ينتظر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بفارغ الصبر انقضاء الدقائق الأخيرة من العام 2010 الذي حمل له ولإدارته الكثير من المشاكل الداخلية والخارجية على السواء. فبعد تقدم ملحوظ للدور الفرنسي في منطقتنا خلال العامين 2008 و2009 أدت انعكاسات المشاكل الداخلية في البلاد والديبلوماسية المتحجرة لأصدقاء ساركوزي في المنطقة الى إطاحة شبه تامة بالفرنسي الذي وجهت له بطاقة طرد حمراء من ملعب الشرق الأوسط وباتت عودته كلاعب أساسي منوطة بتسليم إدارة شؤونه الخارجية لأهلها.
فوضى وفضائح وهزائم انتخابية
بدأ العام 2010 بمعركة ساركوزي مع غريمه اليميني اللدود رئيس الوزراء السابق دومينيك دوفيلبان أمام القضاء في قضية كليرستريم. وفي 28 كانون الثاني (يناير)، أصدرت المحكمة الجنائية الفرنسية المكلفة بت القضية حكماً بتبرئة دوفيلبان من التهم التي وجهت اليه نظراً الى قلة توافر الأدلة التي تشير الى أنه خطط من أجل تشويه سمعة ساركوزي، وأنه خطط عبر صديقه جان لوي غيرغوران للايقاع بمنافسه السياسي. وفور صدور القرار، أعلن الرئيس الفرنسي أنه لن يستأنف الحكم في الدعوى التي أقامها ضد دو فيلبان الذي بدوره أبدى رغبته في طي الصفحة، معرباً عن سروره لأن براءته ظهرت بعد كل هذه السنوات. وقال آذتني الصورة التي حاولوا رسمها للسياسة ولالتزامي طوال 30 عاماً، لكني أريد التطلع الى المستقبل لخدمة الفرنسيين والمساهمة بروح الجماعة، في إصلاح فرنسا.
كما صدر حكم أيضاً ببراءة الصحافي الفرنسي دوني روبير الذي أوصل القضية الى الرأي العام. ودانت المحكمة كلا من نائب الرئيس السابق لمؤسسة الدفاع والطيران الأوروبية اي أي دي اس جان لوي غيرغوران وخبير المعلوماتية عماد لحود ومستشار المحاسبة فلوريان بورج. وأصدرت المحكمة حكماً بسجن غيرغوران (الذي طلب من لحود تزوير الوثائق) ثلاث سنوات وبدفع غرامة مالية قدرها 40 ألف يورو. وأمرت أيضاً بسجن لحود (مزور الوثائق) ثلاث سنوات ودفع الغرامة المالية نفسها. أما بورج الذي سلم الوثائق المصرفية الى لحود فصدر بحقه حكم بالسجن أربعة أشهر.
وفي آذار (مارس) جاءت انتخابات المناطق الفرنسية لتجسد هزيمة ساحقة لساركوزي وحزبه الاتحاد من أجل حركة شعبية أمام التكتل اليساري بقيادة الحزب الاشتراكي. ففاز تحالف اليسار بغالبية الأصوات في مجموع المناطق الفرنسية ملحقاً هزيمة متوقعة بتحالف الحزب الحاكم بـ54,3 في المئة من الأصوات مقابل 36,1. وفاز اليساريون بـ22 منطقة من أصل 26 تاركين أربعة فقط لساركوزي وحلفائه.
هذه الهزيمة أدت الى ارتفاع الأصوات المعارضة لساركوزي ونهجه في صفوف اليمين. واستغل دوفيلبان الفرصة معلناً تأسيس حزب جديد في حزيران (يونيو) اسمه الجمهورية المتضامنة لكن خطوته لم تلق ترحيباً يمينياً ما اضطره الى الاستمرار في الانضواء تحت راية الحزب الحاكم.
في المقابل كان لساركوزي حساب آخر مع أفراد طاقمه من الذين اعتبرهم مقصرين في أداء واجباتهم تجاه الشعب في مناطقهم، وكان لا بد من إحداث تعديلات وزارية في الحكومة لامتصاص تداعيات نتيجة الانتخابات على معنويات اليمين، والعمل على رأب الصدع في جدار حزبه بسبب غضب اتباع شيراك ودوفيلبان على عدم إشراكهم بصورة مناسبة في الحكومة. فلجأ الى تعديلات طفيفة في أربع حقائب وزارية بينها حقيبة دولة. وتم إقصاء وزير العمل كزافييه داركوس من منصبه وحل مكانه وزير المالية (الميزانية) اريك ورث. في حين دخل النائب المقرب من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك فرنسوا باروين الى منصب المالية الشاغر، كما تم أيضاً استبدال مارتين هيرش أكبر المنفتحين على اليسار بمارك فيليب دوبريس على رأس وزارة الشباب. وكان للنائب جورج ترون المقرب جداً من رئيس الوزراء السابق الغريم اللدود لساركوزي دومينيك دوفيلبان، حصة أيضاً في هذه التعديلات إذ تسلم حقيبة دولة تابعة لوزارة العمل.
وشهد شهر نيسان (أبريل) اندلاع أعمال فوضى في جنوب البلاد وفي الضواحي الباريسية. فعادت ظاهرة حرق الباصات العامة للظهور مجدداً في ضواحي العاصمة، على خلفية مداهمات قامت بها الشرطة ضد عصابات المخدرات.
وبدأت في منتصفه محاكمة سياسية جديدة في ثلاث تهم فساد موجهة لوزير الداخلية السابق شارل باسكوا. التهمة الأولى بالفساد لإعطائه أحد المقربين (قتل في العام 2000) الاذن باستثمار كازينو في انيماس (الألب) مقابل تمويل سياسي. وتشمل التهمة الثانية توقيع باسكوا على نقل فرع لمجموعة الستوم الصناعية ودفعه رشوة قيمتها 800 ألف يورو الى أحد المقربين. والتهمة نفسها في ملف شركة سوفريمي لتصدير العتاد العسكري التابع لوزارة الداخلية حيث تشير الاتهامات الى أن أصدقاء الوزير استفادوا أيضاً من عمولات غير قانونية.
وكانت سلطات قضائية للحق العام تولت النظر في هذه القضايا الثلاث في وقت سابق وأصدرت حكماً على المتورطين فيها وبينهم باسكوا بالسجن لمدة سنة ونصف. واستدعي في محاكمة الوزير السابق 57 شاهداً، بينهم كلود غيان أبرز مستشاري الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وفي آخر أيام نيسان (أبريل) برأت محكمة عدل الجمهورية الفرنسية باسكوا من تهمتي فساد كانتا موجهتين ضده، مكتفية بإدانته بالتهمة ثالثة، وهي سوء استخدام مبلغ من المال، وحكمت عليه بالسجن لمدة عام واحد مع وقف التنفيذ.
وما أن توقفت المشاكل القضائية قليلاً، حتى انفجرت في تموز (يوليو) فضيحة هدر أموال عامة مدوية أجبرت ساركوزي على إخراج وزيرين من الحكومة، وذلك بالتزامن مع قضية ليليان بيتانكور واتهام وزير العمل اريك ورث باستغلال منصبه لتوظيف زوجته في مكتب إدارة أموال المليارديرة الفرنسية. وفأس التقشف، التي اضطرت الإدارة الفرنسية الى استخدامها، قطعت مساء الرابع من تموز (يوليو) رأس كل من وزير الدولة لشؤون التعاون والفرنكوفونية الان جويانديه ووزير الدولة المكلف بتنمية باريس كريستيان بلان، اللذين قدما استقالتيهما بعدما أشارت وسائل الإعلام الى تورطهما في قضايا هدر أموال سببت إحراجاً جدياً للحكومة الفرنسية.
وأعلن قصر الاليزيه قبول الاستقالتين على الفور، وتم إسناد حقيبة التعاون والفرنكوفونية الى وزير الخارجية برنار كوشنير كونها تابعة أصلاً لوزارته. وتعرض جويانديه لانتقادات واسعة من الإعلام الفرنسي، بعدما تبين أنه استأجر طائرة خاصة بكلفة 116500 يورو للتوجه في مهمة عمل الى جزيرة المارتينيك في وقت سابق من هذا العام، ثم دارت شبهات تفيد بأنه استخدم رخصة بناء غير قانونية من أجل توسيع بيت يملكه في سان تروبي جنوب فرنسا. أما بلان الذي تخلى عن حقيبة تطوير منطقة العاصمة فأحرقته الانتقادات التي تصاعد دخانها مثل دخان السيغار الكوبي الذي اشترى كمية منه بقيمة 12 ألف يورو.
وجاءت هاتان الاستقالتان في سلسلة من الأخذ والرد حول هدر الأموال العامة والإنفاق غير الموزون والتورط في قضايا سياسية وقضائية لعدد من الوزراء في حكومة فرنسوا فيون.
وتجدر الإشارة الى أن القضية الأكثر اشتعالاً في الصيف الفرنسي كانت دون شك قضية وزير العمل حينها ووزير المالية السابق اريك ورث المتهم بالتورط في مسألة دمج المصلحة الشخصية في الشأن العام. وفي تفاصيل هذه القضية أنه خلال تسلمه وزارة المالية (بين عامي 2007 و2010) كانت زوجته تشرف على قسم من الثروة الخاصة لليليلان بيتانكور، وريثة مستحضرات التجميل الشهيرة لوريال، وهناك شبهات في أن بيتانكور تهربت خلال تلك الفترة من دفع الضرائب المتوجبة على أموالها. وإضافة الى ورث، واجه وزراء آخرون اتهامات تتناول تبذيرهم وإسرافهم في نفقات الزيارت التي يقومون بها داخل البلاد وخارجها وإقامتهم في فنادق فخمة جداً، عدا عن السماح لأقاربهم بالتمتع والاستفادة من المناصب التي يديرونها.
وبالطبع فإن مصائب قوم عند قوم فوائد، ولهذا استغلت زعيمة الحزب الاشتراكي مارتين اوبري هذه المسائل لتمعن في انتقاداتها لسياسة الحزب الحاكم ورئيس البلاد، فقالت في تصريح لها الجمهورية الفرنسية منهكة بسبب ثلاثة أعوام من الساركوزية ونددت بما أطلقت عليه التداخل المزعج بين المصالح المالية والسلطة السياسية.
وأشار استطلاع للرأي أجراه معهد فيافويس في الأسبوع الأول من تموز (يوليو) الى أن 64 في المئة من الفرنسيين يعتبرون أن معظم قادتهم السياسيين فاسدون.
ردة فعل ساركوزي على الاتهامات الموجهة الى ورث لم تصل كمرحلة أولى إلا الى تنحيته عن منصب أمين خزنة الحزب الحاكم، لأن الرئيس الفرنسي كان غير قادر على التخلي عن وزيره واضع مشروع إصلاح نظام التقاعد عبر تأخير سن التقاعد من 60 الى 62 وسن الحصول على المعاش التقاعدي كاملاً من 65 الى 67 عاماً. هذا القانون كان وراء خريف من الفوضى والتظاهرات اجتاحت فرنسا على مدى أكثر من شهرين.
وفي الثلاثين من تموز (يوليو) أعلن ساركوزي خطة داخلية جديدة أثارت حفيظة معارضيه ووضعت فرنسا أمام الاتهام بـالعنصرية. وأكد ساركوزي في خطاب في غرينوبل أنه لا يجب التردد في إعادة تقييم الأسباب التي تدفع الى التجريد من الجنسية الفرنسية. يجب أن نتمكن من نزع الجنسية الفرنسية من كل شخص من أصول أجنبية يقوم بالاعتداء عمداً على شرطي أو تعريض حياة أي شخص يحمل صفة الخدمة الرسمية العامة للخطر. كما شدد ساركوزي على وجوب حرمان أي مراهق دون سن الـ18 من أبوين من أصول غير فرنسية عندما يثبت جنوحه من حق الحصول على الجنسية الفرنسية. وتوعد الرئيس الفرنسي بعقوبات قضائية وأحكام بالسجن أكثر صرامة بحق كل من يعتدي على رجال الأمن الفرنسيين: في حال قتل رجل الأمن يجب أن تصل عقوبة السجن الى حد الـ30 عاماً. كما أكد ضرورة إعادة تقييم وضع المقيمين على الأراضي الفرنسية بشكل غير شرعي دون أوراق رسمية.
هذا التدبير كان بداية الشرارة التي سرعان ما تحولت الى حرائق طالت نيرانها سمعة الدولة الفرنسية بعد قيام الحكومة بطرد الغجر من البلاد وتفكيك مخيماتهم في شتى المناطق الفرنسية. وشهد شهر آب (أغسطس) انتقادات حقوقية دولية لاذعة لسياسة الإدارة الفرنسية تجاه الأقليات وحقوقهم والخطط الجديدة التي يضعها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ووزير داخليته بريس هورتفو من أجل التصدي للمجرمين واللصوص وتجار المخدرات الذين هم في معظمهم من أصول مغاربية وافريقية. ووضع خبراء يشكلون لجنة القضاء على التميييز العنصري، التابعة للأمم المتحدة، الجمهورية الفرنسية في قفص الاتهام، وانتقدوا إدارتها بشكل كبير بلغ حد القول بأن فرنسا لا تملك إرادة سياسية لمواجهة ما تشهده من تصاعد في الأعمال العنصرية. وجاءت تلك الانتقادات رداً على خطط إدارة ساركوزي لإخلاء المخيمات العشوائية للغجر الرحل ذوي الأصول الرومانية والبلغارية بسبب ازدياد معدل المجرمين والعصابات فيها، وبنزع الجنسية الفرنسية من كل مجرم من أصول غير فرنسية يقوم بالاعتداء على رجال الأمن. وانهالت التصريحات اللاذعة من فريق اللجنة ولا سيما من الأعضاء الذين يمثلون الدول المعنية بالتدابير الفرنسية الجديدة، وعلى رأسها الجزائر، ومن أبرز الدول الأخرى التي وجهت سيلاً من الانتقادات: التوغو ونيجيريا والنيجر وتركيا وبوركينا فاسو.
واحتواء لموجة الغضب العارمة في أروقة الكنيسة الفرنسية التي سببتها سياسة طرد الغجر ورداً على تهديد أحد رجال الدين في شمال البلاد بإعادة وسام شرف كان حصل عليه من السلطات الفرنسية في وقت سابق احتجاجاً منه على التمييز المتبع، التقى وزير الداخلية بريس هورتفو رئيس مجمع الكنائس الفرنسية وتحاور معه بشأن قضية الروم (الغجر). وتجدر الإشارة الى أن البابا بنديكتوس السادس عشر أوصى في عظة آخر يوم أحد في آب (أغسطس) بوقف سياسة التمييز ضد الغجر.
وإذا كان الصيف لاهباً على الإدارة الفرنسية، فإن الخريف جاء شديد العواصف، خصوصاً وأن أبرز المواضيع الداخلية على جدول أعمال إدارة ساركوزي في تلك الفترة كان إصلاح قانون التقاعد.
ومع بداية شهر أيلول (سبتمبر) بدأ أكثر من مليون فرنسي النزول الى الشوارع احتجاجاً على إصلاح نظام التقاعد، وسرعان ما اختلط هؤلاء بآلاف آخرين محتجين على قانون حظر النقاب في الأماكن العامة بعدما أقره بشكل نهائي البرلمان بمجلسيه الشيوخ والنواب في الرابع عشر من أيلول (سبتمبر) وسط انتقادات حادة لا سيما من الأميركيين.
وتبنى مجلس النواب الفرنسي (الجمعية الوطنية) في نهاية أيلول (سبتمبر) بأغلبية ضئيلة اقتراح نزع الجنسية من المجرمين من أصول غير فرنسية الذين يدانون خلال فترة السنوات العشر الأولى التي تلي حصولهم على الجنسية، بقتل رجال الأمن والخدمات العامة في البلاد وتعريضهم للخطر. وصوّت 75 نائباً لمصلحة القانون الجديد (اقترحه الرئيس نيكولا ساركوزي في 30 تموز) مقابل 57 صوتوا ضده.
وبلغت الاضرابات والتظاهرات احتجاجاً على تعديل نظام التقاعد أوجها في شهر تشرين الأول (أكتوبر) فتضاعف عدد المحتجين ففاق المليونين. وما كاد الشهر ينتصف حتى بدأت أزمة وقود تلوح في البلاد إذ شح انتاج الوقود إلى درجة غير مسبوقة، نظراً لأن الاضرابات شملت عشر مصاف من أصل 12 تعمل في البلاد. وفي التاسع عشر من الشهر نفسه، حمي وطيس المعركة بين النقابات العمالية والحكومة الفرنسية بشأن إصلاح نظام التقاعد الذي أصرت الأخيرة على إنجازه، فنزل أكثر من مليون فرنسي (بحسب وزارة الداخلية) وما يقارب الثلاثة ملايين (بحسب النقابات) الى الشوارع في شتى أنحاء البلاد، مطالبين ساركوزي وإدارته بسحب قانونهما التقاعدي الجديد قيد التشريع.
وأغلقت نحو 400 مدرسة أبوابها وتعرضت وسائل النقل العام من قطارات ومطارات، الى شلل بعضه كلي وبعضه الآخر جزئي. واستمرت سيطرة المناهضين على سياسة الحكومة على مستوعبات ومخازن المحروقات والعديد من المواقع الصناعية في جميع المناطق، وتجاوز عدد محطات المحروقات التي أصيبت بشح في مخزونها بشكل كامل أو بما يتعلق بنوع معين من الوقود الـ4000. وتسببت مسيرات الطلاب والشبان، بأعمال شغب واسعة، فأضرمت النيران في أماكن مرورهم، وأحرقت الإطارات وتحطمت معظم ملامح الطرقات التي مروا بها، ما أجبر شرطة مكافحة الشغب على التصدي لهم وأفضى الى اشتباكات عنيفة في بعض الأحيان كانت نتيجتها عدد من الإصابات في صفوف المتظاهرين وتوقيف المئات منهم.
وتحول معهد فال دوين في مانس الى رماد بعدما التهمته النيران بشكل كامل. واشتبهت الشرطة أن الحادث ليس حادثاً عرضياً بل من فعل فاعل، إلا أنها لم تجد دليلاً يورط المناهضين للحكومة بالحادث على الرغم من عثورها على آثار تؤكد أن اشخاصاً افتعلوا الحادث.
ورداً على التظاهرات العنيفة، خطت الإدارة الفرنسية في الساعات الأربع والعشرين اللاحقة، خطوات ميدانية مهمة في المواجهة مع المناهضين لمشروعها الذين تمردوا في شتى أنحاء البلاد وسيطروا على مواقع صناعية وحاصروا مستودعات النفط في مناطق عدة، فأعلن الرئيس نيكولا ساركوزي أنه طلب من قوات الأمن فك الحصار الذي فرضه المعارضون على خزانات الوقود، وذلك بهدف العودة بالبلاد الى الوضع الطبيعي بأسرع وقت، مع تأكيده في المقابل مضيه في مشروع إصلاح نظام التقاعد رغم موجة الاحتجاجات القوية. وقامت قوات الأمن في مدينة ليون بعملية واسعة النطاق شاركت فيها الطوافات من أجل التصدي لأعمال العنف والشغب.
ثم برزت بعد ذلك بأيام معضلة جديدة أبطالها عمال الكهرباء والنفايات ولا سيما في جنوب البلاد، حيث غرقت مرسيليا لأسابيع في بحر من النفايات اجتاح شوارعها وأزقتها بسبب إضراب عمال النفايات عن جمعها، الأمر الذي أدى الى نزوح العديد من سكان المدينة الى مناطق أخرى خوفاً من عوارض صحية.
ورغم مرور مشروع القانون في البرلمان، أعلنت النقابات عزمها على مواصلة الاحتجاج. وقدرت وزارة الاقتصاد الخسائر اليومية التي تتكبدها البلاد من جراء هذا التحرك الشعبي والاضرابات بمئات ملايين اليورو (بين 200 و400 مليون يورو يومياً).
ومع تفهم الفرنسيين للخسائر الفادحة بسبب تحركاتهم التي يعلمون جيداً أنها لن تجدي نفعاً مع عناد ساركوزي، خبت حدة التظاهرات من الملايين الى الآلاف خلال بداية تشرين الثاني (نوفمبر) وسرعان ما خمدت تماماً قرابة منتصف الشهر.
هذا الغضب الشعبي العارم أجبر ساركوزي مجدداً على مراجعة أوراقه فأقدم في الرابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) على تعديلات حكومية جديدة أملاً في تشكيل طاقم جيد يمكن أن يسير بالإدارة الى تحقيق نجاح في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2012.
فحلت ميشيل اليو ماري وزيرة للخارجية الفرنسية خلفاً لبرنارد كوشنير في تعديل وزاري هو الثالث لحكومة فرنسوا فيون، طال الى جانب الخارجية كلا من البيئة والرياضة والعمل والدفاع، مقلصاً بالتالي الانفتاح نحو اليسار وعدد الوزارات بعد دمج التربية مع الشباب والرياضة والهجرة مع الداخلية، والصحة مع العمل والطاقة مع الاقتصاد.
وكشف قصر الاليزيه عن التشكيلة الجديدة. وأعلن المستشار الأول للرئاسة الفرنسية كلود غيان طاقم الحكومة القديمة المجددة.
ولم تشهد الوزارات الكبرى سوى وجهاً واحداً جديداً على حكومات فيون هو رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق آلان جوبيه الذي حل وزيراً للدفاع مكان ارفيه مورين.
وفيما كان الجميع بانتظار رد وزير البيئة في الحكومة السابقة جان لوي بورلو الذي عرض عليه منصب وزارة العدل بدلاً من اليو ـ ماري، أعلن بورلو الذي كان ينافس فيون على منصب رئاسة الحكومة أفضّل البقاء خارج الحكومة. فما كان من فيون إلا أن استبدله بمسؤول وسطي آخر هو ميشال مرسييه الذي دخل الحكومة وزيراً للعدل في الدقائق الأخيرة. ورفض جان فرنسوا كوبيه حقيبة وزارة الداخلية فتسلم الأمانة العامة لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الحاكم بدلاً من كزافييه برتران الذي عيّن مكان اريك ورث في وزارة العمل، في حين بقي بريس هورتفو وزيراً للداخلية والهجرة وانتقل اريك بوسون الى وزارة الصناعة. وفضلت كريستين لاغارد البقاء في وزارة الاقتصاد، كما بقيت فاليري بيكريس في التعليم العالي.
وبالتالي أضحى الوزراء الخارجون نهائياً من الحكومة هم البيئة جان لوي بورلو، الخارجية برنار كوشنير، الدفاع ارفيه مورين، الرياضة راما ياد، العمل اريك ورث، الصناعة كريستيان استروزي. أما الداخلون اليها فهم الدفاع الان جوبيه، العمل والصحة كزافييه برتران، التجارة فريدريك لوفيفر. في حين نقل الوزراء الباقون من حقائب الى أخرى واقتصر الثابتون في أماكنهم على لاغارد في الاقتصاد وهورتفو في الداخلية وشاتيل في التربية الوطنية وفريدريك ميتران في الثقافة وبرونو لومير في الزراعة. وفي داخل وزارة الخارجية أصبح لوران وكييه وزير دولة للشؤون الأوروبية بدلاً من بيار لولوش الذي نقل الى حقيبة دولة تابعة لوزارة الاقتصاد.
وواصل ساركوزي لعبته مع عدوه اللدود في اليمين رئيس الوزراء السابق دومينيك دوفيلبان فأعطى الناطقة السابقة بإسمه (دوفيلبان) ماري ـ ان مونشان حقيبة تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية.
ولاقت الحكومة الجديدة انتقادات واسعة في الشارع الفرنسي بعد إعلانها، إذ لم ير فيها عدد منهم شيئاً ايجابياً سوى بقاء فيون رئيساً للوزراء.
واعتبر المعارضون السياسيون لساركوزي هذه التعديلات سخرية من الفرنسيين لأن التعديلات مجرد تغيير في المراكز ليس ألا. وأن هذه الحكومة الهدف منها فقط هو التحضير للحملة الانتخابية الرئاسية لساركوزي في 2012.
وتجدر الإشارة الى أن شعبية فيون الكبيرة لدى الفرنسيين وتحديداً اليمين أجبرت ساركوزي على إبقائه في رئاسة الحكومة، لأن إبداله كان سيوجه حتماً ضربة قاصمة للحزب الحاكم في الانتخابات.
وما كادت عواصف التقاعد تهدأ، حتى أطلت برأسها قضية كراتشي 2002 وصفقة أغوستا في التسعينات من القرن الماضي مع باكستان لتقض مضجع ساركوزي الذي يحاول جاهداً رفع المستوى المتدني لشعبيته الى مستويات غير مسبوقة لم يبلغها أي رئيس فرنسي آخر في السنوات الأخيرة.
وتفاصيل ملف كراتشي 2002 تعود الى منتصف التسعينات من القرن المنصرم عندما أبرمت الإدارة الفرنسية، التي كان ساركوزي فيها وزيراً للميزانية (1993 - 1995) في حكومة ادوار بالادور، صفقة سرية العام 1994 باعت خلالها ثلاث غواصات من طراز اغوستا 90 بي الى باكستان. وظهرت تفاصيل الصفقة، بما فيها العقود الموقعة مع باكستان والمدفوعات التي ذهبت للوسطاء (السماسرة)، للمرة الأولى تحت الأضواء اثر الهجوم الانتحاري الذي استهدف حافلة في كراتشي الباكستانية العام 2002 وراح ضحيته 11 فرنسياً كانوا يعملون في مشروع الغواصات.
حينها نسبت السلطات الباكستانية الهجوم الى الإسلاميين الأصوليين، لكن تحقيقاً فتح في الحادث لمعرفة ما إذا كان هناك أي صلة للاتفاقات المالية حول بيع فرنسا غواصات اغوستا الى باكستان بذلك الاعتداء. وثمة زعم بأن المبالغ المدفوعة لإتمام الصفقة أرسلت مرة أخرى الى فرنسا، وقد طالب أهالي الضحايا الذي سقطوا في الاعتداء ومحاموهم باستجواب الرئيسين الفرنسيين الحالي نيكولا ساركوزي والسابق جاك شيراك حول هذه القضية.
وتناقلت وسائل إعلام فرنسية في الآونة الأخيرة معلومات أفادت بأن المحققين يدققون في وثائق لها علاقة بمدفوعات صفقة الغواصات أرسلت الى ساركوزي في العام 2006 عندما كان وزيراً للداخلية. وكان ساركوزي نفى بشكل غاضب أمام الصحافيين في لشبونة على هامش قمة الناتو أي علاقة له كوزير للميزانية في العام 1995 بهذه الصفقة، وأصدر مستشاره الأول كلود غيان بياناً رسمياً من قصر الاليزيه نفى فيه أي صلة للرئيس الفرنسي بملف كراتشي 2002.
ودافع وزير الدفاع الان جوبيه، الذي كان رئيساً للحكومة الأولى لشيراك المنتصر على بالادور في الانتخابات الرئاسية العام 1995، عن ساركوزي قائلاً في حديث اذاعي مع ار تي ال الرئيس شيراك قال لي وقتها إنه طلب وقف دفع العمولة للوسطاء في صفقة الغواصات. وأشار الى أن دفع عمولات لوسطاء أجانب في مثل هذه الصفقات كان مشروعاً في تلك الفترة.
واستمعت لجنة التحقيق في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الى أقوال رئيس الوزراء السابق وعدو ساركوزي السياسي اللدود دومينيك دوفيلبان الذي طلب من المحققين الاستماع الى ما لديه من معلومات بشأن القضية.
وما يشير الى علاقة ساركوزي بهذا الملف هو أنه كان الناطق بإسم بالادور الذي ترشح للرئاسة الفرنسية وخسر ضد شيراك في العام 1995.
ونقل صحافيون من لشبونة عن ساركوزي أن لا علم له بالصفقة، وقال الرئيس الفرنسي في حديث كان يُفترض أنه ليس للنشر أنا لم أكن يوماً وزيراً للدفاع. لا علم لي إطلاقاً بصفقات غواصات كان يفاوض عليها رئيس اسمه السيد ميتران ورئيس وزراء اسمه السيد بالادور ووزير دفاع اسمه السيد ليوتار. كوني وزير ميزانية لا شأن لي من قريب ولا من بعيد بصفقات الأسلحة وأنا لم أعط أي موافقة لدفع عمولة لوسطاء في صفقة الغواصات.
وكان غيان أكد من الاليزيه في اليوم نفسه أن لا علاقة لرئيسه بهذه الصفقة إطلاقاً. ولكن موقع ميديابارت الالكتروني نشر مجموعة من الوثائق تثبت بأن ساركوزي كان على علم بالصفقة وتقوم لجنة التحقيق بالإطلاع على هذه الأوراق.
وأبرز الوثائق التي نشرها الموقع رسالة موجهة من وزير الدفاع فرنسوا ليوتار أواخر العام 1994 الى وزير الميزانية نيكولا ساركوزي تحت عنوان سري خاص بالدفاع تطلب اليه المصادقة على ضمان توقيع الدولة الفرنسية على صفقة بيع الغواصات. ويشير المحللون الى أن ساركوزي لا بد وأن يكون وقع هذه الموافقة والدليل أن الصفقة تمت.
ولم ينته العام قبل أن تصب الطبيعة هي أيضاً جام غضبها على رؤوس ساركوزي وفريقه، فأدت العاصفة الثلجية التي ضربت البلاد في النصف الأول من كانون الأول (ديسمبر) الى فوضى عارمة على الطرقات وحركة النقل في شتى الأقطار الفرنسية، وما كان من الحكومة إلا أن ألقت اللوم على مصلحة الأرصاد الجوية التي لم تحسن تقدير الحجم المهول للعاصفة.
وفيما تنحدر شعبية الرئيس الفرنسي، تزداد في المقابل شعبية رئيس الوزراء فرنسوا فيون لدى الشعب الفرنسي ولدى اليمين السياسي في فرنسا. وآخر مديح تلقاه فيون كان من الرئيس السابق فاليري جيسكار ديستان الذي وصفه بـالرجل النادر الذي يجدر أن يصبح رئيساً. وفي حين يتخبط ساركوزي في هذه المشاكل، تحدث تشققات في جدار حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية فبعد إعلان دوفيلبان عن حزب جديد، قام رئيس الوزراء السابق جان بيار رافاران بجمع الأعضاء المؤيدين له في مجلس الشيوخ وعددهم 30 وأعلن تأسيس حركة جديدة داخل الحزب الحاكم اسمها الجمهورية والأراضي.
ويشير المراقبون اليمينيون في فرنسا الى أنه في حال استمرار شعبية ساركوزي بالهبوط فإنه قد يتعرض لضغوط من أحزاب اليمين والوسط كي يسمح لفيون بالترشح بدلاً منه في الانتخابات الرئاسية المقبلة العام 2012 وبخاصة إذا اعتمد اليساريون مرشحاً قوياً كرئيس صندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس كان.
فشل ذريع في السياسة الخارجية
زلت قدم فرنسا في 2010 في مستنقع الإرهاب بعد قيام القوات الفرنسية بغارة مشتركة مع الجيش الموريتاني أملاً في تحرير رهينة فرنسي (ميشال جيرمانو) كان وقع في قبضة القاعدة في المغرب الإسلامي عند الحدود بين مالي وموريتانيا. وفشلت العملية العسكرية في تحقيق هدفها (لأن المكان المهاجم لم يكن الموقع الحقيقي الذي يوجد فيه الأسير) مخلفة عدداً من القتلى في صفوف التنظيم الإرهابي الناشط في حزام الساحل الإفريقي. ما أدى الى فتح أبواب جهنم، بحسب القاعدة على ساركوزي وشعبه. وخص أسامة بن لادن فرنسا هذا العام برسالة تهديد واضحة تطلب تغييرات في السياسة الفرنسية تشمل الانسحاب من أفغانستان وإلغاء قانون حظر النقاب في فرنسا. وقد تركت هذه التهديدات، التي امتزجت بتحذيرات إخبارية أميركية وسعودية وجزائرية من هجوم إرهابي وشيك قد يفتك بباريس في أي لحظة، آثاراً سلبية جداً على الحركة السياحية في النصف الثاني من العام في البلاد واضطرت شرطة العاصمة للتعامل أكثر من مرة مع بلاغات كاذبة بوجود قنابل ومتقجرات في أبرز الأماكن السياحية كبرج ايفل الذي أخلي من الزوار أكثر من مرة.
وفقدت الديبلوماسية الفرنسية هذا العام رونقها الذي حصلت عليه في السنتين السابقتين. وتقلص دور فرنسا في الشرق الأوسط بعد جفاء إسرائيلي استمر من الربيع حتى آخر العام، وبعد تموضع سوريا مجدداً في موقع عاد يثير الريبة حول رغبتها المتجددة للتحكم بالشارع السياسي اللبناني. فأضحى الصوت الفرنسي في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية غير مسموع إطلاقاً، وزالت الألوان البراقة عن انفتاح باريس على دمشق الذي أبهر اللبنانيين خصوصاً وأصدقاءهم حول العالم السنة الماضية بإنجاز التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا. وذلك بعدما عادت الأخيرة الى اتخاذ مواقف تتعارض والأكثرية الدستورية في لبنان، وعزف حلفاؤها في البلد الجار طيلة النصف الثاني من السنة على وتيرة النيل من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتشكيك بصدقيتها واستقلال أعمالها.
الفلسطينيون الذين زاروا باريس لمرات عدة خلال الأعوام الأخيرة، أيقنوا بعد تغييب فرنسا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي عن إطلاق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن في الثاني من أيلول (سبتمبر)، أنه مهما بلغ التعاطف الفرنسي والأوروبي مع قضيتهم والتأييد لها فإن تل أبيب لا تأبه لقصر الاليزيه ولا تخيط في مسلته. ورغم العتاب الرسمي الفرنسي مرة على الأميركيين ومرة على الممثلة العليا لخارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون لغياب الأوروبيين بشكل تام عن المفاوضات إلا أن نداءاتهم لم تحدث أي تغيير في واقع أنهم استبعدوا من الملعب الشرق الأوسطي وما عليهم إلا الإنتظار وتحين أي فرصة مقبلة قد تسمح لهم بالعودة مجدداً. وخير دليل على انحسار الدور الفرنسي التام خلال هذا العام كان دعوات ساركوزي لعقد قمة من أجل السلام في باريس في تشرين الأول (اكتوبر) لم يلبها أحد. كما وصل الحد باللاعبين الأساسيين في المنطقة الى الإطاحة أيضاً بقمة الاتحاد من أجل المتوسط التي كان ساركوزي يعد لها العدة كي تحصل في تشرين الثاني (نوفمبر) لكنها أجلت الى موعد غير محدد.
وبالاتجاه شمالاً في المنطقة، حامت الشكوك لدى فريق من اللبنانيين حول النوايا الفرنسية وذلك بسبب الموقف المنحاز الذي وقفته سوريا هذا العام الى جانب المعارضة اللبنانية التي لم يتفوه زعماؤها سوى بانتقادات لاذعة للمحكمة الدولية والمطالبة بإلغائها ووصل الحد بالبعض منهم بالتهجم على صلاحيات رئاسة الوزراء والدستور واتفاق الطائف. وفي حين بدا المقربون من سوريا في لبنان في حالة من الهجمات المستمرة وإضرام النيران الإعلامية بشكل مكثف على رئيس الوزراء سعد الحريري، لم تقم فرنسا أي خطوة جدية ظاهراً للطلب من صديقتها الشقيقة للبنان أن ترفع غطاءها عن أصوات التهديد والوعيد داخل لبنان. على العكس من ذلك، التزمت باريس الصمت حيال 33 مذكرة توقيف بحق شخصيات لبنانية وعربية وأجنبية مرموقة متخذة موقف الحياد زاعمة أنها على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وبدأ ديبلوماسيوها وسفراؤها في المنطقة يوحون بأنهم يعملون من وراء انفتاحهم على نزع فتيل التوتر وتجنيب لبنان أي حرب أهلية قد تندلع من جديد على خلفية القرار الاتهامي الذي سيصدر من لاهاي. هذه الأجواء الضبابية للسياسة الفرنسية في لبنان أفقدت باريس توازنها الذي لم يحفظه من نقطة اللا عودة سوى خط المجتمع الدولي الأحمر الذي هو المحكمة الدولية، والذي يدرك ساركوزي ومن ورائه مستشاره الأول كلود غيان عجزهما التام عن اتخاذ أي موقف قد يشكك في أعمال المحكمة أو يقلل من قيمتها.
المواقف الفرنسية هذه انعكست سلباً أيضاً على العلاقات مع دول الخليج العربي، فألغى الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز زيارة كانت مقررة الى باريس. وأخفق الفرنسيون في اتمام صفقات ضخمة كانت قيد الإعداد مع كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كما أدى تصلب الفرنسيين ورفضهم المستمر لملف انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي الى فتور أكبر في العلاقة مع الاتراك.
وبدخول فرنسا في معمعة العقوبات الدولية على إيران، لم يبق لها أصدقاء كثر يسمعون لها وتسمع لهم في الشرق الأوسط سوى سوريا وقطر. فحتى مصر التي تميزت علاقتها بفرنسا في 2008 و2009 عبر الرئاسة المشتركة لـالاتحاد من أجل المتوسط وإنهاء حرب غزة ومساعي السلام، لم تبد اهتماماً كالسابق للاستمرار على نفس الوتيرة مع الفرنسيين هذه السنة.
وكان ديبلوماسي فرنسي سابق كتب مقالاً في صحيفة لوباريزيان من دون ذكر اسمه، انتقد خلاله بشدة ضعف وزير الخارجية السابق برنار كوشنير وحذر من أن استمرار ساركوزي بالاستماع لهمسات مستشاره الأول كلود غيان سيوصل السياسة الخارجية للبلاد الى القطب الشمالي أي الى درجة التجمد.
وينظر المراقبون الى مديرة الكي دورسي الجديدة ميشيل اليو ماري الشيراكية العريقة، بعيون ملؤها الأمل في أن تعيد للخارجية الفرنسية قيمتها ووزنها وأن تكون قادرة على رفع يد غيان عن العلاقات الخارجية. وحتى الآن يبدو أن المجابهة بين الطرفين في كر وفر، فلدى زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الأخيرة الى باريس خلال الأسبوع الثاني من شهر كانون الأول (ديسمبر) لم يتم أي لقاء بينه وبين الوزيرة. وهذا ما يثير دهشة بعض المراقبين الديبلوماسيين في سفارات عدة في باريس أن يلتقي الأسد في مكان إقامته في العاصمة الفرنسية موفد السلام مع إسرائيل جان كلود كوسران وأمين عام الاليزيه غيان من دون أن يجتمع بأليو ماري التي من المفترض أن تكون رئيسة الديبلوماسية الفرنسية منذ تسلمها مهامها خلفاً لكوشنير منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت.
كل علامات الاستفهام هذه تطرح، ولم يبق الكثير للدخول في العام الجديد 2011 الذي يتوقع أن تتضح معه صورة السياسة الفرنسية في المنطقة وإذا ما كانت باريس ستكمل بديبلوماسية غير مفهومة تعمل بوجهين مختلفين أو أنها ستتحد حول خط ديبلوماسي واحد واضح الملامح.
ولعل إحدى المحطات الخارجية الإيجابية النادرة للفرنسيين هذا العام كان انفتاحهم على القوتين الآسيويتين الهند والصين، حيث نجحوا بعد زيارتين لساركوزي أواخر العام الى كل من بكين ونيودلهي في إبرام صفقات اقتصادية واستثمارات تقدر بمليارات الدولارات. ولكن في المقابل كان عليهم خفض صوتهم الذي كان يلعلع في العامين السابقين مندداً بقمع النظام الصيني لحقوق الإنسان وحرية التعبير ولا سيما في اقليم التيبت.
الرئيس الفرنسي في سباق مع الزمن لتحسين صورته التي اهتزت بشكل غير مسبوق العام 2010 بعدما انحدرت شعبيته داخل البلاد الى ما دون الـ30 في المئة. وهو يدرك جيداً أن حصوله على ولاية ثانية في الاليزيه يعتمد بشكل كبير على سياسته الخارجية التي تنعكس بقوة على شعبيته في الداخل. فالهالة التي أحاطه بها اللوبيان الإسرائيلي والأميركي خلال حملته الرئاسية عام 2007 والتي أوصلته الى سدة الرئاسة بدأت تتلاشى. فتل أبيب انزعجت جداً لسخرية الرئيس الفرنسي من قادتها على خلفية رفض تجديد تجميد الاستيطان، ولم تطأ قدم أي مسؤول إسرائيلي باريس منذ زيارة شمعون بيريس في الربيع. كما أن واشنطن بدورها بدأت تتذمر لبعض التحركات غير المفهومة لساركوزي وإدارته. إذ رغم أنه أدى المنتظر منه في الخطوط العريضة كإعادة فرنسا الى أحضان حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلا أن شخصيته وتحركاته العشوائية في بعض الملفات لا تلقى استحساناً لدى الأميركيين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.