المكان هو مختبر الابحاث الذرية تحت الارض قرب مدينة جنيف السويسرية. الزمان هو الساعة الواحدة وست دقائق (بعد الظهر بتوقيت اوروبا). الحدث هو نجاح تجربة تصادم الجزيئات داخل جهاز التصادم العملاق (لارج هاردون كولايدر) وخلق نموذج مصغر للجو الذي تلا الـبيغ بانغ الانفجار الذي شكل الكون، والتجربة هذه المرة تمت بسرعة قياسية تفوق الانجازات السابقة بثلاثة اضعاف ونصف.
بهذه الوقائع بدأت الحضارة الانسانية أمس مرحلة جديدة في علم الفيزياء الحديث، حيث يتوقع علماء متخصصون من شتى اصقاع الارض يجتمعون في هذا المختبر، بأن تسمح ابحاثهم باكتشاف المادة المظلمة، وقوى جديدة وابعاد غير معروفة بعد.
هذا ما أعربت عنه الناطقة بإسم التعاون الدولي للأبحاث الذرية اطلس فابيولا جيانوتي التي اشارت الى أنه بهذه السرعة الفائقة التي تم التوصل اليها، فإن التجارب التي سيشهدها جهاز التصادم العملاق، ستبدأ في اكتشاف نطاقات اوسع، وسيبدأ البحث عن المادة المظلمة وقوى جديدة وابعاد جديدة وذرة هيغز.
وبعد هذه التجربة الناجحة، التي سينكب العلماء على تحليل ادق تفاصيلها والخروج بنتائج جديدة عدة قد توصل الى ذرة هيغز التي يرجح انها خلف كيفية تشكل الكون واخذه شكله الحالي، ستُبقي الوكالة الاوروبية الجهاز في الخدمة لمدة تتراوح بين 18 و24 شهرا بهدف السماح للعلماء الوصول الى اكبر عدد ممكن من الاكتشافات.
وبمجرد ان يتم التعرف على الجزيئات النموذجية، وهو ما يقوم به العلماء الآن، تبدأ مرحلة البحث عن ذرة هيغز التي يتوقع الخبراء تحديدها اذا كان وزنها نحو 160 مليار الكترون ـ فولت.
اما اذا كانت اخف بكثير من ذلك او اثقل، فهذا يعني انه من الصعب اكتشافها من خلال هذه التجربة وسيتم المحاولة في التجربة المقبلة.
واجرت صحيفة المستقبل اتصالاً هاتفياً مع الناطقة بإسم المنظمة الاوربية للبحوث الذرية (سيرن) البريطانية كريستين ساتون التي شددت على اهمية انجاز الامس، وقالت: اليوم دخلنا مرحلة جديدة في ابحاث الجزيئيات، مشيرة الى أن هذه التجربة الناجحة، ستشغل العلماء لمدة عامين على الاقل لدراسة البيانات وتحليلها والخروج بنتائج نأمل ان تسلط الضوء بشكل اكبر على طلاسم تكوين الكون وما هي المادة. ولفت إلى أن الدراسات ستستغرق طويلا حتماً. واضافت أن الجهاز سيبقى في الخدمة لمدة عامين كحد اقصى.
وردا على سؤال لماذا عامين فقط؟ وهل 24 شهرا هي فترة كافية لاكتشاف ذرة هيغز؟، اجابت ساتون: يجب اطفاء الجهاز بعد عامين، والعمل على صيانته من اجل اطلاقه بقوة جديدة اكبر من شأنها انجاح تجارب اضخم:. واضافت: انا شخصيا لا اتوقع ان التجربة التي جرت اليوم (امس) ستكون كافية للتوصل الى ذرة هيغز خلال العامين المقبلين من دراسة النتائج، فربما نحن بحاجة لتوليد اصطدام اشد من اجل لحظ هذه الذرة، ولكن لننتظر ونرى.
وعندما يتم اطفاء الجهاز العملاق من اجل الصيانة بعد الانتهاء تماما من استخلاص جميع النتائج الممكنة التي يمكن لجو الاصطدام الحالي افرازها، سيلجأ القيمون الى اعادة التجارب التصادمية عدة مرات، بحسب الحاجة اليها وبحسب النتائج التي يتوصل اليها الباحثون بعد كل تجربة.
واكد الناطق بإسم سي ام اس غيدو تونيللي ان العلماء بدأوا فورا بدراسة نتائج التجربة، وقال انا مسرور لرؤية الفيزيائيين حول العالم يقومون الآن بتحليل البيانات الناتجة عن هذا التصادم. سنتمكن قريباً من معالجة بعض الالغاز الكبيرة في الفيزياء الحديثة مثل الأصل الشامل، واتحاد القوى الكبرى، وتوافر المادة المظلمة في الكون. سنعيش اوقاتا مثيرة ونحن نكتشف هذه الامور.
وكانت تجربتان تمتا في السابق اخفقتا في الوصول الى السرعة الكافية التي اراد العلماء توليدها بشكل مشابه للأجواء التي سادت عبر الانفجار الكوني الـبيغ بانغ، الا ان التجربة هذه المرة جاءت انجح مما كان متوقعا، وهلل مدير عام المنظمة الاوروبية للابحاث الذرية (سيرن) رولف هوير أمس قائلاً: انه يوم عظيم لكل فيزيائي متخصص بالجزيئيات. اناس كثر كانوا بإنتظار هذه اللحظة منذ وقت طويل والآن بدأوا يقطفون ثمار صبرهم واخلاصهم.
وكان الخطأ، الذي ادى الى وقف عمل الجهاز بعد ايام قليلة على اطلاقه في العام 2008، نتج بسبب تفاعلات غير متوقعة لوحدات ممغنطة عملاقة فائقة التوصيل تسهم في دفع الجزيئات بسرعة الضوء داخل الجهاز، الامر الذي اجبر العلماء على تغيير الوحدات الممغنطة وإبدالها بأخرى جديدة صنعت بطريقة مختلفة لتحاشي الوقوع في العطل نفسه. وقد نجحت التعديلات هذه في تشغيل الجهاز في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
ويجتمع نحو 12 الف عالم، ينتمون الى 80 بلدا (بينهم 1200 عالم اميركي) في هذا المختبر الواقع قرب مدينة جنيف على عمق مئة متر تحت المنطقة الحدودية بين سويسرا وفرنسا. وتجري التجربة العلمية الاكثر كلفة واهمية الى يومنا هذا بمشاركة ابرز الهيئات الدولية المختصة (امثال اليس، اطلس، سي ام اس وال اتش سي بي) واشراف المنظمة الاوروبية للبحوث الذرية (سيرن)، وقد خصص لها جهاز التصادم العملاق (ال اتش سي) الذي بلغت تكلفته نحو 9 مليارات دولار. ويبلغ طول النفق الموضوع فيه 27 كيلومترا ويحتوي على سلسلة اسطوانية من الماكينات مشكلة اكبر جهاز لتسريع الجسيمات في العالم.
ويسعى العلماء الى التقاط صورة توضح الظروف التي كانت سائدة خلال الهنيهة، التي لا تتعدى جزءا بليونيا من الثانية عقب بداية الكون، وذلك من خلال إحداث اصطدام بسرعة الضوء بين شحنتين من البروتونات يولد حرارة وطاقة قوية مشابهة للجو الذي تلا انفجار الـبيغ بانغ.
ويفترض ان يفضي تصادم البروتونات داخل النظام الى كشف جزيئات خفية من بينها ذرة هيغز (نسبة الى العالم البريطاني بيتر هيغز) الحلقة المفقودة في سلسلة الجزيئات التي تكون المادة.
وقد تسمر العلماء شبابا ومسنين امام اجهزة الكومبيوتر وشاشات عملاقة عند طرفي النفق وقد بدت العصبية على وجوههم مشوبة بالاثارة وهم يشاهدون التجربة تنجح بسرعة قياسية جدا ليقطفوا ثمار اكثر من 11 سنة من التحضير لهذه العملية.
ويعتقد ان الـبيغ بانغ حصل منذ 15 مليار سنة عندما انفجر جسم صغير املس وحار بحجم قطعة نقدية في الفراغ مولدا ما يعرف الآن بـالمادة التي توسعت بسرعة مشكلة الكواكب والنجوم والحياة على كوكبنا.
وتعتبر سلسلة التجارب هذه اهم انجاز علمي للانسان منذ وصوله الى القمر في العام 1969. ويمضي العلماء في ابحاثهم على الرغم من اعتراض العديد من الناس المتخوفين من ان يفقد العلماء قدرتهم السيطرة على تجاربهم هذه، الامر الذي قد ينتج ثقوبا سوداء من شأنها ان تبتلع الارض وتضع نهاية لعالمنا. ولكن العلم دائما مخيف للجهلة، فقد كانوا يعتقدون مثلا في السابق ان الارض مسطحة ولولا الجهود العلمية لما توصل الانسان الى معرفة الكثير من الحقائق المحيطة به.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.