انا هنا اليوم بارادة من رجل، انا هنا اليوم بصرامة من رجل. العدالة سلعة ثمينة ولكن هشة في الوقت نفسه. اعلم ان الحقيقة تنتصر في النهاية.
بهذه العبارات لخص رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دوفيلبان امس للصحافيين، قبيل دخوله قاعة المحاكمة في باريس برفقة زوجته وابنه وابنتيه، موقفه من قضية كليرستريم ملمحا بـالرجل الى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يوجه اليه تهما بحياكة مؤامرة سياسية ضده لمنعه من الوصول الى سدة الرئاسة.
وانطلقت امس في باريس محاكمة دو فيلبان في قضية كليرستريم التي لا تزال اصداؤها تتردد في ردهات السياسة الفرنسية منذ أن بدأت ملامحها بالظهور وتطورت فصولا من العام 2004 الى اليوم. واطلق على هذه المحاكة اسم محاكمة القرن في فرنسا واعتبرت قضيتها طوال خمس سنوات حربا ضروسا بين وريثين سياسيين، طمحا في الوصول الى الاليزيه بعد الرئيس السابق جاك شيراك وهما دوفيلبان والرئيس الحالي نيكولا ساركوزي.
ومثل امس امام محكمة باريس اضافة الى كل من دو فيلبان وساركوزي (ممثلا بمحاميه)، اربعة متهمين آخرين ابرزهم الفرنسي اللبناني عماد لحود ورجل الاعمال الشهير جان لوي غيرغوران.
وفي تفاصيل فضيحة كليرستريم التي سميت نسبة الى مصرف في دوقية اللوكسمبورغ يحمل هذا الاسم، ان احدهم قام بتزوير حسابات بعض من المودعين السياسيين وكبار الصناعيين ورجال الاعمال في هذا المصرف من اجل توريطهم بقضية تلقيهم رشاوى في صفقة بيع اسلحة الى تايوان تمت في العام 1991. ومن ثم تلقى قاض فرنسي كبير يحقق في عمليات الفساد طردا من مجهول يحتوي على رسالة وقرص مدمج فيه لوائح مصرفية خاصة بشخصيات زعم بانها مرتشية ومن بين هذه الاسماء جاء اسم نيكولا ساركوزي (وزير الاقتصاد والمالية حينها اي في العام 2004) ما جعل القضية تأخذ منحى سياسيا وقام القاضي بفتح تحقيق في قضية بلاغ كاذب.
وجاءت ردة فعل ساركوزي الذي اتهمته الوثائق المزورة بالرشوة صارمة وادرك ان احدا من اخصامه السياسيين يحاول ان يعرقل وصوله الى قصر الرئاسة الفرنسي فاتجهت انظاره فورا الى دومينيك دو فيلبان الذي كان رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية في ذلك الوقت. وقام في العام 2006 برفع دعوى ضد غريمه السياسي بعد ان تصدرت القضية صفحات الصحف واعمدة المجلات.
وينفي دو فيلبان منذ ذلك الحين اي تورط له في هذه القضية، لكن دفاتر فيليب روندو الجنرال السابق في الاستخبارات الفرنسية تشير الى اجتماعات سرية عقدها دوفيلبان بخصوص اللوائح المزورة. ويعتبر روندو شاهدا اساسيا في المحاكمة التي يتوقع ان تترك اثرا بالغا على الشارع السياسي الفرنسي أيا تكن نتائجها، وخاصة ان دوفيلبان يتوقع ان يكون المرشح الرئاسي المنافس لساركوزي في يمين الوسط الفرنسي خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2012. والمتهم الاساسي بتزوير الوثائق هو خبير المعلوماتية الفرنسي اللبناني عماد لحود الذي تشير التحقيقات الى انه هو من قام بتزوير لائحات الحسابات المصرفية. ومثل في خانة الشهود اضافة الى روندو شرطي استخباراتي سابق متخصص بصون اسرار الطبقة السياسية العليا في البلاد وجاسوس متقاعد.
ويتوقع ان تستمر فصول المحاكمة التي بدأت امس حتى 23 تشرين الاول (اكتوبر) المقبل وهي تضم 18 شاهدا و41 مدعيا بينهم صحافي ومدقق حسابات سابق وجميعهم متهمون في حيازتهم ونقلهم اللوائح المصرفية. ويواجه دوفيلبان في حال ادانته عقوبة بالسجن تصل الى خمس سنوات وغرامة مالية تقدر بـ45 الف يورو، ومن آخر تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي السابق حول هذه المحاكمة عندما يأتي الموعد وتنجلي الحقائق فإن على ساركوزي ان يبرر اتهاماته وتعنته الذي سيكون له عواقب وخيمة على منصبه.
وهنا تفاصيل القضية بالأسماء
اطراف الادعاء:
ثمة 41 مدعيا بالحق المدني في هذه المحاكمة في طليعتهم بالطبع رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي وشخصيات فرنسية بارزة كرئيس الوزراء ووزير الاقتصاد السابق لوران فابوس ووزير الاقتصاد السابق ورئيس صندوق النقد الحالي دومينك ستروس كان ووزير الداخلية السابق جان بيار شوفينمان والنائب باتريك اولييه.
يقول بعض المراقبين ان ساركوزي كان على علم بوضع اسمه على لائحة كليرستريم المزورة في العام 2004 الا انه تحين الوقت المناسب للنيل من غريمه السياسي فانتظر الى ان روج الاعلام للقضية في العام 2006 حتى يرفع شكواه ساعيا الى توظيف القضية سياسيا في صالح حملته الانتخابية الرئاسية التي فاز بها العام 2007.
الشهود:
هناك عدة شهود ولكن ابرز الاسماء المعلنة ثلاثة هم:
ـ جنرال الاستخبارات السابق فيليب روندو الذي كان منسقا لاجهزة الاستخبارات ومشرفا على العمليات الخاصة في وزراة الدفاع عندما اوعز اليه دوفيلبان وزير الداخلية آنذاك اجراء تحقيق حول الشخصيات الفرنسية التي وردت اسماؤها في لوائح كليرستريم. وقد عثر المحققون في منزل روندو على معلومات تتعلق بالقضية وتشير الى ان روندو تلقى تعليمات من دوفيلبان والرئيس السابق جاك شيراك للتحقيق في الشخصيات المدرجة على اللوائح.
ـ مدير الاستعلامات الفرنسي السابق ايف برتران المتهم بأنه هو من اعد قوائم حسابات كليرستريم ويزعم عماد لحود انه زور هذه الوثائق في مكتب برتران الذي نفى اي تورط له في القضية. ولم تتمكن فرق التحقيق من العثور خلال تحقيقاتها وتفتيشها على ما يدين برتران في هذه القضية.
ـ القاضي رونو فان رويمبيك الذي كلف في العام 2001 التحقيق في قضية رشاوى متعلقة بصفقة العام 1991 للأسلحة في تايون وعندما بدأت فضيحة كليرستريم بالظهور على اعمدة الصحف اشارت المجلة الاسبوعية لوكانار انشينيه الى ان رجل الاعمال جان لوي غريغوران التقى فان رويمبيك في العام 2004 واخبره بوجود قوائم تضم اسماء شخصيات فرنسية متورطة في القضية. وبعد هذا المقال كتب الكثير عن فان رويمبيك ما دفع بوزارة العدل الفرنسية الى احالته على المجلس الاعلى للقضاء.
قفص الاتهام
ابرز المتهمين في قضية كليرستريم خمسة:
ـ رئيس الوزراء ووزير الداخلية السابق دومينيك دوفيلبان المتهم بتشويه سمعة ساركوزي ومحاولة النيل منه لأغراض سياسية. الادلة التي تشير الى تورطه تبدو من خلال قرص المعلومات الذي عثر عليه في مكتب جنرال الاستخبارات فيليب روندو واعترافات عماد لحود.
ـ النائب السابق لرئيس مجموعة إي آي دي اس الاوروبية للطيران والدفاع جان لوي غيرغوران المتهم بالتزوير والوشاية الكاذبة ويشتبه في انه الشخص المجهول الذي ارسل الوثائق واللوائح المزورة الى القاضي فان رويمبيك.
ـ خبير المعلوماتية الفرنسي اللبناني عماد لحود الذي كان يتولي منصبا في قسم المعلوماتية في شركة إي آي دي اس وله ايضا علاقات بالاستخبارات الفرنسية وكانت مجلة لو جورنال دو ديمانش الفرنسية في عددها الذي صدر في الثالث عشر من نيسان (ابريل) الفائت ذكرت ان لحود اعترف في التحقيق بأنه قام بتزوير اللوائح المصرفية بطلب من غيرغوران.
ـ المحاسب فلوريان بورج الذي كان يعمل في العام 2001 مستشار محاسبة في مكتب ارثر اندرسون وكان مكلفا مراقبة حسابات مصرف كليرستريم للتعويضات ويعتقد انه اوجد ثغرات في النظام المعلوماتي للمؤسسة المصرفية في اللوكسمبورغ وقام بتسليم وثائق ولوائح اسماء الى كل من الصحافي دوني روبير وخبير المعلوماتية عماد لحود. تهمته الاساسية في القضية هي سرقة وثائق والخيانة.
ـ الصحافي دوني روبير متهم بسرقة وثائق واستغلال الثقة عندما كان يجري تحقيقا صحافيا حول اعمال كليرستيرم فحصل على الوثائق من بورج ويعتقد انه سلمها الى لحود.
الشريط الزمني لأبرز محطات القضية:
[ ربيع العام 2004: ارسل مجهول وثائق ولوائح مصرفية الى القاضي رونو فان رويمبيك الذي كان يحقق في قضية رشاوى متعلقة بصفقة الاسلحة مع تايوان التي اجريت في العام 1991. وعلى هذه اللوائح وجد اسماء كبار السياسيين ورجال العمال والفنانين. وبينها اسم وزير الاقتصاد الفرنسي وقتها نيكولا ساركوزي.
الثالث من ايلول (سبتمبر) 2004 فتح فان رومبيك تحقيقا بوشاية كاذبة.
[ ربيع العام 2006: نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تقارير تؤكد أن جنرال الاستخبارات فيليب روندو اجرى تحقيقات حول شخص ساركوزي بطلب من دوفيلبان وشيراك.
[ حزيران (يونيو) 2006: اعترف جان لوي غيرغوران بأنه المجهول الذي بعث يالوثائق الى القاضي فان رويمبيك.
[تموز (يوليو) 2006: نفى فيليب روندو ما ذكرته صحيفة لوموند واكد عدم تلقيه تعليمات من دوفيلبان وشيراك للتحقيق حول ساركوزي.
[تشرين الاول (اكتوبر) 2006: نفى دومينيك دوفيلبان اتهامات وجهت اليه بأنه اتلف تقريرا لمديرية مراقبة القطر يحوي تأكيدات على ان غيرغوران هو من ارسل الوثائق المزورة الى فان رويمبيك.
[ آذار (مارس) 2007: اخبر غيرغوران قضاة التحقيق ان عماد لحود هو من سلمه الوثائق واللوائح المصرفية.
[ايار (مايو) 2007: مثل فان رويمبيك امام المجلس العلى للقضاء الفرنسي بسبب لقائه السري مع غيرغوران في العام 2004. وقال الجنرال روندو أن دوفيلبان أخبره بانه تلقى تعليمات من شيراك في 2004.
[حزيران (يونيو) 2007: رفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك المثول امام القضاة نافيا ان يكون اعطى اوامر بالتحقيق حول اي شخصية سياسية، مشيرا الى ساركوزي.
[تموز (يوليو) 2007: اوضح القرص الذي عثر عليه في مكتب روندو ان دوفيلبان هو وراء فكرة اللقاء بين غيرغوران وفان رويمبيك. واكد غيرغوران تورط دوفيلبان الذي نفى اي يد له في القضية او اي محاولة للنيل من غريمه السياسي ساركوزي.
[ايلول (سبتمبر) 2007: وجه دوفيلبان رسالة الى (الرئيس) ساركوزي مؤكدا له انه لم يقتنع يوما بتورطه في رشاوى الاسلحة.
[الثالث من حزيران (يونيو) 2008: اشارت النيابة العامة الى عدم وجود ادلة كافية ضد دوفيلبان وطلبت معلومات اضافية لتحديد اطر العلاقة بين رئيس الوزراء السابق وعماد لحود.
[ الثالث من تموز (يوليو) 2008: انتهت التحقيقات في القضية عقب استجواب آخر لدومينيك دو فيلبان.
[21 ايلول (سبتمبر) 2009: انطلقت المحكمة الرسمية المخولة اصدار احكام بحق المتورطين في القضية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.