تصر الحكومة الفرنسية على تمرير إصلاح نظام في البرلمان وسنه كقانون يؤخر سن التقاعد من 60 الى 62 عاماً، وينفذ بشكل تدريجي إلى أن يصبح فاعلاً بشكل تام بحلول العام 2018، وذلك على رغم الطابع الشامل لحركة الاحتجاج.
فمع التصريحات اليومية للرئيس نيكولا ساركوزي التي تؤكد عزمه على المضي حتى النهاية في مشروعه الإصلاحي هذا، بدأت مواقف مثيرة للريبة تبرز من جانب النقابات العمالية، وتلمح الى ان الاضرابات والتظاهرات لن تتوقف حتى وان صادق البرلمان الفرنسي على نص القانون الجديد كاملا.
وفيما بادرت الحكومة في اليومين الأخيرين إلى التصدي ميدانياً لأعمال العنف والشغب، وسيرت حملتها لتحرير مستودعات الوقود، قام المعارضون هم ايضاً برفع سقف تحركاتهم، فبعد الاضرابات التي طاولت مصافي النفط والتي أدت حتى الآن الى تعثر اداء اكثر من 3000 محطة محروقات في البلاد (نحو ربع اجمالي المحطات)، برز في اليومين الاخيرين تحرك جديد ابطاله عمال الكهرباء والنفايات ولا سيما في جنوب البلاد، حيث تغرق مرسيليا منذ نحو اسبوع في بحر من النفايات يجتاح شوارعها وازقتها.
التطورات الجديدة غير المسبوقة، بدأت تنذر بكوارث صحية على اهل المدينة المتوسطية، فمع الساعات الاولى من صباح يوم أمس بدأت حركة نزوح العديد من سكان مرسيليا الى منازل اقاربهم او اصدقاء لهم في مدن اخرى في البلاد.
وفي اتصال هاتفي اجرته المستقبل مع مع أحد سكان المدينة ويدعى جوليان، لخص الشاب من مرسيليا الوضع في مدينته كالآتي: لم يحضر عمال النفايات لأخذ المستوعبات من شارعنا منذ اكثر من خمسة ايام. الوضع اصبح مزرياً جداً، فالنفايات منتشرة في كل مكان وكل زاوية. وبدأت الروائح الكريهة تزكم الانوف. وقررت انا واصدقائي المغادرة شرقاً بإتجاه نيس، ولكني لم اتمكن من الوصول الى شقتهم في جنوب المدينة لأن وسائل النقل العام توقفت تماماً عن العمل في الجزء الجنوبي من المدينة. لذا قررنا ان نغادر متفرقين الى اماكن اصدقائنا في نيس.
وحذر مسؤولون حكوميون أمس من ان الوضع الصحي في مرسيليا اصبح مهدداً على خلفية ازمة النفايات، فيما بدأت قوات الامن بإزالة النفايات من المدينة.
ومن ستراسبورغ (شمال شرق)، اطلع مارك (ناشط في الحزب المناهض للرأسمالية) المستقبل على ما يعتزم المعارضون القيام به خلال الفترة المقبلة قائلاً السيد ساركوزي مصمم على المضي بمشروعه الخاص بالتقاعد والذي لا يطال الرأسماليين الكبار. انه يقوم بهذا المشروع لمصلحة عائلته وحاشيته، حيث يرأس شقيقه غيوم ساركوزي شركة تأمين خاصة - مالاكوف ميدريك - وكان وضع استراتيجية كبيرة لشركته تتمحور حول المعاش التقاعدي التكميلي الخاص.
وأضاف كما هو مصمم على المضي بقانونه الجديد حتى النهاية، نحن ايضاً لن نترك الشارع، وسنعطل اقتصاد البلاد. هذه المهزلة يجب ان تتوقف. لن نتوقف عن الاضرابات والتظاهرات حتى ولو صادق البرلمان على هذا القانون ووقع عليه ساركوزي. نحن نحضر لتحركات جديدة، ولن نستسلم، فالمعركة لا تزال في بدايتها. وتساءل هل بإمكانك ان تقول لي لماذا المانيا تخرج بشكل افضل من الازمة الاقتصادية، حيث بدأت نسبة البطالة فيها تقل، في حين ان هذه النسبة في فرنسا آخذة في الارتفاع؟.
وجاءت كلمات مارك متطابقة الى حد كبير مع تصريحات ادلى بها امس رئيس الكونفيدرالية العامة للعمل سي جي تي مارك تيبو لاذاعة مونتي كارلو قائلاً: أن الحكومة لا تزال غير آبهة بتحركاتنا. سنعمل من اجل تحرك اوسع الاسبوع المقبل. سنطلب من الاتحادات العمالية الإلحاح على العمال واقناعهم بالتوقف عن العمل بأعداد اكبر والنزول الى الشارع.
وأضاف سنعقد اجتماعا اليوم (امس) مع الاتحادات والنقابات والتيارات المعارضة من أجل تحديد موعد لمسيرات احتجاجية ضخمة الاسبوع المقبل.
وفي حين يتوقع أن يتم تحديد هذا الموعد لاحقا، الا أن المرجح أنه سيكون يوم الثلاثاء المقبل.
وبدأت فرنسا قبل يومين استيراد الطاقة الكهربائية بعدما أدت الاضرابات الجديدة التي طاولت قطاع الطاقة الى توقف 16 مفاعلاً كهربائياً من اصل 58 في البلاد (12 بحجة الصيانة بحسب قول العمال).
واستمرت حركة احتجاج الطلاب في شتى انحاء البلاد حيث لا تزال اكثر من 350 مدرسة مستمرة في الاضراب. وسار امس في شوارع باريس آلاف الطلاب هاتفين شعارات ضد ساركوزي والحكومة وقانون التقاعد. وعلى الرغم من حملة مكافحة الشغب الواسعة التي قامت بها الشرطة في مدينة ليون وضواحي باريس اول من امس، عادت اعمال العنف امس مجددا الى الواجهة.
ويأمل المعارضون، على الرغم من اصرار ساركوزي وعزمه على انجاز القانون الجديد، التمكن من الاطاحة بهذا التشريع، فيستشهد بعضهم بحصول مثل هذا الامر في العام 2006 عندما تمكنت التحركات الطلابية الواسعة في البلاد من اجبار الحكومة على سحب خطة عمل للشباب، اثارت الجدل في حينه، بعدما كان الرئيس جاك شيراك قد وقعها لتصبح تشريعاً.
وبدأت الحكومة الفرنسية امس بالضغط على مجلس الشيوخ للإسراع بعقد الجلسة الخاصة بالتصويت النهائي على نص القانون (الذي يقضي بتأخير سن التقاعد من 60 الى 62 عاما وتأخير سن الحصول على المعاش التقاعدي كاملاً من 65 الى 67 عاما.
وستكون الاجتماعات في قصر اللوكسمبورغ في الساعات المقبلة حامية، ويتوقع ان يجري التصويت النهائي في مجلس الشيوخ على النص الكامل مساء اليوم.
ويشار الى ان الجمعية الوطنية (مجلس النواب) كانت صوتت لمصلحة القانون في وقت سابق. في حين تبقى المصادقة النهائية رهنا بإشراف اللجنة البرلمانية المشتركة التي تضم سبعة نواب وسبعة شيوخ يختارهم رئيسا مجلسي النواب والشيوخ يوم الاثنين المقبل.
ويتوقع ان تقوم هذه اللجنة بالمصادقة النهائية على القانون بإسم البرلمان في جلسة تعقد في مقر الجمعية الوطنية الاربعاء المقبل او الخميس كحد اقصى.
ويبدو كل فريق ثابت على آرائه ومتصلب في مواقفه، فيما يبقى انتظار الايام المقبلة لمعرفة من القادر على الصمود أكثر في هذه المواجهة التي تغرق فرنسا في فوضى متعددة الاوجه.
وفي حين تشير التجارب السابقة الى استحالة تراجع الرئيس الفرنسي عن اي قرار يتخذه، يبدو التحدي اضخم حجماً على النقابات التي على الرغم من سعيها الى المضي في تحركاتها حتى وان تم تمرير القانون، فإن تصميمها هذا يبقى رهناً بمدى استجابة الانتفاضة الشعبية للاستمرار في الاضراب، خصوصاً إذا كان المضربون لا يتقاضون رواتب عن هذه الاسابيع التي توقفوا فيها عن العمل حتى الآن.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.