شهدت وزارة الخارجية الفرنسية صباح أمس شأنها شأن سائر الوزارات الأخرى عملية التسليم والتسلم بين الان جوبيه المنتهية ولايته والوزير الجديد لوران فابيوس (66 عاماً). وتنظر دول العالم وبخاصة بلدان الشرق الأوسط الى هذا المنصب تحديداً لما له من أهمية حيال الأوضاع الراهنة، ولا سيما النووي الإيراني والثورة السورية وعملية السلام في الشرق الأوسط.
وخلال حفل التسليم والتسلم، ألقى الان جوبيه كلمة وداعية أعرب فيها عن شعوره الكبير بخيبة الأمل إزاء استمرار الأزمة في سوريا إذ لن تكون خطة كوفي أنان التي تشكل الفرصة الأخيرة (للنظام كي ينهي الأزمة) متاحة الى ما لا نهاية.
أما فابيوس فأكد خلال خطابه على وجود فوارق سياسية بينه وبين سلفه، لكن في الملفات الخارجية الكبرى هناك سياسة فرنسية ستستمر في ولايته، مشدداً على أن القيم والمبادئ العالمية ستحرص فرنسا عليها على الدوام.
وأجرى وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ ظهر أمس اتصالاً هاتفياً بنظيره الفرنسي الجديد مهنئاً اياه في منصبه الجديد، وأكد الوزيران على استمرارية العلاقات المميزة التي تربط بين بريطانيا وفرنسا ولا سيما في ما يتعلق بشؤون الدفاع والنووي. وتجدر الإشارة الى أن فابيوس هو عضو في الحلقة الفرنكو بريطانية.
يأتي هذا الاتصال قبل ساعات على مغادرة فابيوس برفقة الرئيس فرنسوا هولاند اليوم الى قمة الثماني في كمب دايفيد في الولايات المتحدة حيث يتوقع أن تكون ملفات عدة قيد البحث خلال لقاء قمة فرنسية ـ أميركية منتظرة على هامش اجتماعات الثماني. وتؤكد مصادر عدة أن الملفين السوري والإيراني سيحتلان حيزاً هاماً في حوار باريس وواشنطن.
في الوزارة، سيعتمد فابيوس على سفير فرنسا السابق لدى لبنان دوني بييتون (57 عاماً) الذي أصبح منذ أسابيع مديراً للديبلوماسية الفرنسية في ما يتعلق بشؤون شمال افريقيا والشرق الأوسط. وهذا المنصب مهم جداً بالنسبة لسياسات المنطقة وقد أوكل لبييتون نظراً لخبرته في المنطقة على مدى سنوات عدة بدأها كقنصل في دبي ثم كقنصل عام لفرنسا لدى السلطات الفلسطينية في القدس وأكملها سفيراً لفرنسا في لبنان. ويتميز بييتون أيضاً بقدرته على التنسيق بين السياستين الفرنسية والأميركية في ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط فهو كان الرجل الثاني في سفارة بلاده في واشنطن قبل استلامه السفارة في بيروت.
مواقف فابيوس من الأزمة السورية
فابيوس في آخر تصريح له بشأن الأزمة السورية في لقاء متلفز مع فرانس 24 أواخر نيسان (ابريل) المنصرم، أعرب عن أمله في حدوث تغيير في الموقفين الروسي والصيني من الأزمة، مؤكداً أن بشار الأسد الذي استقبله ساركوزي في عيد فرنسا الوطني في 2008 يقتل شعبه منذ أكثر من عام وهذا غير مقبول اطلاقاً وبغيض جداً. يجب أن تبذل فرنسا كل ما في وسعها من أجل إنهاء هذه الأزمة التي تحصل في منطقة صعبة استراتيجياً. يجب أن تتكلم فرنسا بلهجة أكثر صرامة وحزم، وفي حال لم يتم تنفيذ خطة كوفي أنان بنقاطها الست يجب إصدار قرار دولي تحت الفصل السابع.
وفي لقاء خاص مع المفكر الفرنسي الشهير برنار هنري ليفي وشخصيات فاعلة أخرى في الشارع السياسي الفرنسي بتاريخ 17 تموز (يوليو) 2011، كان لفابيوس الخطاب التالي ما يجمعنا اليوم هنا ليست الصداقة والاحترام التي نكنها جميعاً لبرنار هنري ليفي فقط بل نحن هنا بالدرجة الأولى لأن هناك هدفاً يجمعنا هو المعركة ضد ديكتاتورية، ديكتاتورية متوارثة، ديكتاتورية دموية تحكم اليوم سوريا. لقد تكلمنا عن الكيل بمكيالين وأنا كالآخرين هنا ممن عبروا عن رأيهم في هذا الإطار. إن فرنسا اليوم تتدخل في ليبيا، وإنه حصل هناك تأخر في التعامل مع الثورات في تونس ثم مصر، ولكن لماذا اليوم لا يحصل تدخل في سوريا. طبعاً نعلم أن سوريا من وجهة النظر الجيوسياسية ليست الشيء نفسه كليبيا ولكن يجب الذهاب قليلاً أبعد من ذلك فمن الضروري التحرك. لماذا؟ لأنه كما قال برنار منذ قليل فرغم المفاجأة بحصول هذه الانتفاضة فإن علينا التحرك لأنه في حال لم يحصل تدخل وأصبحت سياسة الكيل بمكيالين واضحة جداً عندها سيطرح العالم علينا السؤال: هل كان لديكم الحق إذاً للتدخل في ليبيا؟ رغم الفارق بين الدولتين كما قلنا جغرافياً وسياسياً، إلا أن أي قتيل سقط في ليبيا لا يساوي بنظر الإنسانية قيمة أكبر من القتيل الذي يسقط في سوريا. كما أن المعركة ضد الديكتاتور وضد الفساد وضد القمع هي ذاتها في شتى الأماكن وهذا سبب آخر لضرورة التدخل في سوريا.
وكشف فابيوس الى أي مدى خُدع العالم الغربي بشخصية بشار الأسد قائلاً سأروي لكم ما حصل معي منذ فترة ولو أن الوضع ليس مأسوياً الى هذه الدرجة لكنا وكأننا نروي نكتة تضحكنا. منذ نحو خمسة أشهر التقيت أحد الديبلوماسيين الغربيين وكنا نتحدث عما حصل في تونس ومصر. فسألته عن سوريا، فكان جوابه إنه مع الأسد لا خطر في حصول قمع دموي إطلاقاً فهو شخص إصلاحي وزوجته حضارية وراقية ترتدي الأزياء الغربية وهو أيضاً بعدما تخصص في الطب العام اختار المهنة الأقل دموية في اختصاص الطب. من هذه الأجوبة يمكننا الآن أن نرى بوضوح كم كانت مخطئة نظرة الغرب الى بشار الأسد. من هنا ندرك بوضوح أنه لا يجب إدخال التحليل النفسي في السياسة الدولية حتى وإن كانت الحال هنا تتعلق برؤساء دول. لأن الوقائع كما نراها اليوم قمة في الدموية والصور القادمة من سوريا تعبر عن نفسها فاضحة مدى معاناة الشعب السوري.
وحذر فابيوس من خطورة أن يسعى النظام المنزعج من مشاكله الداخلية الى تصدير هذه المشاكل الى البلدان المحيطة به. أضاف أود أن نطلق هنا كلنا نداء الى منظمات المجتمع الدولي بضرورة استصدار قرار في مجلس الأمن الدولي يدين هذا النظام. أعلم أن علينا إقناع روسيا وهذا جهد صعب، ولكن يفاجئني أنه حتى الآن لا تزال البلدان الصاعدة اقتصادياً (في إشارة الى دول البريكس) التي يجب أن تؤيد النهج الديموقراطي لا تزال مترددة في إدانة النظام، وأذكر هنا على سبيل المثال الهند وجنوب افريقيا والبرازيل. هذه الدول الديموقراطية ينبغي أيضاً ألا تتردد في الدفاع عن الحريات.
وأضاف فابيوس ويبقى أملنا في أوروبا كبيراً رغم أنها خيبت أملنا في بعض الملفات. لقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الأسد والمقربين منه. ولكن هذه العقوبات يجب توسيعها وتشديدها لتشمل أيضاً جميع الهيئات والشخصيات التي تساهم في تمويل النظام سواء أكانت هذه الهيئات أو الشخصيات سورية أو إيرانية أو لبنانية. كما يجب التأكد من أن شركاءنا في أوروبا ولا سيما الألمان والبريطانيون والايطاليون أن يقوموا بتطبيق هذه العقوبات لأن بعض معلوماتي تفيد بأن البعض لم يطبقها كما يجب. بشار الأسد يشن حرباً على شعبه وفرنسا عليها واجب دعم الشعب السوري الذي انتفض ليس فقط من أجل الكرامة بل من أجل الحياة. الشعب السوري يستحق الربيع.
نبذة عن خبرة لوران فابيوس الحكومية
دخل بعمر 35 عاماً الى الحكومة الفرنسية للمرة الأولى في العام 1981 عندما سلمه الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران وزارة الموازنة لمدة عامين، ثم عينه رئيساً للوزراء لعامين آخرين بين 1984 و1986. في العام 1988 أصبح رئيساً لمجلس النواب حتى 1992 ثم عاد الى شغل المنصب نفسه بين عامي 1997 و2000. استلم وزارة المال في حكومة ليونيل جوسبان بين عامي 2000 و2002. وبعد غياب دام عشر سنوات عاد الآن الى الحكومة ليدخل وزارة طالما رغب بها وهي الخارجية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.