شهدت فرنسا امس اضرابا عاما، هو الاحتجاج الثالث من نوعه ضد اصلاح نظام التقاعد. وشمل الاضراب عددا كبيرا من القطاعات لكن نسبة المشاركة فيه جاءت اقل من المشاركة السابقة في السابع من ايلول (سبتمبر) الجاري. وفي حين اعتبر منظمو الاضراب والداعون اليه احتجاجات الامس مهمة وكافية لإقناع الحكومة بالتراجع عن مشروعها الاصلاحي، لمس قصر الاليزيه انخفاضا في نسبة المضربين في اشارة اعتبرتها الحكومة دليلا جيدا على ان مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب الفرنسي الاسبوع الفائت بعد جلسة ماراتونية سيلقى قبولا اكبر من الشعب الفرنسي مع مرور الوقت.
ومنذ ظهر امس بدت نسب المشاركة في الإضراب اقل من الاضرابات السابقة وخاصة الاخيرة التي شهدتها البلاد في السابع من ايلول (سبتمبر) الجاري واعتبرت نجاحا بالنسبة للإتحادات العمالية. وبحسب الارقام التي صدرت ظهر امس عن نسبة المشاركة، اعلنت ادارة خطوط القطارات ان نسبة المضربين لديها امس لم تتجاوز ال37 في المئة مقابل 42 في المئة (في السابع من هذا الشهر). اما ادارة البريد فأشارت الى نسبة مشاركة بلغت 16,5 في المئة مقابل 22 (في السابع) وقدمت خطوط مترو الانفاق ارقاما مشابهة ايضا. الا ان الشلل الذي اصاب حركة النقل الجوي جاء اكبر من المرة السابقة اذ الغيت بين 40 و50 في المئة من الرحلات الجوية في مطاري شارل ديغول واورلي مقابل 25 في المئة في اضراب السابع من الشهر الجاري.
اما عدد المتظاهرين في انحاء البلاد فبلغ بحسب وزارة الداخلية منتصف نهار امس نحو 450 الف متظاهر مقابل نحو نصف مليون تظاهروا في بداية المسيرات الاحتجاجية يوم السابع من الشهر الجاري. هذا مع الاشارة الى ان التظاهرة الاكبر في باريس انطلقت امس استثنائيا عند الساعة 11 قبل الظهر اي قبل نحو ثلاث ساعات مما درجت عليه سابقا (عادة لا تبدأ تظاهرات العاصمة قبل الثانية بعد الظهر)، مما جعل القدرة على احصاء المشاركين اسهل بالنسبة لوزارة الداخلية التي قدرت عدد المتظاهرين في باريس امس في بداية مسيراتهم ب40 الف شخص، بينهم مسيرة اتحاد اليسار التي انطلقت نحو الباستيل بقيادة زعماء الاحزاب اليسارية مارتين اوبري (الاشتراكي) وسيسيل ديفلو (الخضر) وبيار لوران (الشيوعي) وجان لوك ميلانشون (اليسار).
وبدا الفارق لافتا بين الارقام التي قدمتها النقابات العملية المنظمة للتظاهرات والأرقام الرسمية للشرطة ووزارة الداخلية واكبر مثال على ذلك ان الاولى قدرت عدد المتظاهرين في مرسيليا ب220 الف متظاهر في حين اشارت وزارة الداخلية الى 27 الفا فقط، وقد جرت العادة ان يقدم المنظمون والداعون للإضراب ارقاما مبالغا فيها قد تتجاوز ضعف الارقام التي تعلنها السلطات ولكن ان يصل الرقم الى عشرة اضعاف فهذا امر مستغرب جدا.
وفور ورود هذه الارقام، رأى قصر الرئاسة الفرنسي ان هذه الارقام تشير بشكل واضح الى انخفاض في عدد المضربين بما يعني ان الفرنسيين بدأوا يتقبلون اكثر اصلاح نظام التقاعد الذي مرره مجلس النواب الفرنسي الاسبوع المنصرم، بعد جلسة ماراتونية اثارت امتعاض نواب الكتل اليسارية ولا سيما نواب الحزب الاشتراكي الذي اعلنت زعيمته مارتين اوبري امس انها لن تستسلم ابدا في معركتها ضد اصلاح نظام التقاعد.
وكانت الجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تبنت الاسبوع الفائت قانون اصلاح نظام التقاعد الذي قدمه وزير العمل اريك فورث. وذلك بعد جلسة ماراتونية ملتهبة حافلة بالمشادات بين نواب اليمين (غالبيتهم من الحزب الحاكم الاتحاد من اجل حركة شعبية) وتكتل اليسار وفي مقدمه نواب الحزب الاشتراكي.
وفاز قانون الاصلاح ب329 صوتا مقابل 233 بعد جلسة ماراتونية شكلت حدثا لم يسجل في مجلس النواب الفرنسي منذ العام 2007. وبلغ التوتر بين الاكثرية والمعارضة داخل مبنى الجمعية الوطنية اوجه بعدما اعلن رئيس المجلس برنار اكوييه الى نواب الاشتراكي ان الوقت المسموح لهم بالكلام نفد وهو 19 ساعة الامر الذي منع النواب اليساريين من مناقشة البنود الاخيرة من القانون المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة في نظام التقاعد. ما دفعهم الى الصياح ديموقراطية. ديموقراطية وطالبوا اكوييه بالاستقالة من منصبه.
وصبت زعيمة الاشتراكيين مارتين اوبري جام غضبها على رئيس المجلس وتساءلت في اي بلد نحن؟ كيف نمنع البرلمان من اداء مهمته. هذا اصبح جنونا. لم يعد هناك جمهورية.
ويقضي القانون الجديد الذي وضعه وزير العمل اريك فورث مدعوما بشكل تام من الرئيس نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء فرنسوا فيون بإستبدال سن التقاعد الرسمي من 60 عاما الى 62 بحلول العام 2018 وتأخير الحصول الكامل على معاش التقاعد من عمر 65 عاما الى عمر 67.
وقبل اكثر من اسبوعين، سار ما يزيد على مليونين ونصف مليون فرنسي (بحسب منظمي الاضراب) في شوارع البلاد احتجاجا على اصلاح نظام التقاعد هذا املا في ثني الحكومة عن المضي فيه. ولكن اقرار الجمعية الوطنية لهذا القرار اذهب اصواتهم ادراج الرياح وهذا ما ترجم بشكل واضح في النسبة المنخفضة للمشاركة في اضراب الامس. وينتظر الفرنسيون مرور مشروع القانون امام مجلس الشيوخ ابتداء من الخامس من تشرين الاول (اكتوبر) المقبل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.