هل يشعر الفرنسي غير المسلم بالإهانة عندما يقع نظره على مسلم يؤدي صلاته في زاوية ما من شارع ما؟، لماذا يساوره شعور بالغضب من مشهد مماثل؟، وهل رؤية المتسولين والسكارى الذين تفوح منهم الروائح الكريهة وتعج بهم شوارع فرنسا أفضل من رؤية رجل أو امرأة يؤدي صلاة لا تتجاوز بضع دقائق أمام الملأ؟.
من جديد يستخدم اليمين الفرنسي أساليب مقززة للفت انتباه ناخبي اليمين المتشدد، وتعبق في الأجواء الفرنسية رائحة التمييز العنصري وعدم احترام حرية المعتقد وما شابه ذلك من كل ما يناقض المبادئ الثلاثة التي أسست عليها الجمهورية الفرنسية الحرية والمساواة والاخوة. وليس بغريب على سياسي فرنسي من طينة وزير الداخلية كلود غيان أن يتفوه بكلمات كافية لإشعار اليساريين الفرنسيين والجالية المسلمة في البلاد بالرغبة في التقيؤ. وكأنه نسي بالأمس القريب أنه كان يستجدي أموالاً لتمويل حملة نيكولا ساركوزي الرئاسية من حكومات عربية مسلمة ومن رجال أعمال مسلمين.
جاء لهاث غيان خلال زيارة الى نانت قال في العام 1905 كان عدد المسلمين في فرنسا قليلاً جداً. اليوم يوجد بين الخمسة والستة ملايين مسلم. إن هذه الزيادة مع سلوكيات عدد من المسلمين تشكل مشكلة. من الواضح أن الصلاة في الشارع تصدم عدداً من المواطنين الآخرين.
ويبدو هنا بشكل واضح أن وزير الداخلية الفرنسي يحتاج الى دروس خصوصية في علم التوزيع السكاني والديموغرافيا، كي ينتبه الى أنه في العام 1905 لم يكن عدد سكان فرنسا يبلغ نصف عدد سكانها الحالي (فمباشرة بعد الحرب العالمية الثانية 1945 لم يكن عدد الفرنسيين يتجاوز الـ40 مليوناً. أما اليوم فعدد السكان بحسب آخر الاحصاءات الرسمية يتجاوز الـ66 مليوناً).
وعلى الفور سار مسلمون في تظاهرات في شتى أنحاء المدن الفرنسية، وارتفعت الأصوات المنددة لهذه التصريحات، فقالت ايفا جولي من حزب الخضر إن هذه التصريحات تؤكد الأسوأ. يبدو أن الحزب الحاكم اختار أن يخوض حملة انتخابية تقوم على الإسلاموفوبيا.
وندد شباب الحزب الاشتراكي بكلام غيان واعتبروا أن المشكلة تكمن في ازدياد عدد الوزراء العنصريين. أما اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا فوصف التصريحات بـغير المسؤولة في حين دانت اس او اس راسيسم بشدة عبارات غيان واصفة اياها بـالفضيحة.
واعتبر القيادي في الحزب الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي أعلن ترشيحه الى الانتخابات الرئاسية المقبلة أن غيان مهووس نفسياً بمهامجمة المسلمين. إن كل ما تفوه به يستهدف قيم الجمهورية الفرنسية.
وهاجم مجلس ممثلي جمعيات السود (كران) وزير الداخلية مدافعاً عن مسلمي البلاد، مؤكداً أن مسلمي فرنسا هم فرنسيون مثل سائر الفرنسيين الآخرين.
ويتعرض المعتدلون في حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية وفي مقدمهم رئيس الوزراء فرنسوا فيون الى ضغوط يومية من أجل الوقوف الى جانب متطرفي الحزب الذي يمسكون بمفاتيح القرار، من الرئيس نيكولا ساركوزي الى وزير الداخلية كلود غيان مروراً بالأمين العام للحزب جان فرنسوا كوبيه. وقد أثمرت هذه الضغوط اجتماعاً مغلقاً أمس لسياسيي الحزب الحاكم خصص لدراسة المرحلة المتبقية على معركة الاليزيه 2012، مما أثمر تراجعاً في موقف فيون الذي كرر أن الفريق الحاكم يدعم بعضه بعضاً وأن لا موقفين داخل الإدارة. ويجمع سياسيو الحزب الحاكم اليوم على أن المقصود من سياستهم ليس تعزيز الإسلاموفوبيا بل الدفاع عن قيم العلمانية.
وبغض النظر عما ستفضي اليه جلسة النقاش التي جرت أمس بشأن العلمانية والإسلام التي احتضنها الثلاثي ساركوزي غيان كوبيه، إلا أن ما هو أكيد غياب ليس فقط ممثلي الجالية الإسلامية عنها بل أيضاً ممثلي الديانات الكبرى الأخرى. وما هو أكيد أيضاً أنه بعدما أغرق كلود غيان الديبلوماسية الفرنسية ومرغها في الوحل عندما كان الآمر الناهي فيها أيام وجوده أميناً عاماً في الاليزيه، يبدو أنه أيضاً مصمم على إحراق ورقة ساركوزي الداخلية بشكل نهائي يستحيل معه أي إصلاح ممكن للتصدع الذي أصاب شعبية الرئيس داخل المجتمع الفرنسي.
يُشار الى أن هذه الجلسة التي قسمت اليمين الوسط الفرنسي، تأتي قبل نحو أسبوع من دخول قانون حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة حيز التنفيذ في فرنسا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.