8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ساركوزي ماضِ في الإصلاح والفوضى تعم فرنسا

يتعرض الكيان الفرنسي لنوع من الحرب على الحكومة ونظامها التقاعدي يذكّر بتطور الثورة الطلابية أواخر ستينات القرن الماضي. وقد تسببت هذه الحرب بشلل موضعي خلال الأسابيع الأخيرة، لكنها تطورت الآن الى حال جديدة مهددة بشل البلاد.
فاليوم تسير الجحافل المناهضة لـاصلاح نظام التقاعد، الذي يصر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على تطبيقه، وتنزل الى الشوارع بأعداد يتوقع ان تكون غير مسبوقة.
واليوم ايضا تتوسع الإضرابات التي دعت اليها النقابات العمالية لتشمل المزيد من القطاعات العامة والخاصة بما فيها المدارس.
ويرمي المنظمون، من نقابات واحزاب معارضة، هذه المرة بثقلهم كاملا في تحركات اليوم التي ستشكل موقعة حاسمة في الحرب الضروس التي يشنوها منذ اكثر من شهر ضد ساركوزي وادارته. وتكمن أهمية مسيرات اليوم واضراباته في انها تسبق جلسة التصويت الحاسم على النص الكامل لقانون التقاعد الجديد التي ستعقد غدا في مجلس الشيوخ.
لكن الواضح والجلي مما يحدث في الداخل الفرنسي انه على قدر عزم المناهضين للتشريع الجديد على اطاحته، يأتي تصميم وعناد مشابه ان لم يكن اهم شأنا من قبل الحكومة الفرنسية العازمة على انجاز مشروعها بتأخير سن التقاعد من 60 عاما الى 62 عاما (بحلول العام 2018) مهما كان الثمن، وقد أكد ساركوزي صراحة امس ان اصلاح نظام التقاعد امر ضروري وان فرنسا ستطبقه.
ففي مؤتمر صحافي عقده مع المستشارة الالمانية انغيلا مركيل قال ساركوزي ان هذا الاصلاح ضروري، وقد التزمت به فرنسا، وستطبقه مثلما فعل اصدقاؤنا الالمان لاصلاح نظام التقاعد قبل بضع سنوات. اضاف انه امر عادي، وطبيعي تماما ان يثير ذلك مخاوف واعتراضات.
وخلص الرئيس الفرنسي الى القول قبل استقبال الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف لكنه امر عادي وطبيعي ايضا ان تتأكد حكومة ديموقراطية في ديموقراطية برلمانية من ان يجد سائقو السيارات البنزين ومن ان لا يكون هناك مواجهات، لان المواجهة في اي ديموقراطية لا يمكن ان تكون مطلقا امرا ايجابيا.
وشهد الاسبوع الفائت بداية ازمة وقود بعد اضراب مصافي تكرير النفط وتوزيعه، وامس توقفت اكثر من 1500 محطة بنزين عن العمل في البلاد (بشكل كامل او جزئي) بعد شح مخزون المحروقات الذي يملكه عدد منها في حين واصل الباقي تزويد المستهلكين بانواع الوقود التي لا تزال متوافرة لديه اي ان عددا من المحطات بدأت تفقد هذا النوع من المحروقات او ذاك بحسب الطلب عليها. ولهذا شهد الاليزيه ووزارة الداخلية الفرنسية امس اجتماعات ازمة للتنبه الى الوضع وعدم السماح للإضرابات بإغراق البلد في ازمة حقيقية.
ومنذ نهاية الاسبوع الفائت يحتل الناشطون المعارضون المراكز الصناعية في شتى انحاء البلاد وقد سيطروا على عدد منها كي يوقفوا العمل فيها. فمساء الأحد سيطر نحو ثلاثين معارضاً على موقع لوجستي في منطقة جيروند يزود عادة الأسواق الاستهلالكية الكبيرة (سوبرماركت) مثل اوشان وغيرها بالمأكولات الطازجة. كما سيطر ناشطون آخرون على مخزن كبير للوقود في مانس واجبروا الشاحنات التي تنقل المحروقات الى المحطات على التوقف عن العمل. وفي ميلوز (شرق فرنسا) تمكن نحو 60 ناشطا تابعين للنقابات العمالية من اغلاق احد اكبر مصانع شركات السيارت مثل بيجو وسيتروين. واعلن الناشطون سنقوم بشل جميع القطاعات في البلاد بما فيها الصناعية كي نجبر الحكومة على سحب قانون وزير العمل اريك وورث الخاص بنظام التقاعد. هذه امثلة قليلة فقط عما يحدث اليوم في داخل فرنسا وبالطبع هناك مواقع عديدة اخرى سيطر عليها المعارضون.
وقطاع النقل بدوره لن ينجو هذه المرة ايضا من براثن الاضراب حيث ستشل حركة القطارات بين المناطق وتتقلص الحركة في المطارات وقطارات الترامواي والمترو داخل المدن. واكثر ما يثير قلق الادارة الفرنسية وحفيظة وزارة الداخلية تحديدا هو السلوك الهمجي الذي يواكب تظاهرات الطلاب حيث تقوم جماعات في تلك المسيرات بتحطيم او احراق كل ما تمر به. امس، تجمع مئات الطلاب عند جادة الشانزليزيه واعترضوا حركة المرور فاضطرت الشرطة الى تفريقهم واجبارهم على مغادرة المكان عبر محطات المترو. وعلى الرغم من جهود شرطة مكافحة الشغب للحد من السلوك السلبي للمتظاهرين وتوقيفها لأكثر من مئتي مشاغب، بيد ان حرية التحرك لرجال الشرطة في التصدي للمدنيين محدودة وتحكمها اصول وقواعد تجعل من امكانية الزام المشاغبين بحدودهم شبه مستحيلة.
ويعيش ساركوزي وطاقمه في الشهرين الأخيرين كوابيس لا حصر لها حيث تأتيهم اللكمات من كل حدب وصوب. ففي الداخل يخوضون حربهم الإصلاحية ضد العمال واليساريين وشبكات المخدرات وعصابات المغرب العربي. ومن الخارج يأتيهم وابل من الانتقادات من الاتحاد الأوروبي وحقوق الانسان بشأن طرد الغجر، وديبلوماسيتهم تتعرض للتهميش في قضايا دولية بارزة كعملية السلام في الشرق الاوسط. وقاموا بحظر النقاب واطلقوا حملة عسكرية فاشلة ضد الارهابيين في حزام الساحل الافريقي فكانت النتيجة انهم فتحوا الباب على مصراعيه لتنظيم القاعدة بكل فروعه في المغرب الاسلامي والجزيرة العربية وباكستان وافغانستان ليتربص بأمنهم ويهدد بفتح ابواب جهنم على الشعب الفرنسي. ويبقى انتظار ما ستحمله الايام والاسابيع المقبلة لمعرفة مدى قدرة ساركوزي على الصمود امام هذه التيارات الجارفة التي تتقاذف عرشه يمنة ويسرة، وما اذا كان سيرفع الراية البيضاء امام مهاجميه ام لا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00