تعيش فرنسا الأيام الأخيرة في ظل السياسة الساركوزية، وهي تترقب دخول الرئيس المنتخب فرنسوا هولاند الى قصر الاليزيه صباح السابع عشر من شهر ايار (مايو) الجاري.
هذا المشهد المحلي بإمتياز، يلقي بظلاله على دوائر اوسع ومناطق تتعدى حدود الدولة الفرنسية، ليس الى البلدان المجاورة التي تشكل معها فرنسا ما يعرف بـالاتحاد الاوروبي فحسب، بل تتخطاها أيضاً إلى ما وراء البحار والمحيطات، أي إلى العالم بأسره.
قيل الكثير عن التشابه الذي ظهر مؤخراً في السياسة العالمية بين ما يُعرف بالأحزاب الكبرى التي تمثل اليمين المعتدل واليسار المعتدل، ولا سيما في العقدين الأخيرين، حيث ظهر قادة من هذا الحزب أو ذاك، وانتهجوا سياسات متشابهة الى حد اختلطت الامور على الشعوب، حيث لم تعد الاخيرة قادرة على التمييز، هل هذا الزعيم يميني ام يساري؟.
ولعل رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير (حزب العمال ـ يسار معتدل) أبرز مثل يمكن اتخاذه في هذا النطاق، حيث شكل مع الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن (الحزب الجمهوري ـ يمين معتدل) وحدة حال قل نظيرها في تاريخ العلاقة البريطانية ـ الاميركية الى حد دفع ببعض قادة حزب المحافظين في المملكة المتحدة الى القول: لو كان حزبنا في السلطة، لعجز عن تقديم سياسي محافظ أكثر من طوني بلير.
ومع تعزيز الهيكلية السياسية الجامعة تحت مظلة الاتحاد الاوروبي، بدأت الحكومات في البلدان الاوروبية المختلفة تتغير غالباً وتتبدل الوانها حتى يليق قدها بالفستان الاوروبي الموحد، هذا الواقع دفع الشعوب الاوروبية الى التساؤل: ما الفارق بين التصويت ليمين الوسط او ليسار الوسط حيث يشعر هؤلاء انهم يصوتون للسياسة نفسها التي توصل الى سدة الحكم رئيسا يرتدي بزة كسابقه، ولا يتغير بينهما سوى ربطة العنق.
هذا الإحساس بفقدان الهوية الوطنية المستقلة لكل بلد اوروبي، الذي جاء ممتزجا في السنوات الثلاث الاخيرة بوحول الأزمة المالية والإقتصادية، دفع بشريحة لا بأس بها من الأوروبيين الى أحضان احزاب اليمين المتطرف. وهذا ما تجلى على سبيل المثال في الجولة الاولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية مع حصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن على 18 في المئة من اجمالي الاصوات، وهي نسبة قياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ حزب الجبهة الوطنية والسياسة الفرنسية.
إلا ان هذا التشابه الذي يجمع في وسطيته اليسار واليمين، ويريح القيمين على المؤسسات الدولية الجامعة، كالاتحاد الاوروبي، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، وهيئات الامم المتحدة الخ.. ويخلق غيوما من الشك في مخيلات الناخبين حول مستقبل بلدانهم وحجم استقلاليتها، كان من الممكن ان يتجسد الى حد بعيد في فرنسا على مدى الخمسة اعوام المقبلة، لو ان الرئيس المنتخب كان دومينيك ستروس ـ كان، لأن الإشتراكي المذكور افنى سنين عمله السياسي وخبرته الاقتصادية في صروح هذه المؤسسات العالمية ودهاليزها، ولهذا فهو يعرف جيدا الخطوط الحمر التي لا ينبغي لأحد تجاوزها، وهو بالتالي كان ليريح من يدير المنظومة السياسية العالمية من خلف الستائر.
أما الآن مع خروج ستروس ـ كان تحت وطأة فضائحه الجنسية، وسقوط نيكولا ساركوزي، الإبن البار لهذه المنظومة، ووصول فرنسوا هولاند الى الاليزيه، ينظر الاوروبيون عموما والالمان خصوصاً، بعين القلق الى هذا الشخص المجهول الذي استقر في نواة الاتحاد الاوروبي في هذا الوقت العصيب الذي تعيش فيه هذه المؤسسة احلك ايامها، وتحتاج الى جهود تنسيق جبارة كي تتمكن من اخراج عملتها الموحدة اليورو من مستنقع الديون التي تلتهم بلدانها الواحد تلو الآخر.
والقلق والشك لا يساوران الاروبيين وحدهم، بل يتخطيانهم ايضا الى العملاق الراقد وراء الأطلسي، ولهذا سارع الرئيس الاميركي باراك اوباما الى تهنئة هولاند ووجه اليه الدعوة لزيارة واشنطن، فالتعارف والنقاش هما الوسيلة الأفضل الآن لجس النبض وتلمس الطريق التي ينوي الرئيس الفرنسي الجديد سلوكها في السياسة الدولية.
هولاند الذي عليه الآن خارجياً واجب طمأنة حلفاء فرنسا التاريخيين، أمامه أيضاً تحديات جمة في الداخل. ففرنسا تعيش حالة اقتصادية صعبة وارقام البطالة في ارتفاع والقدرة الشرائية للفرنسيين تتقلص، اضف الى الانقسامات الاجتماعية الحادة التي غذتها سياسات وزراء غير كفوئين في ادارة ساركوزي، امثال وزير الداخلية المنتهية ولايته كلود غيان الذي قسم الفرنسيين بخطاباته الرجعية الى فئات عدة، فجعل منهم الفرنسي الاصيل، والفرنسي الاوروبي، والفرنسي الافريقي، والفرنسي المسيحي، والفرنسي المسلم، والفرنسي الطبيعي، والفرنسي المثلي الجنس، وجل الغاية من وراء ذلك التقسيم كان غايات انتخابية رخيصة لم تأت اكلها كما اريد لها، بل على العكس من ذلك، كانت المسمار الرئيسي الذي دق في النعش السياسي لنيكولا ساركوزي.
مسؤولية جمع الفرنسيين في جمهورية المساواة، ملقاة اليوم اكثر من اي وقت مضى على كاهل هولاند، وقد رسمت ملامح هذه المسؤولية لوحة الاحتفالات ليل أول من امس في ساحة الباستيل، وسط باريس، حيث اختلطت الأعراق البشرية ورفعت الرايات المختلفة الألوان والانتماءات، من اعلام للثورة السورية الى بيارق للاتحادات العمالية، مرورا بشعارات قوس قزحية تمثل المثلية الجنسية.
هذه هي فرنسا التعددية والمساواة التي وعد الرئيس المنتخب في خطابه امس بالحفاظ عليها وحمايتها.
فريق هولاند
في وجه التحديات الجسام التي تنتظره، لا بد لهولاند من فريق عمل متجانس قادر على الوصول بفرنسا الى بر الأمان. وقد بدأ الرئيس المنتخب مشاوراته منذ صباح الامس كي يضع الرجل (او المرأة) المناسب (ة) في المركز المناسب.
والى حين اعلان لائحته الحكومية ومستشاريه، تستعرض المستقبل بعض الأسماء الكبيرة في الحزب الاشتراكي التي من الممكن ان تشغل منصبا وزاريا او استشاريا في ادارة هولاند:
ـ مارتين اوبري (61 عاما) الامينة العامة للحزب الاشتراكي، وكانت المنافسة الرئيسية لهولاند على بطاقة الترشح الى الاليزيه. لديها شعبية واسعة داخل الحزب، ويرغب الجمهور الاشتراكي برؤيتها في الماتينيون رئيسة لوزراء فرنسا. مرشحة بقوة لكي تكون خيار هولاند لرئاسة الحكومة لا سيما وانها تملك الخبرة الوزارية حيث شغلت في السابق منصب وزيرة العمل في 3 حكومات. علاقتها بهولاند فيها خسوف وكسوف، وهما لا ينتهجان السياسة اليسارية على الموجة نفسها، لذا فقد لا يقع خيار الرئيس المنتخب عليها لرئاسة الوزراء، ولكنها على الاقل ستحتل احدى الوزارات في أسوأ تقدير.
ـ جان مارك ايرو (62 عاما)، احد ابرز النواب الاشتراكيين في العقدين الاخيرين. ورئيس تكتل النواب الاشتراكيين في البرلمان الفرنسي منذ العام 1997، مقرب من هولاند وينسجمان جيدا في العمل السياسي. نقطة ضعفه هي نفسها نقطة ضعف الرئيس المنتخب، وهي انه لا يمتلك اي خبرة في العمل الوزاري. وعلى الرغم من ذلك، يبقى احد اقوى المرشحين لشغل مقعد فرنسوا فيون الذي سيشغر في رئاسة الوزراء.
ـ مانويل فالس (49 عاما)، حل في المركز الثالث في الانتخابات التمهيدية لنيل بطاقة الترشح الاشتراكية الى الرئاسة، ديناميكي جدا، وكان مديراً للتواصل في حملة هولاند الرئاسية، قد يفجر الرئيس المنتخب مفاجأة بتعيين فالس رئيسا للوزراء، لكن اغلب المراقبين يتوقعون ان تسند اليه حقيبة الداخلية.
ـ ارنو مونتبور (50 عاماً) لعب دورا بارزا في حملة هولاند الرئاسية. ويرد اسمه كثيرا ليس لشغل حقيبة وزارية انما ليكون مستشارا رئاسيا لهولاند في قصر الاليزيه.
ـ لوران فابيوس (65 عاما) سياسي مخضرم. كان رئيس وزراء فرنسا بين عامي 1984 و1986، وتقلب في مناصب وزارية عدة ابرزها وزيرا للاقتصاد في حكومة ليونيل جوسبن بين عامي 2000 و2002. على الرغم من خبرته في رئاسة الحكومة وحقيبة الاقتصاد، الا ان علاقاته الدولية تجعل منه افضل الاشتراكيين الموجودين لأخذ مكان آلان جوبيه في وزارة الخارجية.
ـ ميشال سابان (60 عاما). صديق مقرب جدا من هولاند. شغل مناصب وزارية سابقا، ابرزها وزارة الاقتصاد في حكومة بيار بيريغوفوي. ولهذا فإن اسمه مطروح للعودة الى هذه الوزارة.
ـ سيغولين روايال (59 عاما). صديقة هولاند السابقة وام اولاده. شغلت مناصب وزارية عدة في حكومات سابقة. خسرت سباق الاليزيه امام ساركوزي في 2007. مرشحة للحصول على احدى الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة.
الاتحاد من اجل حركة شعبية بعد ساركوزي
في الجهة المقابلة، يلملم الحزب الحاكم جراح الهزيمة التي مني بها في الانتخابات الرئاسية. ويسعى ابرز الاسماء في هذا الحزب الى توحيد الصفوف على الاقل الى حين مرور الانتخابات التشريعية التي تشهدها فرنسا في حزيران (يونيو) المقبل.
وبعدما اكد ساركوزي في خطابه اول من امس انه قد حضر نفسه ليعود فرنسيا بين الفرنسيين، فمن الواضح قراره ترك السياسة محليا، ولهذا فإنه لن يقود الاتحاد من اجل حركة شعبية في معركته الانتخابية المقبلة. وينقسم اطياف الحزب بين مؤيد لجان فرنسوا كوبيه امين عام الحزب حاليا ومناصر لرئيس الوزراء المنتهية ولايته فرنسوا فيون، ويبقى تمييل الدفة الى هذه الجهة او تلك منوطا بقرار الثلاثي الشيراكي المؤلف من الان جوبيه وميشيل اليو ـ ماري وفرنسوا باروان، فإما يتحدون مع فيون او يؤيدون كوبيه او حتى ربما يتحلقون خلف جوبيه الذي لا يخفي بدوره رغبة لديه ربما بالترشح للرئاسة في عام 2017.
لكن كل هذه الاتحادات والتحالفات داخل الحزب لن تبصر النور بشكل علني قبل مرور تحدي الانتخابات النيابية المقبلة حيث سيسعى هؤلاء الى عدم خسارة مقاعد نيابية لصالح الجبهة الوطنية التي تقودها مارين لوبن وبدأت بالتحضير لها منذ الجولة الاولى للإنتخابات الرئاسية التي انتزعت فيها عن جدارة المركز الثالث خلف هولاند وساركوزي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.