8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تعاون عسكري نووي بين فرنسا وبريطانيا في الأفق للمرة الأولى

لا تزال الضائقة المالية التي تسببت بها الأزمة الإقتصادية العالمية ترخي بظلالها على دول العالم الأول وتجبرها على تقليص ميزانياتها المخصصة للحكومات، وهذا ما يشمل وزارات الدفاع، لذا وجد البريطانيون انفسهم امام عقبة كبيرة تتمثل في صيانة وتحديث الرؤوس الحربية التي يملكونها في ترسانتهم النووية، لأن هذه العملية ستتطلب منهم انشاء مختبرات متطورة تكلفتها باهظة جدا، الأمر الذي دفع بهم الى البحث عن حلول بديلة اقل كلفة، فلم يجدوا افضل من التعاون مع جارتهم الجنوبية فرنسا واستخدام مختبراتها.
وقد بدأت فكرة التعاون النووي العسكري هذه، تتبلور بشكل جدي بين لندن وباريس خلال الأسابيع الاخيرة، وسيكون هذا الموضوع احد المحاور الأساسية للقمة التي ستجمع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون في احدى القواعد العسكرية البريطانية خلال ثلاثة اسابيع.
والمثير للإهتمام في هذه القضية أن قوة الردع المستقلة هي اكثر المجالات التي تفخر بها الحكومتان الفرنسية والبريطانية وتعملان دائما على حفظ اسرارها، ولكن بمجرد اخذ موضوع التعاون بشكل جدي الى هذا الحد، فهذا يشير الى حجم الصفقة التي يرغب الطرفان بإتمامها، والتي قد تميط اللثام بشكل كبير عن الأسرار النووية التي يخفيها الصديقان اللدودان عن بعضهما منذ اكثر من 50 عاماً.
ويقول مسؤولون رسميون في كلا البلدين، أن اتفاقاً يتم التفاوض عليه كي تقوم المختبرات الفرنسية بصيانة وتحديث الـ160 رأس نووي الموجودة في الترسانة البريطانية، وبأن هذا الإتفاق اذا تم، فإنه ينهي نحو نصف قرن من انعدام التعاون العسكري النووي بين البلدين، فبريطانيا كانت حافظت على اسرار قوة ردعها المعتمدة بشكل كبير على منظومة صاروخية اميركية الصنع ترايدنت دي 5، وكذلك فرنسا كانت كتمت علمها النووي المتعلق بهيكلية القوة الضاربة (لا فورس دو لا فراب) الفرنسية الصنع مئة في المئة، والتي تشمل الغواصات النووية ومنظومة اطلاق الصواريخ.
وأكثر ما يؤكد أن داوننغ ستريت والاليزيه قد قطعا شوطاً كبيراً في محادثاتهما النووية فقد تبادل المسؤولين والخبراء النوويين من الطرفين الزيارات في الفترة الاخيرة، وقد دعت فرنسا البريطانيين لأول مرة لزيارة اسطول الردع الخاص بها في ميناء برست، وحذت بريطانيا حذوها، فسمحت للفرنسيين بزيارة اسطولها في ميناء فاسلين في اسكتلندا.
وتملك فرنسا في ترسانتها نحو 300 رأس نووي، وكانت خصصت ميزانية هائلة لمختبرات ابحاثها النووية في العام 2009 وحده (6.6 مليارات يورو)، وهي تملك الآن احدث حاسوب الكتروني لدراسة وتحليل نتائج التجارب.
وهذا الاتفاق في حال اقره الطرفان، سيوفر لفرنسا كسباًَ مادياً من صفقة ستدفع نفقاتها المملكة المتحدة، ولكن في الوقت نفسه سيمنح البريطانيين فرصة الولوج الى خفايا القدرة الفرنسية النووية للمرة الأولى.
وعلمت المستقبل من مصدر اميركي ان بريطانيا استشارت الاميركيين منذ بداية المفاوضات مع الفرنسيين اولاً لأهمية التحالف الدفاعي التاريخي بين لندن وواشنطن، وثانياً لأن منظومة الردع النووية البريطانيا في غالبيتها تعتمد على نماذج اميركية الصنع، وهذا يعني ان خلال هذا التعاون، فإن الفرنسيين سيحصلون ايضاً على اسرار نووية اميركية، فحتى وان كانت البداية تبادل المعرفة حول كيفية محاكاة التفجيرات النووية، فإن الامور تتطور وتخرج عن السيطرة وصولاً الى تبادل الخفايا والاسرار الاخرى المتعلقة بالبرامج النووية.
واضاف المصدر هناك اتفاقية تعاون اميركية بريطانية تحظر على البريطانيين تبادل خبرات واسرار نووية مع بلدان اخرى دون موافقة اميركية. وحذر من انه حتى وان وافقت الادارة الاميركية (الديموقراطيون) واعطت الضوء الاخضر لبريطانيا بإبرام الاتفاق، الا اني اعتقد ان الجمهوريين سيوجهون في الكونغرس العديد من الأسئلة حول هذا الموضوع.
وعلى الرغم من الحساسية الخاصة التي تميز هذا النوع من الصفقات، الا ان هناك دلائل كثيرة تشير الى ان الاتفاق النووي قيد التفاوض بين لندن وباريس سيبصر النور، اولاً لأن واشنطن ترى ان الاوروبيين يجب ان يتعاونوا دفاعياً بما يشمل ايضاً تبادل الخبرات والقدرات النووية، وثانياً لأن فرنسا لم تعد بعيدة عن الاميركيين، كما في السابق، فهي الآن عادت الى حضن حلف شمال الاطلسي ناتو. وهذا ما بدا جلياً عندما اعلن الامين العام للاطلسي الدنماركي اندرس فوغ راسموسن منذ يومين دعمه الكامل لإتفاق تعاون نووي بين فرنسا وبريطانيا معتبراً ان تبادل الخبرات العسكرية النووية بين فرنسا وبريطانيا بما في ذلك المروحيات وحاملات الطائرات من شأنه ان يعزز التحالف العسكري الغربي.
وتجدر الإشارة الى ان ساركوزي سيستقبل راسموسن في الاليزيه يوم الجمعة المقبل. وكان وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس زار باريس في ايلول (سبتمبر) الماضي، واجرى محادثات مستفيضة مع نظيره الفرنسي ارفيه مورين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00