8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فرنسا ـ أفغانستان: 8 سنوات من الوجود العسكري 89 عاماً من التعاون

لم يتوقف التعاون بين فرنسا وافغانستان منذ العام 1920 بعد اقل من عام على استقلال كابول عن لندن في 19 آب (اغسطس) 1919، على الرغم من الظروف الحالكة التي مر بها البلد الآسيوي منذ استقلاله حتى الآن، اذ واصلت المنظمات الفرنسية غير الحكومية تقديم الاغاثات والمساعدات الانسانية للسكان المدنيين على فترات مختلفة طوال ثمانين عاما. وتكثفت الصلات وتوطدت أكثر منذ ان ازاح التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية نظام طالبان عن السلطة في العام 2001.
وترافق فرنسا منذ العام 2002، تاريخ انخراطها في صفوف قوات الاطلسي وايساف لمواجهة الخطر الذي يشكله متطرفو طالبان على امن افغانستان ومستقبلها، النمو المطّرد للجيش الوطني الافغاني في مجالات عدة ابرزها الإعداد والتدريب وتقديم المعونة العملياتية للوحدات التي تتألف منها القوات الافغانية.
ويتزايد عديد القوات الفرنسية المشاركة في العمليات العسكرية في افغانستان بشكل دوري. وفي شباط (فبراير) 2009 بلغ عدد الجنود الفرنسيين المنتشرين في افغانستان زهاء 2800 جندي، ومع انتهاء شهر حزيران (يونيو) الفائت اصبح العدد 3300 عسكري. ومنذ بداية المهمات العسكرية الفرنسية في افغانستان العام 2002 حتى اليوم سقط 28 جنديا فرنسيا في ارض المعركة ضد طالبان. وتترأس فرنسا اليوم مهام القيادة في العاصمة الافغانية كابول وهي احدى القيادات الاقليمية الخمس التابعة للقوة الدولية للمساعدة الامنية (ايساف). وتتألف الفرقة الفرنسية الموجودة في كابول التي تضم قرابة 1400 عنصر، من قيادة أركان وفيلق وفوج قيادة ودعم وفصيل مروحيات. وتنظم هذه الفرقة منذ نهاية آب (اغسطس) 2008 التسليم التدريجي للمسؤوليات الامنية من القوات الدولية الى القوات الافغانية.
وتتمركز ثانية كبرى الفرق الفرنسية الموجودة في افغانستان في منطقة كابيسا الواقعة شمال شرق كابول. وهذه الفرقة تتألف من 600 عنصر ومكلفة مهمات تكتيكية وتقوم بإحلال الامن بالتنسيق مع الجيش الافغاني. أما الوحدات الجوية الفرنسية فتطلق عملياتها من القواعد العسكرية للقوات الدولية الموجودة في كل من قندهار (افغانستان) (تضم مقاتلات من طراز رافال اف2 وميراج 2000 دي) ومناس (قيرغيزستان) ( تحتوي 3 كاي سي 135 وهي طائرات مهمتها النقل وتعبئة الوقود للطائرات المقاتلة) ودوشانبي (طاجيكستان) (رافال وميراج 2000 دي). ومعظم هذه العمليات الجوية تأتي في اطار مساندة القوات البرية كما تستخدم ايضا في الاستعلامات والنقل والتموين.
وقد كثفت فرنسا في المدة الاخيرة علاقاتها الديبلوماسية مع افغانستان فتضاعفت الزيارات الثنائية الرفيعة سواء عبر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي او الوزراء في حكومة فرنسوا فيون او النواب في البرلمان الفرنسي وبالعكس (الزيارات الافغانية الى باريس). كما فتحت باريس لكابول ابوابا عالمية ونشطت القضية الافغانية على الساحة الدولية، وخير دليل إلى ذلك المؤتمر الدولي لدعم افغانستان الذي نظمته واستضافته العاصمة الفرنسية في حزيران (يونيو) 2008 وشارك فيه 85 بلدا ومنظمة دولية. وأتاح مؤتمر باريس اعادة التأكيد على دعم المجتمع الدولي لأفغانستان سياسيا وماليا وبدا ذلك واضحا من خلال الوعود بتقديم نحو 20 مليار دولار اميركي وتجديد الشراكة التي تتمحور حول اضطلاع الافغان المتزايد بالمسؤوليات في بلدهم.
ونظمت فرنسا ايضا اجتماعا اقليميا حول افغانستان وجيرانها في لاسل سان كلو في كانون الاول (ديسمبر) 2008 حرصت خلاله باريس على تشجيع وتعزيز التعاون الاقليمي واعطائه دفعا سياسيا جديدا. ويزعم الفرنسيون بان اسباب مشاركتهم في افغانستان تنبع من احترامهم التزاماتهم الدولية ومسؤولياتهم وقيمهم. وتقول وزارة الخارجية الفرنسية في هذا الصدد ان فرنسا وهي عضو دائم في مجلس الامن انخرطت في أفغانستان الى جانب 40 دولة بينها 25 من اصل 27 بلدا تشكل الاتحاد الاوروبي، وذلك تلبية لطلب من السلطات الافغانية وبناء على تفويض من الامم المتحدة، موضحة اننا نساهم بذلك طبقا لمبادئنا وقيمنا في الدفاع عن حقوق الانسان وتحسين اوضاع المرأة.
وتضيف فرنسا في تقرير رسمي لوزارة خارجيتها توضح فيه اسباب انخراطها في افغانستان يجب الا تعود افغانستان الى ما كانت في عهد طالبان فريسة وملاذا للارهاب الدولي. يجب صون هذا البلد من الفوضى والاستبداد. ان فرنسا، اذ تكافح هذه التهديدات انما تعمل ايضا للحفاظ على امنها الذاتي. ان افغانستان بلد عانى الحروب على مدى عدة عقود ويجب ان يعاد إعماره بشكل كامل (البنى التحتية ، الاقتصاد، الانظمة التربية والصحية). فرنسا تساهم مساهمة مجدية في هذا الجهد وفاء لتاريخ عريق من الصداقة والتضامن الفرنسي مع الشعب الافغاني وبغية ان يستعيد الأفغان بأسرع ما يمكن التحكم بمصيرهم.
وبالنظر الى مدى الدعم الذي قدمته فرنسا للمساهمة في إعادة إعمار افغانستان، نجد ان المساعدات الحكومية الفرنسية كانت فاعلة في السنوات الاخيرة في الداخل الافغاني. ومن ابرز ما ساهم به الفرنسيون حتى الآن انشاؤهم المعهد الطبي الفرنسي للأطفال في كابول ومشروع لاعادة تأهيل نظام نقل الدم ونصب شبكة تعاون مع المستشفيات الجامعية. وعلى الصعيد التربوي تساند فرنسا المدارس الفرانكوفونية في كابول مثل مدرسة استقلال (للصبيان) ومدرسة ملالاي (للبنات)، وتساهم ايضا في تعليم اللغة الفرنسية في جامعة كابول. ويساعد الفرنسيون الافغان في تنظيم تشغيل البرلمان والمؤسسات الدستورية وتوفير الاعداد والتدريب اللازم للموظفين العاملين في مجال القضاء، كما يقومون بدورات تدريب لرجال الشرطة الافغان ويزودونهم التجهيزات اللازمة ولا سيما في مجال مكافحة المخدرات. كما تخصص فرنسا برامج لتطوير القطاع الخاص داخل البلاد وذلك عبر تمويل القروض الصغيرة لتشجيع النشاط المحلي، كما اولت اهمية خاصة للقطاع الزراعي الافغاني فأنعشت بمساعداتها زراعة القطن وطورت زراعة البساتين وقدمت دعما مؤسساتيا لوزارة الزراعة الافغانية.
ومن الناحية الثقافية تساعد فرنسا الافغان في الحفاظ على تراثهم. وهي اطلقت في هذا الاتجاه عددا من انشطة التعاون في مجالي الآثار والتقنيات السمعية والبصرية. وتعترف الحكومة الفرنسية بالدور المهم الذي تلعبه المنظمات الفرنسية غير الحكومية في إعادة إعمار افغانستان ولا سيما في توزيع المساعدات الانسانية والغذائية.
ووعدت الخارجية الفرنسية في بيان رسمي بتكثيف المساعدات الفرنسية لأفغانستان خلال السنوات المقبلة. وقالت سوف تزداد المساعدات الفرنسية خلال السنوات الثلاث المقبلة. وستكون الاولوية للزراعة والتربية والصحة وهي مجالات اساسية لتحسين الظروف المعيشية للسكان. واذا نظرنا الى الوضع الداخلي الافغاني من منظار اشمل لرؤية منجزات النشاط الدولي ككل في افغانستان، نجد ان الفرنسيين وحلفاءهم وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا تمكنوا من تحقيق ست نقاط ايجابية ستؤثر بشكل ايجابي في مستقبل افغانستان:
اعادة دولة القانون وتحسين القضاء وترسيخ الديموقراطية: افغانستان اليوم على ابواب انتخابات رئاسية ستجري في آب (اغسطس) المقبل، وذلك بعد خمس سنوات على الانتخابات الرئاسية السابقة في 2004 والتي شارك فيها سبعون في المئة من الافغان. وفي العام 2005 شهدت البلاد انتخابات تشريعية، وفي العام 2002 عاد خمسة ملايين لاجئ افغاني الى بلادهم. كما ساهمت الاسرة الدولية في تنفيذ البرنامج الوطني الافغاني للتضامن والذي نجم عنه انشاء المجالس التكافئية المختلطة في اكثر من 20 الف قرية.
العمل على احترام حقوق الانسان واحترام حرية التعبير وتحسين اوضاع المرأة: يحمي الدستور الافغاني الذي اقر في كانون الثاني (يناير) 2004 حقوق الانسان وحقوق المرأة، ويضمن القانون حرية التعبير ويوجد اليوم في افغانستان اكثر من 400 صحيفة و80 اذاعة راديو واكثر من 30 قناة تلفزيونية. وتشكل النساء نسبة 27 في المئة من البرلمان الافغاني.
تحقيق تقدم في مجال الطبابة والاستشفاء: انخفض معدل وَفَيَات الاطفال بنسبة 25 في المئة منذ العام 2001 اي بمعدل انقاذ 40 الف طفل كل عام. وتم تدريب وتأهيل اكثر من 10 آلاف افغاني يعملون في مجال الصحة ونصف هؤلاء من النساء. كما امنت الاسرة الدولية وصول مياه الشرب لأكثر من 20 في المئة من السكان عبر انشاء 10 آلاف محطة مائية.
تشجيع التنمية الاقتصادية: نما الاقتصاد الافغاني نموا كبيرا في المدة الاخيرة بفضل دينامية قطاعي الخدمات والبناء، وزاد الناتج المحلي المجمل بنسبة سبعين في المئة منذ العام 2001. كما انتعش انتعاشا ملحوظا الانتاج الزراعي ولا سيما الارتفاع في محاصيل القمح والقطن والزعفران.
اعادة تأهيل البنى التحتية: اعيد تأهيل اكثر من 13 الف كلم من الطرق وتضاعف انتاج الكهرباء ثلاث مرات منذ العام 2002.
توفير الحصول على التحصيل العلمي: ساعمت الاسرة الدولية في تأمين التعليم المدرسي لقرابة ستة ملايين طفل بينهم اكثر من مليوني فتاة. وتم بناء 3600 مدرسة في شتى انحاء افغانستان منذ العام 2001.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00