بدأ الاقتصاد الفرنسي يترنح بسبب الخسائر التي يتعرض لها وتقدر قيمتها كل يوم بنحو نصف مليار يورو ما أصبح يشكل خطراً جدياً على الخطة التي وضعتها الحكومة الفرنسية لتخطي الازمة الاقتصادية العالمية.
وأعلنت وزيرة الاقتصاد الفرنسي كريستين لاغارد في حديث اذاعي امس، ان كل يوم اضرابات يكبد الاقتصاد الفرنسي خسائر تراوح بين 200 و400 مليون يورو.
واليوم يدخل المضربون شهرهم الثاني (30 يوماً من الاضراب حتى يوم امس) وفي مرفأ مرسيليا تتكدس أكثر من 70 باخرة بضائع لم تتمكن من افراغ حمولاتها، وتستمر النفايات في اجتياح شوارع وأزقة المدينة المتوسطية أكثر المدن تأثراً بحالة الفوضى التي تسود البلاد، لحقتها باريس التي انتشرت فيها النفايات بعد أن قرّر عمال النظافة في العاصمة الفرنسية تصعيد احتجاجاتهم للضغط على الحكومة.
وسجلت حكومة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بضع نقاط أمس في ازمة نظام التقاعد التي تهدد وفقاً لها، الاقتصاد الفرنسي مع انهاء الاضراب في ثلاث مصاف لتكرير النفط وفتح العديد من مستودعات الوقود.
فقد صوت العاملون في مصفاتي اسو التابعتين لمجموعة اكسون موبل الاميركية على استئناف العمل وكذلك العاملون في مصفاة مجموعة بتروبلاس السويسرية في رايشستت (شرق). وتستمر ازمة الوقود مع كون ربع محطات المحروقات في البلاد خارج الخدمة، ويتوقع ان تتحسن الامدادات الى المحطات تدريجيا بعدما اعلن اتحاد صناعة النفط ان جميع المستودعات حرر وستواصل اعمالها قريباً.
ولكن هذا الحل سيكون مؤقتا ومحدود الفاعلية لأن ما في المستودعات سينفد في حال استمر عمال المصافي في اضرابهم. وقالت مصادر أمس إن سفينة أفرغت شحنة بنزين في ميناء في شمال فرنسا في خطوة نادرة لاستيراد الوقود في البلاد، ومن المقرر ان تسلم سفينة اخرى المزيد من البنزين في ظل نقص الامدادات بسبب الاضرابات المستمرة منذ فترة في قطاع النفط. وأعلن مصدر ملاحي أمس ان السفينة ليداستيرن قدمت من بريطانيا لتفريغ 11 ألف متر مكعب من البنزين في ميناء روان السبت الماضي. وقالت وحدة ديستريدن للوقود التابعة لمجموعة متاجر كازينو أمس، إن سفينة أخرى ستصل إلى الميناء غداً. وقال الفريد سوتو رئيس الوحدة ان السفينة تحمل نحو 20 ألف متر مكعب من البنزين.
وأضاف سوتو عن طريق الهاتف نحاول بذل قصاري جهدنا لتزويد نورماندي وايل دو فرانس (منطقة باريس) اللتين تعانيان نقصا حادا في البنزين. وأمس شاركت مصافي التكرير الفرنسية الاثنتي عشرة في الاضراب. ومنذ اسبوعين أصبح قطاع النفط والوقود الاستراتيجي رأس حربة حركة الاحتجاج النقابية على مشروع ساركوزي لتغيير نظام التقاعد الذي يرفع السن الادنى للتقاعد عن العمل من 60 عاماً الى 62 عاماً يتوقع ان يقره البرلمان نهائيا غداً. الا ان النقابات وعدت بتحركات جديدة ضده في الشارع هذا الاسبوع مع يوم تحرك وطني جديد بعد غد وآخر في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل وتظاهرات طلابية اعتبارا من اليوم. ويواصل المعارضون سيطرتهم على مواقع صناعية وعلى بعض المدارس والجامعات.
وتعمل النقابات على حشد الصفوف تحضيراً لمسيرات تقوم بها بعد غد املا في رفع سقف التحرك بشكل يسهم في تضييق الخناق على ادارة الرئيس الفرنسي.
وينتظر ان يتظاهر اليوم الطلاب في مسيرات حاشدة في شتى انحاء البلاد. وبما ان عطل الأعياد ونهاية العام لم تعد بعيدة هي الأخرى، يأمل المناهضون لقانون التقاعد الجديد ان يضعوا القطاع التربوي في ازمة في حال تمكنوا من إيقاف الدروس في مئات المدارس الى حين عطلة الميلاد، مما يوجه ضربة قوية للموسم الدراسي 2010 2011 وينذر بفوضى عارمة.
ويقضي القانون الجديد المثير للجدل، بتأخير سن التقاعد من 60 الى 62 عاما (بحلول العام 2018) وتأخير سن الحصول على المعاش التقاعدي كاملا من 65 الى 67 عاما.
ويأمل المعارضون على الرغم من اصرار ساركوزي وعزمه على انجاز هذا القانون الجديد، في التمكن من اجباره على سحبه. ويستشهد بعضهم بحصول مثل هذا الامر في العام 2006 عندما اجبرت التحركات الطلابية الواسعة في البلاد الحكومة على سحب خطة عمل للشباب اثارت الجدل وقتها، حتى بعد ان وقعها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.
وتوصلت اللجنة البرلمانية المشتركة في باريس أمس، الى صياغة نص موحد للقانون الجديد الخاص بإصلاح نظام التقاعد. وسيطرح النص المتفق عليه اليوم على مجلس الشيوخ وغدا على مجلس النواب (الجمعية الوطنية) للمصادقة عليه برلمانيا بشكل نهائي ورسمي، بعدها يمرر الى المجلس الدستوري قبل ان يتسلمه ساركوزي في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل للتوقيع عليه واقراره كقانون رسمي.
وهاجم نواب وشيوخ الحزب الإشتراكي الاتفاق الذي توصلت اليه اللجنة البرلمانية المشتركة المؤلفة من سبعة نواب وسبعة شيوخ غالبيتهم من اليمين. ووصفوا ما يحصل بأنه غرق حقيقي للسفينة الديموقراطية، منتقدين بشدة عدم رغبة الطرف الحاكم بالحوار او النقاش مع المعارضة او حتى الاستماع الى النقابات العمالية. وأعرب الناطق باسم حزب الاتحاد من اجل حركة شعبية الحاكم فريدريك لوفيفر عن القلق العميق من المنحى الراديكالي الذي بدأ التحرك المعارض لقانون التقاعد يأخذه، وأكد ان الحكومة ستواصل عملها ولن تسمح للمعارضين بأخذ الشعب الفرنسي واقتصاد البلاد رهائن. لكن ساركوزي ليس شيراك، والتجارب السابقة تشير الى استحالة تراجع الرئيس الفرنسي الحالي عن اي قرار يتخذه. لذا يبدو التحدي اكبر بكثير على النقابات التي على الرغم من سعيها الى المضي في تحركاتها. حتى وإن تم تمرير القانون، فإن تصميمها هذا يبقى رهنا بمدى استجابة القوى الشعبية لاطالة الفترة الزمنية وخاصة اذا كان المضربون لا يتقاضون رواتب عن الاسابيع التي توقفوا فيها عن العمل حتى الآن وأن النسبة الاكبر من الشعب بدأت تتململ من الفوضى التي تسود البلاد بسبب الاضرابات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.