8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مداهمات أمنية في باريس وبروكسل

تستمر فصول المعارك بين قوى الأمن الأوروبية وأفراد الشبكات الإرهابية المولودة من رحم الانقسام الحاد في بنية المجتمعات الأوروبية، بين أهالي القارة الأصليين والمهاجرين اليها من شمال القارة الأفريقية.
ولفت أمس اتهام وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون لشرطة بلاده بالمسؤولية عن الفشل في تعقب متشدد من تنظيم داعش، طردته تركيا في العام الماضي وفجّر نفسه في مطار بروكسل أخيراً.
وفي آخر حلقات هذا المسلسل الذي يحمل هذه الفترة عنوان داعش، أن الشرطة الفرنسية أحبطت في الـ48 ساعة الماضية مخططاً إرهابياً كبيراً لا علاقة مباشرة له بهجمات بروكسل الأخيرة ولا بهجمات باريس (في تشرين الثاني الفائت)، كما أوقفت الشرطة البلجيكية بعد مداهمات طوال يومي الخميس والجمعة ما لا يقل عن 8 مشتبه في أنهم إرهابيون.
الجديد في قضية اعتداءات بروكسل الأخيرة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حددت هوية الإرهابي الثالث في المطار الذي ظهر في الكاميرات مرتدياً سترة بيضاء أو بيج وقبعة قاتمة لكنها لم تعلن اسمه. وبحسب بعض وسائل الإعلام الأوروبية فهو قد يكون الإرهابي الفار محمد عبريني، لكن مصادر أمنية استبعدت هذا الأمر وأبقت مهاجم المطار الغامض تحت خانة مجهول. وأعلن وزير العدل البلجيكي كوين غينز أمس أن صلاح عبد السلام أحد منفذي هجمات باريس والموقوف لدى الشرطة البلجيكية منذ الأسبوع الماضي يرفض منذ وقوع اعتداءات بروكسل الحديث الى المحققين.
وأكدت السلطات البلجيكية مجدداً هويات الإرهابيين الانتحاريين الذين نفذوا اعتداءي المطار والمترو يوم الثلاثاء الماضي وهم الشقيقان خالد البكراوي (مترو)، وابراهيم البكراوي (مطار) ونجم العشراوي (مطار). والأخير تم التأكد من العثور على آثار حمضه النووي (دي أن أي) على الأحزمة الناسفة التي استخدمها الإرهابيون في اعتداءات باريس في تشرين الثاني الفائت، مما يؤكد أنه خبير في صنع المتفجرات للشبكة الداعشية.
وفي باريس، أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قرب القضاء على الشبكة التي ارتكبت اعتداءات باريس وبروكسل، موضحاً في الوقت نفسه أن هناك شبكات أخرى لا تزال تشكل تهديداً.
وقال هولاند لقد حققنا نتائج في عملنا للعثور على الإرهابيين وتم اعتقال عدد من الأشخاص، أكان في بروكسل أو باريس. وأضاف نعلم أن هناك شبكات أخرى، لأنه حتى ولو أننا نقترب من القضاء على الشبكة التي ارتكبت اعتداءات باريس وبروكسل (...) فلا يزال هناك تهديد قائم.
وأعلنت الحكومة الفرنسية منذ مساء الخميس أنها أحبطت مخططاً جديداً لارتكاب اعتداء إرهابي على الأراضي الفرنسية وأوقفت مشبوهاً أدين في بلجيكا غيابياً خلال الصيف الفائت بتهم متعلقة بالإرهاب. وأفادت مصادر الشرطة الفرنسية أن الفرنسي رضا كريكت (34 عاماً) أوقف الخميس في بولونيه - بيلانكور (غرب منطقة باريس)، وهو كان أدين غيابياً في بروكسل في تموز 2015 مع الرأس المدبر لهجمات باريس عبد الحميد أباعود أثناء محاكمة شبكة متطرفة تجند للقتال في سوريا. لكن المصادر الأمنية أكدت أنه في هذه المرحلة من التحقيق لا يوجد أي رابط بين توقيف كريكت وتوقيف 8 مشتبه فيهم في الـ48 ساعة الماضية في بروكسل.
وولد كريكت في كوربفوا بالمنطقة الباريسية وكان يقيم في ايكسيل وهي منطقة ميسورة في بروكسل، عندما صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية في آذار 2014. وفي أثناء محاكمة تموز 2015 حكم غيابياً على رضا كريكت بالسجن 10 سنوات، كما حكم على البلجيكي المغربي الأصل أباعود غيابياً أيضاً بالسجن لـ20 سنة. وتفيد عناصر التحقيق أن كريكت لعب دوراً كبيراً في تمويل شبكة داعش الأوروبية، بدفع قسم من تكاليف هجماتها المسلحة وأنشطة السرقات عملاً بمبدأ تقاسم غنائم الحرب. وفي 29 تموز 2015 أدين 28 شخصاً في الإجمال. وكان يدير الشبكة خالد الزركاني (41 عاماً) وهو من بروكسل وتصفه السلطات القضائية البلجيكية بأنه أكبر مجند للجهاديين عرفته بلجيكا. وكانت هذه الشبكة جندت وأرسلت الى سوريا العديد من الشبان بينهم شكيب أكروح الذي كان في عداد المجموعة التي نفذت اعتداءات 13 تشرين الثاني في باريس وتسببت بمقتل 130 شخصاً وبجرح المئات. وكان شكيب أكروح البلجيكي - المغربي في عداد المجموعة التي استهدفت أرصفة مقاهي ومطاعم في باريس. وكان الى جانب أباعود عندما فجر نفسه في 18 تشرين الثاني مطوقاً من الشرطة في إحدى شقق سان دوني بالضاحية الشمالية لباريس. بينما قتل أباعود على يد قوات الأمن.
توقيف الشرطة الفرنسية لرضا كريكت وصفه وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف بأنه توقيف مهم سمح بإحباط مشروع اعتداء في فرنسا كان في مرحلة متقدمة. وقال الوزير إن كريكت يشتبه بضلوعه على مستوى كبير في هذا المخطط. وكان ينشط ضمن شبكة إرهابية تسعى لضرب فرنسا.
وليل الخميس - الجمعة قام عناصر الشرطة بعمليات مداهمة لمبنى في ارجانتوي بالمنطقة الباريسية حيث عثر على بنادق هجومية ومتفجرات. وفضلاً عن كمية صغيرة من متفجر يدوي الصنع الجاهز للاستعمال، عثر المحققون على سائل الاسيتون ومياه الأوكسجين وهي مواد تدخل في تركيبة هذا المتفجر المستخدم بشكل متكرر من قبل تنظيم داعش. وقال برنار كازنوف إن التحقيق يجري منذ أسابيع عدة في إطار تعاون وثيق ومستمر بين الأجهزة الأوروبية. ومنذ كانون الثاني 2015 أحبطت فرنسا نحو 10 مخططات إرهابية بحسب السلطات.
بعد اعترافات أدلى بها كريكت الخميس بعد إلقاء القبض عليه، نفذت الشرطة البلجيكية عملية أمنية كبيرة في بروكسل وذكرت وسائل الإعلام البلجيكية أنه تم في إطار العملية السيطرة على مشتبه فيه، وسماع دوي انفجارين، وأن خبراء متفجرات كانوا في المكان. كما أطلقت الشرطة الرصاص على مشتبه به في إحدى محطات القطار لعدم امتثاله للأوامر لكن بعض وسائل الإعلام المحلية أشارت الى أن المستهدف قد لا يكون إرهابياً.
وقال مصدر في الشرطة الفرنسية إن العملية التي جرت في حي شاربيك في بروكسل أمس هي على صلة بتوقيف رضا كريكت في باريس الخميس. وعن مداهمات الأمس قالت قناة التلفزيون البلجيكية العامة إنه تمت السيطرة على رجل مشتبه به، لكن لم يتم تأكيد هذه المعلومات رسمياً. وذكرت وكالة الأنباء البلجيكية أن الوحدات الخاصة في الشرطة الفدرالية اقتحمت منزلاً في شاربيك وسمع دوي انفجارين. وبسبب العملية اضطر رئيس الوزراء شارل ميشال الى إلغاء حفل لوضع أكاليل الزهر في المطار برفقة وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري.
وغيرت واشنطن من لهجتها الانتقادية مع بروكسل، إذ دافع وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس عن بلجيكا وحلفاء واشنطن الأوروبيين المتهمين بالتقاعس في مكافحة الإرهاب منذ اعتداءات بروكسل. فخلال زيارته لبلجيكا للتعبير عن تضامن واشنطن بعد الاعتداءات التي قتل فيها 31 شخصاً بينهم أميركيان، حذر كيري من اعتداءات جديدة ينفذها تنظيم داعش بسبب زيادة الضغوط عليه في سوريا والعراق.
لكن الوزير الأميركي حرص على الإشادة بالعمل الذي يقوم به ميشال والتعاون الوثيق بين سلطات بلجيكا والأجهزة الأميركية لمنع تنفيذ مخططات جديدة وتفكيك شبكات للعائدين من سوريا. وقال كيري هذه الحكومة تتولى الحكم منذ سنة وتحركت بطريقة قوية جداً ضد الإرهاب ووصف الانتقادات الموجهة اليها بأنها انفعالية وغير ملائمة.
وأضاف كيري أن البلجيكيين طلبوا ووافقوا على عشرة أو 11 عنصراً من مكتب التحقيقات الفدرالي يعملون على هذا الملف في الوقت الحالي. وأكد أن الهيئات الأميركية المكلفة مكافحة الإرهاب ستواصل التعاون مع حكومات أوروبا لتحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية.
وقالت مصادر مطلعة إن إبراهيم البكراوي وهو أحد منفذي الهجمات الانتحارية في بروكسل كان على قائمة ترقب أميركية لمكافحة الإرهاب قبل الهجمات التي تم تنفيذها في تشرين الثاني في باريس، وإن شقيقه خالد أضيف إلى القائمة بعد ذلك بفترة وجيزة.
وقال ممثلو ادعاء إن الشرطة الألمانية تحاول التأكد مما إذا كان طالب لجوء مغربي اعتقل بعد اكتشاف عدم تطابق وثائق هويته عقب عودته من بروكسل له علاقة بالمهاجمين الذين نفذوا تفجيرات في العاصمة البلجيكية.
وقال مكتب الادعاء في جيسين إن الهاتف المحمول للرجل البالغ من العمر 28 عاماً والذي اعتقل الخميس في البلدة الواقعة شمالي فرانكفورت يخضع للتحليل على يد محققين، وإن الشرطة طلبت من قاضٍ تمديد فترة احتجازه.
وفي وقت سابق ذكرت مجلة دير شبيغل الألمانية أن رجلاً اعتقل في جيسين تلقى رسالة نصية على هاتفه المحمول احتوت على كلمة النهاية قبل ثلاث دقائق من التفجير الذي وقع في محطة مترو مالبيك في بروكسل يوم الثلاثاء.
وقالت المجلة أيضاً إن إحدى الرسائل تحوي أيضاً اسم خالد البكراوي الذي تقول الشرطة البلجيكية إنه فجر نفسه في محطة المترو. وأضافت أن رجلاً ثانياً اعتقل بالقرب من دوسلدورف في غرب ألمانيا كان قد احتجز في تركيا في صيف 2015 وأرسل مجدداً لأوروبا بعد الاشتباه في أنه أراد دخول سوريا للمحاربة مع جماعات متشددة.
وقال متحدث باسم مكتب الادعاء في دوسلدورف إن الرجل اعتقل بتهمة السطو المسلح وكان معروفاً لدى السلطات نظراً لأنه كان في تركيا. ولم يجد المدعون حتى الآن أي أدلة على أنه كان يخطط لهجوم.
وهذه الوقائع المتتالية والمخاوف الأمنية المنتشرة في أوروبا عموماً وفي بلجيكا وفرنسا خصوصاً نظراً لوفرة الإرهابيين المحتملين المولودين على أراضيهما قد تدفع البعض للتساؤل ما إذا كان يجدر استبدال عبارة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بعبارة تنظيم الدولة الإسلامية في بلجيكا وفرنسا (دابف) فما هي دوافع هؤلاء الشبان العرب المولودين في أوروبا الى اعتناق الفكر الإرهابي؟.
وبالنظر في سجل بعص أفراد الخلية الإرهابية التي نفذت تفجيرات بروكسل والتي ثبت أيضاً أنها متورطة مباشرة بإعداد وتنفيذ اعتداءات باريس، يمكن التأكيد أن هؤلاء خارجون عن القانون منذ مدة بارتكابهم جنحاً متعددة بينها السرقة وتجارة المخدرات ولا علاقة لأسلوب حياتهم بالدين الإسلامي لا من قريب ولا من بعيد، ولا يجمعهم بهذا الدين سوى أنه دين آبائهم وأجدادهم الذين هاجروا الى بلجيكا أو فرنسا قبل عقود وأنجبوهم على أراضيهما. إلا ان ما يربط بشكل وثيق بين هؤلاء الإرهابيين هو إحساسهم بالغربة في هذه البلدان رغم انهم ولدوا فيها، وهذا ما يدل على فشل كبير داخل المتجمعات الأوروبية تحمل مسؤوليته اطراف عدة بالقدر نفسه. عنصرية الشعوب الأوروبية ضد العرب تزداد يوماً بعد يوم ليس لأن هؤلاء عرب أو مسلمون بل لأنهم يشكلون الجالية المهاجرة الأكبر في بلدان مثل فرنسا وبلجيكا. لدى أنصار اليمين إنهم الغرباء الذين مهما فعلوا ومهما حاولوا التأقلم سيبقون بمثابة مواطنين درجة ثانية، ولدى أنصار اليسار إنهم جالية ضعيفة تعتبر لقمة سائغة يمكن مضغها واستغلالها لتحقيق مكاسب سياسية في المناسبات الانتخابية بإسماعها بعض المعسول من الكلام والحديث المنمق عن المساواة وحقوق الإنسان.
هذه المجموعات الشبابية التي يعيش أغلبها في أحزمة الفقر في عواصم مثل باريس وبروكسل هي براكين تتأجج بغضب الحرمان من القدرة على العيش بكرامة كأي مواطن أوروبي أصلي. رغم ذلك لا شك أن هناك نسبة معينة من أحفاد المهاجرين القادمين من المغرب العربي (الدول العربية في شمال أفريقيا) نجحت في دمج نفسها الى حد بعيد في المجتمعات الأوروبية ولكنها تبقى نسبة محدودة جداً مقارنة بالعدد العام لسكان الجالية التي يطلق عليها إسلامية. ففي فرنسا مثلاً كتبت كتب وصور العديد من الأشرطة الوثائقية التي تبرهن أسلوب التمييز الذي ينتهجه الفرنسيون الأصليون ضد الفرنسيين من أصول أجنبية، فالشاب الفرنسي - العربي الذي يتخرج من الجامعة حتى وإن كان متفوقاً سيلاقي صعوبة بالغة في العثور على عمل. وهذا ما يدفع أولاد المهاجرين أكثر فأكثر الى الانزواء والتقوقع في أحياء خاصة بهم لا تشبه الأحياء الفرنسية أو البلجيكية في شيء، وينتهي المطاف بذوي النفوس الضعيفة منهم الى امتطاء أي جواد قد يتيح لهم الانتقام من هذا البلد الذي ولدوا فيه ولا يشعرون بالانتماء اليه. هذه المرة جاءت الفرصة سانحة لامتطاء جواد داعش فلم يترددوا لحظة في ركوبه.
الحديث عن ايديولوجيات دينية متطرفة وما الى ذلك فيه ما فيه كسبب من أسباب تزايد ظاهرة الإرهاب، إلا أن السبب الرئيسي الشديد الوضوح لاعتناق هؤلاء الشبان فكرة الانتحار لقتل الأبرياء هو غضبهم من المجتمعات التي يعيشون فيها وكرههم أنفسهم لأنهم مهما فعلوا فإن هناك دائماً من هو حريص على جعلهم يشعرون بالدونية والرجعية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00