استضاف مركز الصحافة العربي في باريس امس وزير الخارجية الفرنسي السابق اوبير فيدرين السياسي الاشتراكي الذي استلم حقيبة الخارجية في حكومة رئيس الوزراء الفرنسي السابق ليونيل جوسبين بين عامي 1997 و2002.
ويعتبر الوزير الفرنسي السابق من اهم المطلعين على السياسة الاميركية وتربطه علاقات بفريق الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما، وله كتابين حول السياسة الخارجية الاميركية الاول صدر عام 2000 بعنوان القوة الاميركية العظمى والثاني عام 2003 وحمل عنوان في مواجهة القوة العظمى.
وتمحور مؤتمره الصحافي على النقاط والاسئلة التالية: كيف ستكون السياسة الخارجية الاميركية غدا؟ ما هي الاوجه التي ستختلف فيها عن السياسة الخارجية التي اتبعت في ولايتي جورج بوش؟ ما ستكون الاولويات الديبلوماسية للادارة الجديدة؟ هل نتوقع تغييرات نوعية وجدية وما ستكون؟ هل يمكننا بالاسماء الحالية التي اختارها اوباما لادارته ان نرسم بعض ملامح الصورة المقبلة للاستراتيجية الاميركية المتعلقة بحربي العراق وافغانستان ومحادثات السلام في الشرق الاوسط؟
بداية، نبه فيدرين الى ان الاميركيين يعرفون ان رئيسهم الحالي جورج بوش فشل في ادارة البلاد ولكن المشكلة الحقيقية ان غالبيتهم لا تعرف لماذا، وان كل ما يعرفونه الآن ان اول اولوية لرئيسهم المنتخب باراك اوباما هي ترميم صورة اميركا كدولة عظمى امام العالم.
وسخر فيدرين من ادارة بوش ومن فقرها الديبلوماسي خلال السنوات الثماني الماضية وكيف ان المحافظين الجدد الذين يرغبون في فرض مبادئهم وديموقراطيتهم على العالم صالوا وجالوا في ادارة بوش كما يحلو لهم وولدوا ضغطا هائلا على السياسيين الاخرين. وضرب مثالا على ذلك وزير الخارجية السابق كولن باول الذي وجد نفسه مضطرا الى ترداد اكاذيب حرب العراق ومن ثم ترك الوزارة وصوت في الانتخابات الحالية ضد حزبه ومرشحه ماكين معلنا ثقته بأوباما.
وحذر فيدرين من الاسترسال في الاحلام القائلة ان اوباما سيكون هو المنقذ والمخلص، ودعا الى اخذ الامور بروية والنظر اليها بواقعية اكبر. وقال لا يجب التسرع في الحكم على اوباما. انني لا اقول هنا انه لن يقوم بتغييرات ولكن حذار من المبالغة في تعليق الآمال عليه فهو لديه العديد من المشاكل الصعبة ولا احد يعرف كيق ستسير معه الامور في السنوات الاريع المقبلة.
واشار فيدرين الى الصفة التي تميز اوباما عن باقي السياسيين الاميركيين او من سبقوه في البيت الابيض، فهو، بحسب الوزير الفرنسي، يأتي من جذور وبيئة مختلفة وهو هادىء ورصين ولا ينفعل بسهولة. وشبه فيدرين الرئيس الجديد بالرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون قائلا انه ذكي جدا مثل كلينتون. واوضح الديبلوماسي الفرنسي لماذا هو متفائل بأميركا افضل مع اوباما بالقول انه رجل يفكر كثيرا قبل اتخاذ اي قرار. وهذه علامة جيدة تدل على انه براغماتي وقادر فعلا على ترميم صورة اميركا في العالم. فهو قال مثلا انه منفتح على حوار مع الرئيس الايراني، في حين ان بوش وادارته لم يكونا يريدان التفاوض لا مع حماس ولا مع حزب الله ولا مع طهران ولا مع كوبا ولا مع طالبان.. ولا مع احد. لقد كانوا فعلا عقيمين جدا ديبلوماسيا.
وعما سيقوم به اوباما على الساحة الخارجية، قال فيدرين انه ربما سيزيد عديد القوات الاميركية في افغانستان ويضع خطة للانسحاب من العراق بمساعدة القادة العسكريين هناك، وسيتعامل مع روسيا كصديق تساعده في الوقوف في وجه العملاق الصيني والتطرف الاسلامي.
وشدد فيدرين مرارا خلال كلامه على ان الاولوية الاولى والمطلقة لأوباما وادارته ستكون الافتصاد، وعليه فان الادارة المقبلة ستكون مجبرة على توطيد علاقاتها الديبلوماسية بالصين. ولذا فالعلاقة بأوروبا والسياسة في الشرق الاوسط ستكونان ثانويتان جدا مقارنة بالعلاقة مع الصين والخروج من مستنقع الازمة الاقتصادية.
ولدى سؤاله عن محادثات السلام الفلسطينية ـ الاسرائيلية ، كان جواب فيدرين متشائما اذ اكد ان هكذا نوع من المحادثات لن يصل ابدا الى نتيجة وانه كله مجرد بيع كلام ولا يجب على احد ان ينتظر شيئا يرجى منه. فمحادثات تريد فعلا التوصل الى سلام تتطلب سياسيا اسرائيليا يشبه اسحق رابين اي سياسيا يملك الشجاعة على تطبيق الاشياء على الارض من دون الالتفات الى المتطرفين الذين لا يريدون العيش مع الفلسطينين ابدا. وفي الجهة المقابلة على الفلسطينيين المشرذمين حاليا ان يكونوا صفا واحدا وان يتقبلوا فعلا فكرة التعايش مع دولة اسرائيلية يعترفون بها قائمة الى جانبهم وان ينسوا امر ان هذه الارض كانت ملكهم في السابق. وكل هذا يجب ان يتم تحت جناح قيادة حكيمة في واشنطن ليصل الى النتيجة المرجوة، اذ ان السياسي الاسرائيلي الشجاع اذا وجد سيتحجج اولا في حال اراد السلام ان واشنطن تقف الى جانبه في هذه الطريق.
وحول قرار الاتحاد الاوروبي الاخير رفع مستوى العلاقات الاوروبية باسرائيل، قال هذه متابعة لسياسات اميركية. ان الاتحاد الاوروبي يتبع سياسات بوش..ولكن سيقع الاوروبيون في ورطة اذا ما تبين ان سياسة اوباما تجاه اسرائيل ستكون مختلفة. فعليهم اذا النظر في ما قرروه.
وعن رأيه في ما قاله اوباما عن القدس في خطابه الشهير امام ايباك مجمع اللوبي الاسرائيلي في اميركا، قال انه يعتقد ان اوباما كان مجبرا كأي سياسي اميركي بالتفوه بكلمات داعمة لاسرائيل، وجزم انه على ثقة ان اوباما لن يكون اسوأ من بوش مع الفلسطينيين فبوش على حد قوله اعطى كارت بلانش لليكود هناك.
وعن المفاوضات بين دمشق وتل ابيب، قال فيدرين أنه ليس معلوماً مدى استعداد الطرفين للوصول الى سلام حقيقي وانه يعتقد ان هذا سيكون مرتبطا مباشرة بالضغوط التي تمارسها اميركا والاتحاد الاوروبي على العلاقة السورية ـ الايرانية.
وحول مؤتمر الخيار العالمي صفر الذي أطلقه باحثون وديبلوماسيون اميركيون الاثنين والثلاثاء الماضيين في باريس، ابدى الوزير الفرنسي تشائمه وقال انه لشيء جميل ان نردد كلاما يهدف الى نزع الاسلحة النووية. انه كلام جذاب وجيد ولكن للاسف لا اعتقد ان اسرائيل مثلا ستتخلى عن سلاحها النووي ولا ارى الصين او روسيا تفعلان شيئا كهذا. وقعت الكثير من اتفاقيات تخفيض التسلح وحظر انواع من الاسلحة. ولكن المال له الكلمة الفصل في النهاية فصفقات الاسلجة ولا سيما الخطرة مربحة للغاية، ولهذا لن يتغير اي شيء في سياسات دول العالم النووية.
وكان المؤتمر الدولي الخيار العالمي صفر اختتم اول من امس في فندق باريسي. واطلق المؤتمر مراكز ابحاث اميركية برعاية وتمويل مجموعة من السياسيين القدامى من بينهم وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر. ويهدف الاميركيون من وراء هذه المبادرة الى تحريك الرأي العالمي عبر توقيع عريضة وعرض فيلم وثائقي يبين الى اي مدى يعيش العالم في خطر اسلحة الابادة الجماعية.
وعلمت المستقبل من احد المجتمعين ان سبب اختيارهم باريس لعقد الاجتماع هو بالدرجة الاولى المبادرة التي اطلقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عبر رسالة وجهها الى الامين العام للامم المتحدة بان كي مون في 5 كانون الاول (ديسمبر) الجاري يطالب فيها الامم المتحدة للتحرك باتجاه نزع الاسلحة النووية.
وكان ساركوزي توصل الى اقناع الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي بضرورة التحرك باتجاه نزع اسلحة الدمار الشامل ولا سيما النووية، وقد وقع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي مطلع الاسبوع في العاصمة البلجيكية بروكسيل على نص يتضمن 18 نقطة بعنوان الاعلان المتعلق بتعزيز الامن الدولي.
وسيتم جدولة اقتراحات الرئيس الفرنسي التي تبناها الاوروبيون على اعمال المؤتمر الذي يستعرض اتفاقية عدم انتشار الاسلحة النووية المنتظر عقده عام 2010.
ويتضمن النص الذي وقعه الوزراء الاوروبيون طلبا واضحا بالتحقيق بسرعة وبدون اي تأخير في الاتفاقية التي تحظر انتاج المواد الانشطارية التي تستعمل في صنع الاسلحة النووية والعمل على وقف انتاج هذه المواد. كما يعتبر النص انه في اتجاه تحسين العلاقات الاوروبية الروسية يجب اعادة تجديد معاهدة خفض الاسلحة الاستراتيجية الموقعة بين الطرفين والتي تنتهي في مثل هذا الشهر من العام المقبل 2009. كما يوجد بند آخر في غاية الاهمية يطالب فيه الاوروبيون بتصديق عالمي على الاتفاقية التي تحظر تماما التجارب النووية، وهي اتفاقية وقعتها واشنطن ولكنها لم تصادق عليها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.