تعيد الدول الخمس الكبرى في هذه الفترة تقييم سياساتها تجاه الأزمة السورية والمأساة الانسانية الناتجة عنها التي يزداد حجمها بسرعة كبيرة وينذر بدنو موعد تخرج فيه عن أي قدرة للسيطرة عليها وضبط تداعياتها على الشرق الأوسط بأسره. وقد أصبحت الدول الغربية (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) من جهة والدول الشرقية (روسيا والصين) من الجهة الثانية على قناعة بأن أي حسم عسكري ميداني للصراع الدائر في سوريا يبدو مستحيلاً، الا في حال اتفق الطرفان على مخرج يرضي مصالحهما تحت غطاء قرار في مجلس الأمن الدولي، وهذا لن يتم إلا في حال عجزت روسيا عن الضغط بشكل كاف على بشار الأسد كي يسهل انعقاد جنيف 2 ويسلم سلطاته الى حكومة وحدة وطنية تدير المرحلة الانتقالية في البلاد.
ونظراً الى انخراط إيران بقوة في المعارك الى جانب نظام الأسد، أصبح بقاء بشار من عدمه قليل الأهمية بالنسبة الى سيناريو الحل السياسي، حيث أوردت آخر التقارير الاستخبارية أن الأسد ليس سوى دمية لا حول لها ولا قوة حيال ما يجري ميدانياً وأن الإيرانيين يديرون المعارك داخل سوريا، وهذا يعني أنه حتى لو قبل الأسد مع موسكو بتسليم سلطاته التي يبدو أنه لم يعد يملكها، فهذا لن يعني أن القتال سيتوقف وأن جيش النظام الذي تديره إيران بالتعاون مع ميليشياتها في المنطقة سيقبل بالحل السياسي إذا كان الحل يراعي مصالح طهران، وهو الأمر عينه من الجهة المقابلة حيث المجموعات الدينية المتطرفة كجبهة النصرة والحركات المشابهة لها لن تقبل بوقف القتال رضوخاً لحل سياسي ترفض أن يملى عليها من الخارج حيث إنها تعتبر نفسها في حرب سنية ـ شيعية مقدسة.
العواصم الخمس الكبرى بدأت تعي أن الوقت الذي يضيع يحوّل سوريا أكثر فأكثر الى معركة مفتوحة لا نهاية لها بين المتطرفين الشيعة والسنة وخاصة أن المقاتلين الطائفيين من البلدان المجاورة ينضمون إلى صفوف الطرفين وهذا ما يؤجج الصراع في حين بدأت قدرة المعتدلين سواء في النظام أو المعارضة تتلاشى بشكل مخيف، وهذا ما يفسر مسلسل المؤتمرات الدولية الذي لا يبدو في الأفق القريب نهاية لحلقاته وكلها اجتماعات تهدر فيها أموال طائلة ولا تؤدي الى أي نتائج تذكر من شأنها تغيير الوقائع على الأرض.
هذا الواقع جعل إيران نقطة محورية في سبيل إنهاء حمام الدم في سوريا. فهي في الحقيقة من يجب أن يحاور في جنيف وليس الهيكل العظمي لنظام الأسد. وقد استوعب الغربيون هذه الفكرة، ومن هنا جاء كلام وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ بأن إيران يمكن أن تشارك في النسخة المقبلة من المؤتمر الدولي في حال موافقتها على ما وافقت عليه روسيا والصين في النسخة الأولى من جنيف العام الفائت ألا وهو تسليم سلطات الأسد كاملة الى حكومة وحدة وطنية تضم معتدلين من الطرفين.
إذاً الكرة الآن في الملعب الإيراني، فإذا وافقت طهران على سيناريو الحل السلمي فإن موسكو وبكين ستمضيان حتماً به وعندها يعقد جنيف 2 ويقتسم الجميع الجبنة التي هي عبارة عن الحكومة الانتقالية. ويمكن من خلال هذا السيناريو فرض إنهاء الصراع الميداني المسلح من خلال إصدار قرار في مجلس الأمن يؤدي الى نشر قوات دولية تسيطر على ترسانات الأسلحة الكيميائية وتطارد فلول النصرة وأخواتها من الجماعات المتطرفة وتدعم توحيد صفوف المؤسسة العسكرية للدولة السورية وهو أمر يزداد صعوبة يوماً بعد يوم بسبب حجم المجازر التي ارتكبت على مدى أكثر من عامين.
لكن في حال تشبثت إيران ببقاء الأسد واستمرت في الحل العسكري، عندها لن يكون بمقدور موسكو الاستمرار في وقوفها طويلاً في المعسكر نفسه مع طهران لأن حجم المأساة الانسانية فاق كل الاحتمالات والحسابات. وعندها قد ترضخ روسيا للضغوط الدولية وتسمح بصدور قرار في مجلس الأمن يتيح تدخلاً عسكرياً لقوات حلف شمال الأطلسي يتم عبر سيناريو من خمسة تحدث عنها أول من أمس رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي في رسالة وجهها الى الكونغرس وتتضمّن الخيارات العسكرية التي يمكن أن تطبقها واشنطن في دمشق والكلفة المادية التي يستوجبها كل خيار.
فموسكو كما قال وزير خارجيتها سيرغي لافروف أمس لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا أصبحت على يقين أنها في حال استمرت في اللعبة الدائرة الآن تدعم النظام بالسلاح فإن الدول الغربية والعربية ستدعم الثوار أيضاً من الجهة المقابلة وهذا من شأنه إطالة أمد الصراع سنوات أخرى من دون أن يكون لأي من الطرفين القدرة على حسم النزاع لصالحه. من دون إغفال ما يتسبب به ذلك من حركة نزوح سورية إلى البلدان المجاورة التي بدأت مجتمعاتها تنتفخ إلى حد الانفجار من تدفق مئات آلاف السوريين إليها.
وكان وزيرا خارجيتي بريطانيا ويليام هيغ وفرنسا لوران فابيوس لدى نقاش الملف السوري أول من أمس في بروكسل شددا على أن ضبط المأساة الانسانية التي يتسبب بها الصراع في سوريا يحتاج الى قرار دولي من مجلس الأمن وإلا فإن الأمور ستخرج تماماً عن السيطرة.
وتستضيف باريس اليوم في إطار الدعم الفرنسي للائتلاف الوطني السوري رئيسه أحمد الجربا الذي سيلتقي الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ووزير الخارجية لوران فابيوس. وسيتم تناول المساعدات الإنسانية المقدمة للشعب السوري والمساعدات التقنية والدفاعية التي تمنحها فرنسا للمعارضة المعتدلة، كما سيتم التطرق الى المساعي المبذولة لعقد مؤتمر جنيف وانجاحه بالإضافة الى أي سيناريو لدعم عسكري مستقبلي في حال لم يتم التوصل دولياً الى مخرج سياسي سلمي للأزمة.
ولا يتوقع أن تحسم الدول الخمس الكبرى قراراتها قبل أيلول المقبل، ولكن هذه الدول تدرك أن جميع الخطوط الحمر التي رسمت قد تم تجاوزها من قبل النظام وحلفائه وحتى من قبل المجموعات الأصولية التي تقاتل في صفوف الثوار. والجميع يعلم أن على الأسرة الدولية أن تتحمل مسؤولياتها هذا الخريف لأنه من غير الممكن الصمت حيال استخدام أوسع للاسلحة الكيميائية والبيولوجية، من غير الممكن الوقوف موقف المتفرج في حين يتدفق ملايين السوريين الى خارج البلاد بشكل أصبح يهدد أمن واستقرار ليس المنطقة فحسب بل العالم بأسره، ومن غير الممكن إفساح المجال لشبكات الإرهاب التغلغل أكثر داخل المجتمع السوري بما يحبط جميع المحاولات لعدم إعلان سوريا دولة منهارة وفاشلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.