عليه.
لكن ربما لن يتم التوصل الى معاهدة سورية ـ إسرائيلية وبالتالي فسوريا لن توقف تدخلها في لبنان. إلا أن أميركا تسعى لإنجاح الحوار فهي مهتمة جدا بإعادة تلميع صورتها كراع للسلام في الشرق الأوسط.
ما يحدث الآن هو أن أميركا نأت بنفسها عن طاولة الحوار، الأمر الذي يدفع السوريين الى إحداث أكبر قدر ممكن من الفوضى في لبنان والعراق وغزة لإجبار واشنطن على الجلوس الى الطاولة. وأنا أعتقد أنه إذا جلست واشنطن الى الطاولة فهذا سيكون لصالح المنطقة لأن الأمور ستأخذ مسارا أكثر وضوحا ويلعب كل لاعب أساسي لعبته أمام الآخر فوق الطاولة.
أنا أعتبر أن أكبر خطأ ارتكبته إدارة بوش هو ابتعادها بشكل كامل عن عملية السلام خلال السنوات السبع الأخيرة.
ما الذي أوصل الوضع الأميركي في المنطقة الى ما هو عليه؟ ألا تعتقد أنه احتلال العراق وتوقيته تحديدا؟
ـ التوقيت كان خاطئاً، والهجوم كله أيضا. بلير لم يرد الحرب وحاول إقناع بوش بالعودة الى عملية السلام ولكنه لم يجد آذانا صاغية. ففي حرب الخليج الأولى وبعد طرد صدام حسين من الكويت كان هناك مؤتمرات السلام في مدريد وأوسلو إلخ. أما في الحرب الأخيرة لم يكن هناك مؤتمرات أو محادثات. لم يكن هناك شيء على الإطلاق.
لماذا لم يلتزم بوش بمحادثات ما للسلام؟ لأن المحافظين الجدد قالوا له انتظر.. المنطقة تتغير، الفلسطينيون سيصبحون ديموقراطيين أكثر، سيتغير ميزان القوى. إنتظر.. لا ترسل شخصا مهما كمفاوض للسلام في المنطقة. دعهم يرون أن أميركا قوية ولا تريد إجراء مفاوضات مع أحد.
فالمحافظون الجدد يرون ان المحادثات الإسرائيلية ـ الفلسطينية لا قيمة لها، لأنهم يجدون أن حكام الدول العربية الأخرى غير مهتمين ولا يسعون لحل الخلاف العربي ـ الإسرائيلي بل يريدون لهذا الخلاف أن يبقى قائما لتتلهى به شعوبهم وتنسى الاوضاع داخل البلاد التي تعيش فيها.
ولهذا طلب المحافظون من بوش الانتظار وألا يضيع الكثير من الوقت على هكذا محادثات كما فعل كلينتون قبله. وأقنعوه بأنهم سيقومون بها عندما يحين الوقت المناسب الا ان هذا لم يحدث أبدا. فقد كبرت قوة إيران، واتسع الخلاف المذهبي السني ـ الشيعي، وازداد غضب السعودية، وفازت حماس بالانتخابات وسجل حزب الله انتصارا كبيرا ضد إسرائيل في حرب صيف 2006 وخسرت أميركا سيطرتها على المنطقة.
ولهذا حان الوقت لكي تقوم أميركا بردة فعل وأن تسترجع ما خسرته، ولكن بداية عليها أن تدفع ثمن خسارتها بإجراء مفاوضات مع سوريا وإيران لأنهما أصبحتا الأقوى عملياً في المنطقة. ولكن بإمكانها أيضا التلاعب لإيجاد نوع من التوازن في القوى وآمل ألا يكون هذا على حساب لبنان. فإذا خسرت أميركا لبنان، لن تكون حققت مكسبا كبيرا، إذ أن خسارة لبنان هي خسارة استراتيجية كبيرة في المنطقة. لا أحد يمكن أن يدعي الفوز عندما يخسر لبنان وبيروت.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00