مع انقضاء اسبوع آخر من الأزمات والتحديات في فرنسا على خلفية قانون التقاعد الجديد الذي تبناه مجلس الشيوخ الجمعة الماضي، يبدو أن الوضع الداخلي الذي املت الحكومة في ان يتحسن، لا يزال على ما هو عليه.
اضرابات مستمرة، ازمة وقود، نفايات في الشوارع، اعداد لمسيرات حاشدة تشهدها البلاد الخميس المقبل، اصرار من النقابات العمالية على مواصلة الاحتجاج على الرغم من ان نص القانون قد مر في مجلسي النواب والشيوخ. وقدرت وزارة الاقتصاد الخسائر اليومية التي تتكبدها البلاد من جراء هذا التحرك الشعبي بمئات ملايين اليورو.
ففي مرسيليا، يختتم اليوم عمال النفايات اسبوعهم الثاني من الاضراب، ولا تزال المدينة المتوسطية غارقةفي أكثر من عشرة آلاف طن من النفايات على الرغم من محاولات عمال الخدمة المدنية والبلدية ازالة ما يمكن ازالته من القاذورات.
وبدأ الخوف من انتشار وباء صحي يأخذ منحىً أكثر جدية، حيث سدت اكياس القمامة ابواب عدد من المحال التجارية التي اضطر بعض اصحابها للاقفال ومغادرة المدينة، والبعض الآخر قام بمهة ابعاد النفايات عن بابه الى امام باب جاره المغلق.
ويتحاشى سكان المدينة منذ اسبوع الخروج من منازلهم الا لإضافة كيس قمامة او لشراء بعص المستلزمات الحياتية الضرورية من طعام وشراب.
وفي حين يبقى ربع اجمالي محطات المحروقات في البلاد معطلاً، تبدو ازمة الوقود مستمرة على ما كانت عليه.
واوردت لو جورنال دو ديمانش أمس أن رئيس الوزراء فرنسوا فيون ساخط جداً من وزير الطاقة جان لوي بورلو، ونقلت عنه قوله بورلو هو زوزو. لقد سخر مني واقنعني بأنه لا يوجد ازمة وقود في البلاد.
وكان فيون بناء على المعطيات التي قدمها اليه بورلو اعلن قبل ايام ان فرنسا ليست ولن تكون في ازمة وقود، وان الوضع سيعود الى طبيعته خلال ثلاثة او اربعة ايام.
وفي المقابل، فان الحال ليست كذلك ميدانيا، فالأزمة مستمرة ولا يوجد بوادر حلول لها في الافق القريب، وهذا ما وضع فيون في موقف لا يحسد عليه امام الشعب الفرنسي.
ويشار الى ان اسم بورلو مطروح بقوة كي يحل مكان فيون في رئاسة الوزراء خلال التعديلات الحكومية الجديدة التي سيقوم بها الرئيس نيكولا ساركوزي في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ولهذا يظهر واضحا ان المنافس يتحين الفرص للإيقاع برئيس الوزراء الحالي.
وفي استطلاع للرأي اجراه معهد اوبينيون واي نهاية الاسبوع لمصلحة صحيفة لوفيغارو، تبين أن 56 في المئة من الفرنسيين يؤيدون انهاء الاضرابات والتظاهرات والعودة بالبلاد الى الوضع الطبيعي.
أما استطلاع الرأي الشهري حول شعبية الرئيسين ساركوزي وفيون، فأشار الى تدن قياسي في شعبية الرئيس الفرنسي حيث انخفضت نسبة مؤيديه الى 29 في المئة فقط، وهي المرة الاولى التي تنخفض فيها هذه النسبة تحت حاجز الـ30 في المئة منذ تسلمه الحكم في ربيع العام 2007. اما فيون فخسر هو الآخر نقطتين مئويتين لتستقر شعبيته عند 47 في المئة.
ويقضي القانون الجديد المثير للجدل، بتأخير سن التقاعد من 60 الى 62 عاما (بحلول العام 2018) وتأخير سن الحصول على المعاش التقاعدي كاملا من 65 الى 67 عاماً.
وبعد تصويت مجلس الشيوخ لمصلحة هذا القانون الجمعة الماضي، وكذلك الجمعية الوطنية (مجلس النواب) التي سبقته الى ذلك منتصف ايلول (سبتمبر)، اصبح البرلمان الفرنسي مبدئيا متبنيا لنص التشريع الذي وضعه وزير العمل اريك ورث مدعوماً من ساركوزي وحزب الاتحاد من اجل حركة شعبية الحاكم.
وتبقى الاجراءات الشكلية التي ستتم اليوم بتأليف لجنة برلمانية مشتركة من سبعة نواب وسبعة شيوخ يضعون صياغة مشتركة لنص القانون الجديد، ثم يعرضانه على المجلسين (الشيوخ والنواب) مجدداً واللذين يصادقان على النص المعتمد الاسبوع المقبل (يومي الثلاثاء - الاربعاء او الخميس كحد اقصى)، فيتم إعلان تبني البرلمان رسمياً وبشكل نهائي القانون الجديد.
واعلنت النقابات العمالية والتيارات المعارضة عن موجة جديدة من التحركات والاضرابات، وحددت الثامن والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) الجاري (الخميس) والسادس من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، موعدين لتحركات غير مسبوقة.
وقد اختار المنظمون الموعدين بعناية، لأن الأول سيتزامن مع مصادقة البرلمان رسمياً بشكل نهائي على نص القانون، في حين يتوقع أن يتزامن الثاني مع اليوم الذي سيوقع فيه ساركوزي النص ليصبح تشريعا.
ويأمل المعارضون وعلى الرغم من اصرار ساركوزي على انجاز القانون الجديد، الاطاحة بهذا التشريع. ويستشهد بعضهم بحصول مثل هذا الامر في العام 2006 عندما تمكنت التحركات الطلابية الواسعة في البلاد من اجبار الحكومة على سحب خطة عمل للشباب، اثارت الجدل وقتها، حتى بعد ان كان الرئيس جاك شيراك وقعها لتصبح تشريعاً.
وفي حين يبدو كل فريق ثابت على آرائه ومتصلب في مواقفه، تبقى الايام المقبلة هي الفيصل لمعرفة من القادر على الصمود أكثر في هذه المواجهة التي تغرق فرنسا في فوضى متعددة الاوجه.
وفي حين ان التجارب السابقة تشير الى استحالة تراجع ساركوزي عن اي قرار يتخذه، يبدو التحدي أكبر بالنسبة الى النقابات التي على الرغم من سعيها الى المضي في تحركاتها حتى وان تم تمرير القانون، فإن تصميمها هذا يبقى رهناً بمدى استجابة القوى الشعبية لاطالة عملية الاحتجاج، خصوصاً اذا كان المضربون لا يتقاضون رواتب عن الاسابيع التي توقفوا عن العمل فيها حتى الآن، علماً ان النسبة الاكبر من الشعب بدأت تتململ من الفوضى التي تسود البلاد بسبب الاضرابات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.