8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قمة واشنطن: الحماية من الإرهاب النووي خطوة أساسية نحو حضارة ذرية

من مؤتمر باريس لدعم استخدام الطاقة النووية السلمية في خدمة البشرية الى القمة التي ستبدأ اليوم في واشنطن لحماية المواد النووية وابعادها عن متناول الارهابيين، مرورا بالمعاهدة الجديدة التي وقعت بين الاميركيين والروس لخفض الترسانة النووية والاجتماعات التي تعقدها الدول الست الكبرى بهدف صياغة قرار عقوبات جديد ضد ايران في مجلس الامن، يعيش العالم بأسره اليوم على بوابة ما يمكن ان يطلق عليه اسم عصر الحضارة النووية.
نحن نعقد هذه القمة لضمان سلامة المواد النووية ولكن لا يجب ان يؤثر هذا على استخدام هذه الطاقة لغايات تفيد البشرية، كرر مصدر في الرئاسة الفرنسية هذه العبارة اكثر من خمس مرات خلال لقاء مع الصحافيين.
من هذه الكلمات نستشف بشكل واضح ان المؤتمر الذي شهدته العاصمة الفرنسية في شهر آذار (مارس) الفائت لم يدع اليه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من اجل اضافة مؤتمر دولي على سجل المؤتمرات العابرة التي تستضيفها باريس، انما من اجل اطلاق فعلي لما اسماه ساركوزي حقبة النهضة النووية. فرنسا فتحت ابواب جامعاتها ومعاهدها واعلنت افتتاح مدرسة دولية لاستقطاب اي طالب من اي بلد كان يرغب في ان يستفيد ويُفيد من التخصص في مجال الهندسة والتقنيات النووية لأنه بحسب المسؤولين الفرنسيين نحن نعيش في عصر العولمة، والجميع يحتاج لتبادل الخبرات وجمع المواهب من اجل تسريع وتيرة اللجوء الى الطاقة النووية في شتى مرافق الحياة.
مع التحديات التي يشهدها كوكب الارض سواء لجهة الاستهلاك السريع لموارد الطاقة الكلاسيكية (كالنفط والفحم الخ) او لجهة الاحتباس الحراري والتغير المناخي، يلوح علم الذرة اليوم في الافق كحبل النجاة للبشرية. ولهذا تهرع حكومات دول العالم الاول الى بذل ما في وسعها من اجل محو تأثير كلمة نووي (او ذري) على مسامع عامة الشعب التي سرعان ما تتراءى لها لدى سماعها هذه الكلمة صور الابادة الجماعية والدمار الهائل اللذين احدثتهما القنابل النووية الاميركية في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين خلال الحرب العالمية الثانية، او الكارثة التي تسبب بها انفجار مفاعل تشيرنوبيل النووي في العام 1986 والتشوهات الخلقية التي ما زالت تصيب مواليد هذه المنطقة حتى يومنا هذا.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل البشرية بأسرها اليوم ترى في هذه الطاقة طوق العبور الى الرفاهية والرخاء والحياة المثلى؟ بحسب القيمين على القمة التي ستبدأ اليوم في واشنطن الجواب هو لا. هناك خطر الارهابيين والانظمة المتطرفة، ولهذا فإجتماع اليوم ضروري من اجل وضع اطر دولية من شأنها حماية الطاقة النووية من الوقوع في ايدي من يريدون استخدامها لـغايات شريرة، هذا ما تؤكده مصادر البيت الابيض والاليزيه على السواء. ويتساءل مصدر الرئاسة الفرنسية كيف يمكننا تجاهل خطر هؤلاء الارهابيين الذين يقتلون انفسهم لقتل الآخرين؟ هناك من يقول اننا نلصق تهمة الارهاب بالدين الاسلامي ولكن هذا غير صحيح. فهؤلاء الارهابيون لم يقدموا فقط على شن هجمات ارهابية في نيويورك ومدريد ولندن فحسب بل انهم يقومون بشكل دوري بعمليات ارهابية تقتل مسلمين، سواء في العراق او افغانستان او باكستان او غيرها من الاماكن. ويضيف تخيلوا لو ان هجمات ارهابية كالتي حصلت في 11 ايلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك حصلت باستخدام مواد نووية. هل يمكن لأحد تخيل حجم الكارثة؟ لا اظن انه يوجد شخص عاقل ومسالم واحد في هذا العالم يود رؤية هؤلاء يلهون بمواد نووية مثل البلوتونيوم او اليورانيوم المخصب بنسبة اعلى من عشرين في المئة.
وتجمع القمة التي تبدأ اليوم وتنتهي غدا 47 رئيس دولة او حكومة (مع مشاركات استثنائية لنواب رؤساء ونواب رؤساء حكومات او حتى وزراء خارجية)، اضافة الى رئيس الاتحاد الاوروبي البلجيكي هرمان فون رومبوي والامين العام لمنظمة الامم المتحدة بان كي مون ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا امانو.
وحضرت الإدارة الاميركية لائحة الدول المدعوة بحسب قدراتها النووية مع مراعاة عدد من المواصفات الجغرافية والتقنية. وتضم هذه اللائحة ثلاث دول نووية لم توقع على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية هي الهند وباكستان واسرائيل، في حين لم يوجه الاميركيون الدعوة الى الدول الثلاث التي تنتهك القوانين الدولية ولا تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الرغم من توقيع اثنتين منها على اتفاقية حظر الانتشار وهذه الدول بحسب المصدر الاميركي هي كوريا الشمالية (لم توقع الاتفاقية) وايران وسوريا.
ويجمع عشاء اليوم رؤساء الدول فقط وسيكون مخصصا لتقييم حجم التهديد الارهابي على الطاقة النووية، وسيكون ساركوزي اول المتكلمين مباشرة بعد كلمة الـاهلا وسهلا الافتتاحية التي سيبدأ بها الرئيس الاميركي باراك اوباما الجلسة. اما غداء الغد فسيتمحور حول دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حماية المواد النووية وسيحضر الجلسة بالطبع مدير عام الوكالة يوكيا امانو.
وستدور الجلسة الختامية للمؤتمر حول التحركات الدولية في خدمة الامن النووي، يعقبها مؤتمر صحافي ختامي للرئيس الاميركي ورؤساء الدول او الحكومات الذين يرغبون في القاء كلمة في ختام اعمال القمة.
وكانت الشرارة الاولى لإطلاق هذه القمة هي الخطاب الذي القاه اوباما في العاصمة التشيكية براغ في الخامس من نيسان (ابريل) 2009، تلتها جلسة في مجلس الامن حول المشكلات النووية دارت تحت رئاسة الولايات المتحدة في ايلول (سبتمبر) الماضي، ثم مؤخرا الرؤية الاميركية الجديدة للطاقة النووية واتفاقية ستارت 2 التي وقعت في براغ منذ يومين بين اوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف للحد من الترسانة النووية لدى الطرفين. وسيتم متابعة اعمال القمة الحالية في شهر ايار (مايو) المقبل خلال الاجتماع التشاوري الذي يعقد كل خمس سنوات من اجل تقييم مدى تطبيق الدول لقوانين اتفاقية حظر انتشار الاسلحة النووية.
وتوضح المصادر الاميركية والفرنسية ان الهدف من قمة واشنطن هو منع الارهابيين من الحصول على مواد نووية لأن هذا التهديد حقيقي وخطير. ولهذا يجب وضع استراتيجية مشتركة توجب على جميع البلدان اخذ تدابير ملموسة تمنع الارهابيين بشكل كامل من الوصول الى هذه المواد.
وذكر مصدر اميركي في اتصال هاتفي مع المستقبل بأن على الجميع ادراك مدى خطورة الارهاب النووي. نحن نعلم ان مجموعات ارهابية منها تنظيم القاعدة تسعى وراء المواد من اجل صنع اسلحة نووية ونحن نعلم ان لديهم النية لاستخدامها. وهذا اذا حصل يعد كارثة على الامن القومي الاميركي وكذلك الامر على الامن العالمي. لمنع كل هذا من الحصول دعا الرئيس اوباما لعقد هذه القمة لأننا نؤمن انه لا يمكن لدولة واحدة بمفردها التصدي لهذا الخطر المتمثل في عدة جبهات مثل تهريب المواد ونقل الخبرات الخ.. لذا ترتب علينا وضع استراتيجية تعاون عالمية لإستباق هذا الخطر المحدق بالجميع.
اما مصدر الرئاسة الفرنسية فشرح ان المواد التي لا نريد ان تقع في ايدي الارهابيين هي بالدرجة الاولى البلوتونيوم واليورانيوم المخصب بنسبة اعلى من 20 في المئة. واكد حرية البلدان في تعاملها مع التهديد الارهابي شرط ان تكون التدابير التي تتخذها في هذا الاتجاه فعالة، وشدد على ضرورة عدم الوقوع في شرك شيطنة الطاقة النووية بشكل كامل. فدول مثل فرنسا عليها التأكيد بأن لها كل الحق في استخدام الطاقة النووية السلمية سواء لتوليد الكهرباء او لتقديم خدمات طبية او زراعية الخ.. ولهذا سنحرص على ان يتضمن البيان الختامي للقمة ايضاحا يميز بين حماية المواد النووية واستخدامها من قبل الدول من اجل غايات مدنية وان يتم ايضا التمييز بين حماية هذه المواد والخطوات القائمة لنزع الاسلحة النووية فهي مختلفة تماما عن هذين الموضوعين.
وكرر مصدر الاليزيه اهمية عدم رمي الصبي مع مياه البانيو، مشيرا الى ضرورة عدم جعل مستوى استخدام الطاقة النووية السلمية يتأثر بالقوانين التي يوجبها الامن النووي او ان يشهد تقلصا بسببها. نحن واليابان مثلا نقوم بإستخدام بقايا البلوتونيوم واليورانيوم العالي التخصيب فنعيد تكريرها ثم نستخدمها كوقود نووي لغايات مدنية لذا لا يجب خفض الكميات المستخدمة فقط لمجرد الخوف من وقوعها في ايدي الارهابيين. الواجب حماية هذه المواد بالطريقة نفسها التي تحمي الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا ترسانتها من الاسلحة النووية. هناك عدد من الدول المسلحة نوويا التي هناك خطر اكبر بأن تقع اسلحتها في ايدي الارهابيين وهذه القمة موجهة بشكل رئيسي اليها. وتجدر الاشارة هنا الى ان من ابرز الدول النووية التي تنشط فيها مجموعات ارهابية باكستان والهند وروسيا. وكانت مجموعة الدول الثماني في قمة العام 2002 في كناناسكيس في كندا خصصت مبلغ 20 مليار دولار لروسيا كي تتمكن من حماية ترسانتها النووية بشكل افضل.
وعلمت المستقبل من المصدر الفرنسي ايضا ان موضوع العقوبات على ايران يتم حياكته بالتوازي مع هذه القمة من خلال الاجتماعات بين الدول الست الكبرى من اجل صياغة نص قرار في مجلس الأمن يفرض عقوبات فعالة على النظام في طهران. نحن نلجأ الآن الى هذه العقوبات لدفع ايران للتعاون والتجاوب مع الوكالة الدولية وعرض برامجها بشكل مفصل يزيل الشكوك التي تحوم حول سعيها لإمتلاك اسلحة نووية. رؤساء الدول الست سيكونون موجودين في واشنطن بينهم بالطبع الرئيس الصيني هيو جينتاو. رئيس الحكومة البريطانية غوردون براون لن يكون حاضرا بسبب انشغاله بالحملة الانتخابية في بلاده ولكن وزير الخارجية دايفيد ميليباند سيشارك بدلا منه. ومن المؤكد انهم سيتناقشون في موضوع العقوبات حتى ولو كان غير مجدول رسميا على اعمال القمة. اود ان اذكر هنا ان دول اخرى لها مقاعد في مجلس الامن ستكون حاضرة منها اليابان والبرازيل وتركيا.
وعن موعد محتمل لولادة هذا القرار الدولي، اشار المصدر بالنسبة للرئيسين اوباما وساركوزي هما يتوقعان ان يبصر هذا القرار النور هذا الربيع. وردا على سؤال بشأن العلاقة بين الارهاب الدولي والدول التي تسعى لامتلاك اسلحة نووية مثل ايران، اجاب المصدر الفرنسي بالطبع هناك علاقة بين المجموعات الارهابية والانظمة التي تحاول امتلاك اسلحة النووية عبر برامج تعمل عليها بشكل تدريجي. وبالطبع هناك خطر كبير في حال تمكنت هذه الدول من انتاج اسلحة نووية من ان تقوم بتمريرها لجماعات ارهابية حول العالم الامر الذي يؤدي الى نتائج مأسوية. نحن نرى ان مثل هذه الدول التي تسعى وراء القنبلة تعمل لذلك ليس فقط لنفسها فحسب بل انها على استعداد لمشاركة هذا السلاح مع شركاء لها اود دول صديقة لها الامر سعيا وراء توسيع دائرة نفوذها.
وردا على سؤال عن سبب عدم دعوة سوريا للمشاركة في هذه القمة في حين ان فرنسا وجهت اليها الدعوة وشاركت في مؤتمر الطاقة النووية السلمية الشهر الفائت، اجاب مصدر فرنسي آخر نحن دعونا سوريا للمشاركة في مؤتمر الطاقة النووية السلمية كي يرى السوريون بأعينهم المكان الذي يمكن ان توصلهم اليه طريق التعاون مع الأسرة الدولية، ملمحا الى حال قبول دمشق فصل مسارها عن طهران.
وعن سبب دعوة اسرائيل على الرغم انها لم توقع على اتفاقية حظر انتشار الاسلحة النووية، اوضح المصدر الفرنسي ان اسرائيل دولة عضو في مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية والوكالة على اطلاع بالبرامج النووية الاسرائيلية. اسرائيل لا تنف او تؤكد امتلاكها اسلحة نووية ولكن امورها معروفة لدى الهيئة الدولية ولهذا لا يمكن تصنيفها في خانة ايران وسوريا وكوريا الشمالية. كما ان حضور اسرائيل مهم لجهة الزامها كغيرها من الدول التي تستخدم الطاقة النووية بضرورة حماية مراكزها من اي اقتحام لإرهابيين او متشددين.
ومن المفارقات انه على الرغم من عدم ادراج الاسرة الدولية الادارة الاسرائيلية على لائحة التطرف الا ان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو صنف نفسه بنفسه في هذه الخانة عندما اعلن عدم مشاركته في اعمال القمة وارسل نائبه دان مريدور على رأس الوفد الاسرائيلي المشارك.
ولا يخفى على احد التخوف الاسرائيلي الواضح من عزم الدول الاسلامية المشاركة في المؤتمر وعلى رأسها تركيا ومصر المطالبة بفتح ملفات اسرائيل النووية بشكل علني. ولهذا قرر نتنياهو النأي بنفسه من هذه المعركة تاركا الساحة لنائبه المتخصص بالشؤون النووية من اجل قطع الطريق على اي مبادرة في هذا الاتجاه قد يقدم عليها الاتراك والمصريون. وكانت مصادر ديبلوماسية تركية اكدت عزم الوفد التركي على التطرق الى الملف النووي الاسرائيلي خلال اعمال القمة، غير ان مصادر البيت الابيض استبعدت هذه الخطوة من قبل الاتراك او غيرهم واستبقت الامور مشددة على ان القمة مخصصة للأمن النووي وليس لإتفاقية حظر انتشار الاسلحة النووية ولهذا قد يكون اي طرح بهذا الخصوص خارجا عن مسار اعمال القمة.
وستشهد القمة اجتماعات اخرى بين وزراء خارجية الدول المشاركة تحت اشراف وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون. ويشار الى ان موضوع صنع ما يعرف تقنيا بـالقنابل الوسخة التي يمكن للارهابيين التوصل اليها في حال وضعوا ايدبهم على المواد المشعة سيكون ايضا على جداول الاجتماعات.
ومهما يكن البيان الختامي والاعلان الصادر عن هذه القمة فإنها ستبقى مجرد حلقة في سلسلة جهود دولية لوضع اسس عالمية جديدة يتم عليها بناء مستقبل البشرية وكوكب الارض الذي سيرتمي لعقود وربما لقرون مقبلة في احضان الحضارة النووية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00