8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

باريس مسرح لجولة جديدة من الجدل الديبلوماسي بين الأميركيين والروس

بدأ التدخل العسكري الدولي في سوريا رغم اقتصاره في هذه الآونة على ضرب تنظيم داعش، بإقلاق راحة النظام الايراني وخصوصاً مع اعلان عدد من القادة العسكريين الاميركيين والبريطانيين عن وجوب نشر قوات برية في العراق وسوريا من اجل القضاء على داعش، وتمسك تركيا وفرنسا بفكرة انشاء منطقة حظر جوي في شمال سوريا، الأمر الذي يحرم نظام بشار الأسد القدرة على استخدام السلاح الجوي ضد مواقع استراتيجية مهمة جداً في تحديد مصير الصراع الدائر على الاراضي السورية منذ العام 2011.
ولا تكمن المخاوف الايرانية في امكانية فرض انشاء مثل هذه المنطقة العازلة، وتمركز المزيد من القوات الاميركية على تخوم ايران فحسب، بل تتعدى ذلك الى رعب بدأ يسري في طهران من احتمال ان تكون اراضي ايران عموما ومواقعها النووية خصوصاً الهدف المقبل الذي ستتحد ضده القوى نفسها التي تحارب داعش اليوم، وان تكون الغارات الجوية الدولية ضد التنظيم الارهابي في العراق وسوريا نوعاً من التدريبات التي تجريها الولايات المتحدة وحلفائها وعلى راسهم دول الخليج العربي، تمهيداً لعمليات مشابهة ضد ايران، مستقبلاً.
هذا القلق الذي يساور النظام الايراني من امكانية فقدان السيطرة تماماً على مجريات الامور في سوريا، دفع بطهران الى وضع جميع اوراقها شكلياً بما فيها البرنامج النووي في سلة الدفاع عن الأسد، فجددت تقديم المزيد من الخدمات لمصلحة حلفها مع الصين وروسيا، وقلصت اسعار نفطها، أسوة بالمملكة العربية السعودية، واوعزت الى موسكو بترطيب الاجواء الديبلوماسية مع واشنطن بشأن الملف الاوكراني، على ان تقوم هي بممارسة المزيد من سياسة المماطلة والدهاء في المحادثات النووية، وذلك باستخدام الورقة النووية مجدداً للضغط من اجل حماية الأسد.
وهددت طهران من انه اذا ما مضى الاميركيون في تنفيذ مآرب تركيا وفرنسا، فان هذا سيشكل خطراً على أمن اسرائيل، لأن النشاطات النووية العسكرية عندها ستستكمل.
وورد هذه التوجه على لسان نائب وزير الخارجية الايراني للشؤون العربية حسن امير عبداللهيان الذي أكد أول من امس، أمام وسائل اعلام ايرانية ان طهران حذرت واشنطن وحلفاءها من أن السعي لإسقاط نظام بشار الأسد، خلال المواجهة القائمة مع داعش، سيعرض أمن إسرائيل للخطر.
وفي هذا السياق، تبدو اللقاءات الديبلوماسية التي ستشهدها باريس اليوم وغدا مهمة جداً في رسم ملامح التحركات الميدانية اقله حتى نهاية العام الجاري، اذ يلتقي وزيرا خارجية الولايات المتحدة وروسيا جون كيري وسيرغي لافروف، وسيجتمعا أيضا بوزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي اكد منتصف الاسبوع المنصرم لدى استضافته نظيره التركي مولود تشاووش اوغلو، على اهمية دراسة فرض حظر جوي في المنطقة بين سوريا وتركيا.
وتمهيدا لعودة روسيا كلاعب اساسي داعم للأسد وحليف صادق لايران من خلال محادثات كيري ـ لافروف، امر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين امس القوات الروسية بالانسحاب من شرق اوكرانيا إرضاءً لمطالب واشنطن التي لوحت بالمزيد من العقوبات في حال لم تقم روسيا بهذه الخطوة.
ومجدداً، ستعمل روسيا على لعب اوراقها خدمة للأسد، وستحاول عبر لقاءات كيري ـ لافروف ـ فابيوس، استخدام ورقة الانسحاب من اوكرانيا من اجل الحصول على ضمانات بان تصرف واشنطن وباريس النظر تماماً عن اقتراح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بفرض منطفة عازلة في شمال سوريا، وبالتالي اغتيال هذه الفكرة في مهدها.
واتماماً لهذه المقايضة، سيسعى وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف عندما يلتقي كيري في فيينا بعد انتهاء مشاورات باريس، الى اظهار المزيد من النوايا الايرانية الحسنة تجاه اسرائيل، والتأكيد مجدداً على الطابع السلمي لبرنامج بلاده النووي.
ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما برهنت دائماً عن عدم رغبة في حسم الامور، ومن هذا المنطلق قد تستجيب واشنطن للتحرك الايراني ـ الروسي، وتجبر انقرة على سحب خطتها.
فالملفان الاوكراني والنووي الايراني أهم بكثير بالنسبة للاميركيين من توجيه ضربة قاضية للأسد الذي يعتبرونه ديكتاتوراً، خروجه من السلطة مسألة وقت، يتمكنون من استغلاله لاحراز المزيد من النقاط في ملفات دولية اخرى.
وتبقى جدية روسيا في الانسحاب من شرق اوكرانيا وصدقية ايران في التعاون بشان برنامجها النووي ميزاناً لمدى وضوح الموقف الذي ستعلنه واشنطن بخصوص المشهد العسكري السوري بعد هذه الجولة الديبلوماسية الباريسية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00