تشهد فرنسا اليوم اضرابات عمالية ونقابية واسعة تشمل جميع المناطق، وذلك احتجاجا على سياسات الحكومة وفي مقدمها مشروع اصلاح نظام التقاعد بحلول العام 2018 الذي يسعى وزير العمل اريك ورث إنجازه تشريعيا هذا الخريف ويقوم بعرضه اليوم على الجمعية الوطنية (مجلس النواب). وبالتالي فإن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يواجه اليوم حلقة مهمة جدا في مسلسل التحديات التي يواجهها وتؤثر بشكل كبير على قرار الفرنسيين في العام 2012 بتجديد ثقتهم به لولاية اخرى على رأس الجمهورية أو سحب هذه الثقة منه.
وفي اول خطوة استباقية ليوم الإضرابات هذا، اعلن قصر الإليزيه امس ان قانون التجريد من الجنسية الفرنسية لن يشمل متعددي الزوجات وسيقتصر فقط على المجرمين الذين يقتلون رجال الأمن والعاملين في قطاع الخدمة العامة. الا ان هذا الإعلان المختص بشريحة ضئيلة من الشعب لن يؤثر على مستوى المشاركة التي يتوقع ان تتجاوز بسهولة الحاجز الذي بلغته اضرابات العام الماضي، خصوصا وان احتجاجات اليوم سترفد من العمال الحانقين على مشروع اصلاح سن التقاعد وناشطي حقوق الانسان الغاضبين من سياسة طرد الغجر والشباب الذي يعاني البطالة وبالطبع من اعضاء الأحزاب اليسارية المختلفة المناهضة للحزب الحاكم.
ويقضي مشروع اصلاح نظام التقاعد الذي تشير الاستطلاعات الى ان 60 في المئة من الفرنسيين يعارضونه، برفع سن التقاعد من 60 عاما الى 62 بحلول العام 2018. ويرى العمال في هذه الخطوة حرمانا لهم من مكسب اجتماعي حصلوا عليه ايام الرئيس السابق فرنسوا ميتران. وما يجعل هذا الملف اكثر اشتعالا هو ان الوزير ورث صانع هذا المشروع والمشرف على استصدار قانون بشأنه يواجه منذ اشهر فضيحة سياسية مالية متعلقة بوريثة مستحضرات التجميل لوريال المليارديرة ليليان بيتانكور. وكان الخصوم السياسيون للحزب الحاكم وعلى رأسهم قادة الحزب الاستراكي اعتبروا ان وزير العمل لم يعد مؤهلا بعدما ظهر اسمه في هذه الفضيحة لكي يعمل على سن قوانين وصنع مشاريع يتعلق بها مستقبل البلاد.
ومن المقرر ان تتزامن احتجاجات اليوم مع عرض مشروع اصلاح نظام التقاعد على الجمعية الوطنية تمهيدا لإعتماده في تشرين الاول (اكتوبر) المقبل وقبل عملية التعديلات الوزارية التي يزمع الرئيس ساركوزي اجراءها على الحكومة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وانطلاقا من هذا الموعد كانت دعوة النقابات العمالية الكبرى للإضراب في شتى انحاء البلاد معتبرة ان هذا الاصلاح جائر ومعربة عن ثقتها في ان تبلغ مشاركة المتظاهرين اليوم عتبة المليونين.
ويتمسك ساركوزي وحكومته بإنجاز هذا المشروع لإيمانهم بأنه الافضل لمستقبل البلاد على المدى الطويل ولا سيما في هذه الفترة التي تسعى البلاد فيها للخروج من براثن الأمة الاقتصادية العالمية. فالسن القانونية للتقاعد هي التي تخول الموظف او العامل طلب تعويضه كاملا في النظام الفرنسي على اساس نظام توزيع الحصص والذي تدفع فيه المعاشات من الاصول. لذا وفي مواجهة زيادة عدد المتقاعدين ارتأت الحكومة ان دفع الفرنسيين الى العمل لمدة اطول اسوة بجيرانهم الاوروبيين هو افضل خيار لضمان توفير احتياجات التمويل التي تقدر بـ70 مليار يورو حتى العام 2030.
وتشير استطلاعات الرأي الاخيرة (آخر استطلاع يوم الأحد اشار الى ان 32 في المئة فقط من الفرنسيين سيثقون برئيسهم) الى تدن مقلق في مستوى شعبية الرئيس الفرنسي الذي يولي ورث ثقته الكاملة لإنجاز هذا المشروع على الرغم من الأقاويل والاتهامات التي تلاحق هذا الوزير. وكان الرئيس الفرنسي حاول استعادة الحزم في السياسة الامنية الداخلية التي كان بنى عليها نصره في انتخابات العام 2007 وذلك عبر تطبيق سياسة داخلية اكثر صرامة الى ان انفجر بركان طرد الغجر ما ادى الى هيجان المجتمع المدني وناشطي حقوق الانسان وايضا الكنائس. وكان الآلاف تظاهروا السبت الفائت احتجاجا على سياسة التمييز العنصري التي تمارسها السلطات بحق الغجر (الروم) وذلك على الرغم من ان جميع اقطاب الحكومة الفرنسية قالوا عبر تصريحات وخطابات رسمية في الآونة الاخيرة بشرعية الخطوات التي اتخذتها الحكومة بترحيل الغجر حسب قوانين الاتحاد الاوروبي.
ولا يتوفع ان تشهد اضرابات اليوم مشاركة كبيرة على الصعيد التربوي والاكاديمي (30 في المئة كحد اقصى)، الا ان المشاركة النقابية والعمالية على انواعها ستكون العمود الفقري. ويتوقع حصول تجاوب كبير من قطاع النقل حيث ستتوقف معظم خطوط مترو الانفاق والباصات والقطارات ووسائل النقل العام بما في ذلك الملاحة الجوية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.