شدد السفير الفرنسي لحقوق الانسان فرنسوا زيمراي الذي يعمل ضمن فريق وزارة الخارجية الفرنسية الى جانب وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ووزيرة الدولة لحقوق الانسان راما ياد على ان الاعتقالات في السجون السورية لا تشكل انتهاكا للقوانين الدولية والمعايير الاخلاقية فحسب، بل انها تشكل انتهاكا للقوانين السورية ايضا. وقال في حوار أجرته معه المستقبل في باريس ان فرنسا لا توفر اي فرصة لتذكير سوريا بضرورة اطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين لديها، مؤكدا ان فرنسا تود ان تكون الانتخابات النيابية في لبنان حرة ونزيهة وتجرى في اطار ديموقراطي، مؤكدا ضرورة وجود دولة للفلسطينيين.
وفي ما يأتي نص الحوار
[ لماذا قررتم مغادرة قاعة الاجتماعات في مؤتمر دربان خلال القاء الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد خطابه ؟
ـ غادرنا القاعة لأنه من غير المقبول رؤية رئيس دولة يطالب بإزالة دولة اخرى عضو في منظمة الامم المتحدة وينكر ايضا حقيقة الهولوكست (محرقة اليهود في المانيا النازية). اود هنا القول ان اسرائيل ليست فوق القانون الدولي. لا أحد فوق القانون الدولي. في إمكاننا انتقاد اسرائيل مثل اي بلد آخر، في إمكاننا انتقاد سياستها او التنديد بتصرفات ادارتها. لكن الانتقاد والطعن بشرعية دولة وطلب اعادة النظر في شرعية هذه الدولة العضو في الامم المتحدة منذ ستين عاما ، أمر غير مقبول. ومن غير المقبول ايضا ان نرى رؤساء بعض الدول يستغلون الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني لمصلحتهم ويعملون على استغلال معاناة الفلسطينيين لتحويل أنظار شعوبهم عن المشكلات الداخلية في بلدانهم واخفاء انتهاكاتهم لحقوق الانسان.
واضاف ثمة انتهاكات لحقوق الانسان يوميا في مناطق مختلفة والصراع الاسرائيلي الفلسطيني ليس المشكلة الوحيدة في هذا العالم. لماذا نتجاهل المشكلات الاخرى ونسلط الضوء دائما على هذه المعضلة بالذات. هذا ليس عدلا ليس فقط بالنسبة لإسرائيل والاسرائيليين، ولكن هذا غير عادل بالنسبة لكل الضحايا الذين يسقطون بشكل دوري في صراعات اخرى في العالم مثل سريلانكا والتيبت وبورما ودارفور ومناطق عدة اخرى، لكن بالكاد نتكلم عنها. ولكننا نركز بهوس على نقطة واحدة على الدوام وكأنه لا وجود لغيرها. هذا منطق لم نعد نقبله بتاتا.
[ لكن اسرائيل ايضا قامت وتقوم بانتهاكات لحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية؟
ـ بالطبع، ثمة انتهاكات لحقوق الانسان في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني من قبل الطرفين. وانا لا انكرها. نحن شددنا على الاسرائيليين على انه يجب التوصل الى حل سياسي. نحن نفهم ان الاسرائيليين لا يقدرون على تحمل الصواريخ التي تهاجم بها (حماس) اراضيهم واعتقد انه لا يوجد بلد في العالم ايضا يقبل بهذا. وايضا حماية شعبهم هي من حقوق الانسان وواجباتهم تجاه مواطنيهم. لكن هذا لا يعني ان تستبيح اسرائيل كل شيء وان ترد على هذه الاعتداءات بالطريقة التي عمدت اليها وفرنسا قد اعلنت رأيها بشأن رد فعل اسرائيل واعتبرته غير موزون. لكن من الناحية الاخرى عندما ننظر الى حركة (حماس) وتجنيدها أطفالا او مراهقين لتنفيذ عمليات انتحارية او لاستخدامهم كدروع بشرية هذا يشكل في ذاته انتهاكا صارخا لحقوق الانسان. انها جريمة بحق الانسانية وبحق الطفولة. ان زعماء هذه المنظمات يستغلون هؤلاء الاطفال والمراهقين لمصالحهم الشخصية.
[ اذا ما الحل لهذا الصراع برأيك؟
ـ نحن نرغب في حل سياسي وهذا الحل السياسي كما نراه هو بوجود دولتين فلسطينية واسرائيلية. اريد انا هنا ان اسألك كيف يمكنك ان تكون مواليا لفلسطين دون ان تكون مواليا لاسرائيل ولماذا يجب ان نقف الى جانب دولة منهما ضد الأخرى؟ اذا دعمنا حق كل شعب منهما ليحصل على دولته فإن هذا سيكون صحيحا وعادلا للفلسطينيين وكذلك للاسرائيليين. كيف يمكننا ان نكون اصدقاء لاسرائيل دون ان ندعم الفلسطينيين؟ ما هو مستقبل اسرائيل اذا لم تقدر على العيش بسلام مع جيرانها؟ وما هو مستقبل الفلسطينيين هل هو في البقاء في حالة حرب مع اسرائيل؟ الجواب بالطبع هو لا، لأننا اذا كنا فعلا اصدقاء للفلسطينيين يجب ان نعمل لبلوغ سلام مع اسرائيل والاعتراف بها كدولة. اذا الداعمون لاسرائيل والداعمون لفلسطين لا يتعارض احدهم مع الآخر، لأن الداعمين الحقيقيين لاسرائيل هم حكما داعمون حقيقيون لفلسطين وبالعكس. واسرائيل يجب عليها مضاعفة جهودها لوقف توسيع المستوطنات وبنائها في الاراضي الفلسطينية.
[ بالأمس عادت الولايات المتحدة الاميركية الى مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة. ماذا يمكن ان تحمل معها هذه العودة بنظرك؟
ـ عضوية الولايات المتحدة ستعطي صدقية وقوة اكبر لمجلس حقوق الانسان. هذا المجلس هو مبادرة جيدة، لكنه لم يتمكن حتى الآن من كسب صدقية منظمة حديثة ولدت العام 2006 عبر منهاج جديد وهي في طور كسب الصدقية. وهذا جيد ان تنضم اليه دول مثل الولايات المتحدة ولا سيما ان ادارة اوباما اوضحت رغبتها في العودة مجددا لاحترام حقوق الانسان.
[ هل في إمكانك اعطاؤنا فكرة عن كيفية انتخاب الدول لعضوية هذا المجلس؟
ـ مشكلة مجلس حقوق الانسان هي نفسها مشكلة الامم المتحدة وهي اعتماد منطق المجموعة الجغرافية الذي يأتي ببعض الاحيان بمرشحين مفاجئين اي ببلدان لا تملك سمعة جيدة في سجل حقوق الانسان لأن التعامل اقليميا يمكن ان يخلق مشكلات. على سبيل المثال ثمة مشكلات كثيرة عمل المجتمع الدولي على حلها بما يتناسب والوضع في منطقة جغرافية ما بشكل عام. لكن يجب الانتباه كي لا تنكسر عالمية حقوق الانسان. يجب حماية عالمية حقوق الانسان التي هي في صميم الاعلان العالمي لحقوق الانسان في العام 1948 والذي شارك في وضعه رجل قانون لبناني كبير (شارل مالك) . هذه العالمية تقول ان العالم هو اسرة انسانية واننا كلنا افراد في هذه الاسرة ولكل فرد مكانه في هذا المنزل. واللعبة كانت دوما لعبة المتطرفين تماما مثل اي صف مدرسي يوجد فيه طلاب مشاغبون وطلاب معتدلون، والمشاغبون على الرغم من قلتهم، الا ان في إمكانهم التأثير سلبيا وتجنيد زملاء جدد لهم من المعتدلين، هذا هو تقريبا المنطق نفسه بالنسبة للدول. وهذا يقود الى راديكالية في الخطاب وفي بعض الاحيان الى مهزلة رسمية. يوجد في العالم بلدان ديموقراطية معتدلة مثل السنغال والبرازيل لديها كفاءة وايضا يمكنني ان اذكر هنا لبنان الذي لديه كفاءات في مواضيع مختلفة يمكنه التنافس فيها مع اوروبا، كل هذه البلدان كما قلت آنفا محكومة بموقعها الجغرافي ووضعها الاقليمي الذي يجعل منها ممثلة في كثير من الأحيان عبر بلدان مجاورة لها لا تشاطرها في غالب الاحيان القيم نفسها.
[ اعدمت ايران منذ ايام دبلارا دربي على جريمة ارتكبتها عندما كانت قاصرا. كيف ترى اليوم وضع حقوق الانسان في هذا البلد؟
ـ نحن نعارض تماما عقوبة الاعدام لأن هذه العقوبة تعتبر انتقاما نهائيا للمجتمع من شخص ما. وعندما ينفذ هذا الانتقام بحق فتاة على جريمة ارتكبتها عندما كانت في سن السابعة عشرة، فإن صدمة هذه العقوبة تأتي اقوى. وعندما تنفذ العقوبة بطريقة بربرية فإنها فعلا مثيرة للاشمئزاز. نحن ندين هذا النوع من الاعدام ولقد ابلغنا الايرانيين عن رفضنا هذا الاعدام قبل تنفيذه. وهذا يعطي صورة سلبية عن هذه الحضارة الكبيرة. على الايرانيين بذل جهود جبارة للعودة ببلادهم الى الاسرة الدولية والالتقاء مجددا بالقوانين الدولية لحقوق الانسان.
[ لا يمر يوم الا ويطالب فيه اهالي المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية باطلاق سراح ابنائهم او على الاقل معرفة مصيرهم. اضف الى ذلك لا وجود لحرية الصحافة في سوريا. كيف تقوم وضع حقوق الانسان في سوريا؟
ـ سوريا بلد وقع على اتفاقيات كثيرة تحمي حقوق الانسان. ولا يوجد اي شيء يبرر سلوك او تصرف السلطات السورية. نحن نأمل في الشهور المقبلة، اعني في المستقبل القريب، ان يحدث هناك تطور ملموس في السياسة السورية لتبلغ المقاييس العالمية لجهة احترام حقوق الانسان. وفي الوضع الراهن هذه المقاييس غير معمول بها. هذه الاعتقالات وغياب حرية الصحافة يضران بسمعة سوريا. لا يمكننا من جهة ان ندين المعتقل في غوانتانامو وان نرضى به في مكان آخر. واذكر هنا ان فرنسا كانت في طليعة البلدان التي طالبت بتبني قرار دولي ضد الاختفاء القسري وهو موضوع تمت معالجته في الارجنتين وبعض بلدان اميركا اللاتينية التي عانت من اعتقالات مشابهة عندما كانت ترزح تحت حكم ديكتاتوري كحكم بينوشيه على سبيل المثال، وللأسف هذا ما زال يحصل اليوم في اماكن اخرى. اذا هذه التصرفات غير مقبولة في دولة تحترم القانون ويجب هنا ان اشير الى ان هذه الاعتقالات (في السجون السورية) لا تشكل انتهاكا للقوانين الدولية وللمعايير الاخلاقية فحسب بل انها تشكل انتهاكا للقوانين السورية ايضا، وهذا أمر مهم جدا يجب الاشارة اليه. لقد وقعت سوريا الاتفاقيات الدولية التي تجعل من هذه التصرفات غير مشروعة. اذا هذه التصرفات وهذه الانتهاكات ليست ضد القانون الدولي فحسب، بل ضد القانون السوري ايضا، وفرنسا لا تهدر اي فرصة لتذكير سوريا، التي تربطنا بها علاقات صداقة تاريخية، خلال اي محادثات مشتركة بضرورة اطلاق سراح هؤلاء الاسرى. واود هنا ان اذكر الجميع بأننا قد دخلنا الى عالم جديد حيث هذا النوع من الانتهاكات يصبح يوما بعد يوم غير مقبول ابدا. وفرنسا ستتضامن على الدوام وتقف الى جانب المدافعين عن حقوق الانسان في سوريا كما في بلدان اخرى.
[ ماذا عن الانتخابات النيابية اللبنانية التي ستجري في السابع من حزيران (يونيو) المقبل؟
ـ اود ان نرى انتخابات حرة ونزيهة تجري في اطار ديموقراطي بحت وان تكسب الحرية مساحة لها لأني اؤمن ان هذا ما يرغبه الشعب اللبناني بجميع اطيافه. واود ان ارى الضغوط تزول والتعصب المذهبي يخرج الى غير عودة. ان كل انتخابات يجب ان تكون مناسبة لتكريم حرية التعبير والاختيار واود ان يكون التسامح هو المنتصر الاكبر لأن الصراع في العالم اليوم هو ليس صراعا بين الغرب والشرق او بين الغرب والاسلام بل هو صراع بين التسامح والظلامية.
[ نجد دائما ان النوع نفسه من الانظمة الشمولية ينتهك حقوق الانسان ويكتم الكلمة ويمكننا ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر النظام في كوريا الشمالية ومعاقبة ناشطي حقوق الانسان في بورما. وفي كل هذه البلدان نجد انظمة شيوعية او رواسبها. وكلها انظمة تشكل خطرا على قيمة حياة الانسان. هل يوجد اي خطوات او مشاريع لحمل هذه الانظمة على تغيير سلوكها؟
ـ ان كل هذه الانظمة التي تتحدث عنها تتستر وراء خصوصيتها. انهم يقولون نحن لدينا قيم خاصة بنا ندافع عنها سواء دينية او اقليمية. مثلا في آسيا سمعنا على الدوام بما يعرف بالقيم الآسيوية وانا احب ان اجابه بقوة مثل هذه الافكار لأنه لا يوجد احساسان مختلفان للشعور بالتعذيب في فرنسا وفي روسيا وفي سوريا وفي كولومبيا. لا يوجد امرأة واحدة ترى ان من الطبيعي ان يعتدى عليها باسم التقاليد. ان حقوق الانسان عالمية لأن الانسان عالمي ومعاناته عالمية. لا يوجد رجل في العالم يرضى بأن يرمى في السجن بدون سبب وبدون اجراء تحقيق انى كان سواء في لبنان او في سوريا او اسرائيل او فرنسا او في اي مكان. يجب حتما الكفاح والاعتراض والوقوف في وجه خطابات زعماء يزعمون بان العالمية ترتدي زي الاستعمار وان قيم حقوق الانسان هي قيم غربية. انا اسأل هؤلاء القادة الذين يعتقدون ان حماية حقوق الانسان هي قيم غربية اذا كنتم تعانون انفسكم من وسائل التعذيب او اذا هتك عرض بناتكم او زوجاتكم او اذا اعتقل ابنكم فقط لمجرد ابدائه رأيه واصبحتم تجهلون مصيره هل ستصرون على موقفكم ان حقوق الانسان هي قيم غربية او انكم حينها ستتمردون.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.