انعكست صورة الداخل الفرنسي هذا العام على اداء منتخب كرة القدم الذي شارك في نهائيات كأس العالم في جنوب افريقيا. فالجسد الفرنسي المتعب المترهل بمشاكل سياسية داخلية وفضائح وازمة بطالة واقتصاد مهدد، لم يكن قادرا على افراز فريق متجانس وقادر على تنفيس احتقان وهموم شعب يمر باصعب السنوات منذ عقود.
فرنسا مستاءة، منهكة، مفككة وفاقدة الثقة. كل هذه الصفات كان بالإمكان قراءتها على وجوه الشبان والشابات الذين طلوا وجوههم بألوان علم بلادهم الزرقاء والبيضاء والحمراء بعد كل لقاء من اللقاءات الثلاث المخيبة التي لعبها الزرق في المونديال الافريقي. فالألوان لم تكن قادرة على اخفاء الشحوب والذهول ولم تكن كافية لزرع الثقة في النفوس، وكيف للثقة ان توجد بعد هزيمة مدوية امام المكسيك تلاها طرد لنيكولا انيلكا اللاعب البارز في الفريق والذي كان الملايين يعولون عليه في تسجيل هدف هنا او هناك ينقل الفرنسيين من دور الى آخر في هذه البطولة، بما يطيل فترة اقامتهم في أفريقيا بعيدا عن الهموم الاجتماعية والمعيشية التي اصبحت تقض مضاجعهم بشكل غير مسبوق.
والحساسية المفرطة بين البيض والملونين في هذا البلد الذي كان يتغنى بأنه بلد التعددية والمساواة ظهرت بشكل قوي في صفوف المنتخب الذي شارك في المونديال. فالضغوط الخارجية من قبل رئاسة الاتحاد واياد خفية اخرى ارادت فرض اللاعب الفرنسي الشاب الابيض البشرة يوهان غوركوف اساسيا في جميع مباريات المنتخب. وبين اخذ ورد بين داخل المعسكر وخارجه دخل الفرنسيون مباراة المكسيك من دون غوركوف وخسروها فقاقمت القيامة ولم تقعد على المدرب ولاعبيه الى حد ان احد التقنيين في الفريق اوصل الى الصحافة عبارة قالها انيلكا للمدرب ريمون دومينيك داخل غرفة الملابس في لحظة غضب عقب الخسارة. فإنفجر بركان كلمات انيلكا فاتحاً الباب على أزمة جديدة بين اللاعبين الذين رفضوا الضغوط الخارجية وتوقفوا عن المران ما ادى الى خسارة ثانية انهت المشوار من الدور الاول.
وسرعان ما دخلت الحكومة الفرنسية على الخط للوقوف على اسباب هذه المهزلة الكروية فاجتمع الرئيس نيكولا ساركوزي برئيس وزرائه فرنسوا فيون ووزيرتي الرياضة روزلين باشيلو وراما ياد وتقرر حرمان اللاعبين من اي منح مادية كانت ستقدم لهم في مشاركتهم المونديالية.
وبعد ضغط سياسي تصاحب مع انذار من الفيفا، قرر رئيس الاتحاد الفرنسي جان بيار اسكاليت الذي كان في عطلة تقديم استقالته وتم تعيين لاعب المنتخب السابق لوران بلان مدربا للـزرق بدلا عن دومينيك الذي استقبل منذ اربعة اعوام استقبال الابطال في باريس. ولكن قصص الغيرة والحسد لا تنتهي بين الاجيال القديمة من اللاعبين والجيل الحالي وكأن السماء الفرنسية لا تريد الانفراج بعد تلبدها بالغيوم السوداء الداكنة منذ اللحظة التي استعان فيها تييري هنري بيده لايصال فرنسا الى المونديال على حساب ايرلندا، وكأن الخروج المذل من كأس العالم هذه لم يكن كافيا. فيأتينا بطل العالم السابق مع المنتخب ليليان تورام الذي شاءت الاقدار ان يحمل شارة القائد للمنتخب الفرنسي لفترة من الفترات ليطالب بطرد نهائي لمواطنه باتريس ايفرا (قائد الفريق في المونديال) من المنتخب محملا اياه مسؤولية كبيرة في مهزلة المونديال شأنه شأن كل من دومينيك واسكاليت.
ورغم كل ذلك لا زال الامل كامنا في شخصية بلان المدرب الجديد، فالأمر يعود اليه في اعادة رص الصفوف ووضع مصلحة فرنسا اولا في المقدمة وان يتمكن من فرض هيبته واسلوبه على الزرق قاطعا الأيادي التي يمكن ان تتدخل في وضع تشكيل او فرض لاعب او طرد آخر. مهمة اعادة الاعمار هذه ليست سهلة ولكن اذا كانت مواهب بلان كمدرب شبيهة بمواهبه كلاعب فإننا حتما سنرى فريقا فرنسيا براقا في بطولة الامم الاوروبية في العام 2012.
ومن باريس المنهكة بمشاكل الفرنسيين الاصليين والفرنسيين المجنسين، الى برلين المتحدة خلف منتخبها. اول منتخب في تاريخ المانيا يزخر بعدد كبير من اللاعبين المجنسين. فريق من الماكينات المرعبة ابتلع خصومه بما فيهم انكلترا والارجنتين. فريق يلعب بقلب واحد ويرفع العلم الاسود والاحمر والاصفر. لاعبوه عائلة واحدة يقودها المدرب المحنك يواكيم لوف الذي يملك تقنية وتكتيكا عاليين. ولننظر الى ابرز اللاعبين الالمان واصولهم: مسعود اوزيل وسردار تاسكي(تركيا)، جيروم بوتانغ (غانا)، لوكاس بودولكسي وميروسلاف كلوزه وبيونر تروشوفكسي (بولندا)، دنيس اوغو (نيجيريا)، سامي خضيرة (تونس)، كاكاو (البرازيل)، ماركو مارين (كرواتيا)، ماريو غوميز (اسبانيا).
وبعد مقارنة واضحة بين المنتخبين الفرنسي والالماني نجد انعكاسا واضحا للوضع الخطير الذي تعيشه فرنسا اليوم من الناحية العنصرية والتفكك الحاصل في اواصر المجتمع الفرنسي بين الفرنسي الاصلي ومواطنه المجنس. في حين نرى مجتمعا المانيا صلبا يقوم فعلا على التعددية والمساواة وهذا ما ينعكس اداء خارفا فعالا على اداء المنتخب الالماني الذي دخل المربع الذهبي لكأس العالم الحالية عن جدارة واستحقاق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.