8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات اقتصادية وسياسية خطيرة

يجد الاتحاد الاوروبي نفسه بعد اشهر قليلة على دخوله مرحلة ما بعد اتفاقية لشبونة في خضم عاصفة عاتية تقذف به يميناً ويساراً. فمن الشرق تأتي رياح اليونان مثقلة بالديون التي خرجت عن سيطرة الحكومة في اثينا بشكل تام، ومن الغرب تبدو سفينة احفاد فرناند دو ماجلان قد استنفدت جميع الطرق والخرائط التي في حوزتها دون ان تتمكن من اكتشاف شاطئ النجاة من الازمة الاقتصادية التي تبشر بمستقبل قاتم للبرتغال. وتأتي لكمة اخرى قاسية في منتصف وجه الاتحاد، اي في بروكسل المدينة التي تستضيف اهم اجتماعات مجلس الاتحاد وتحتوي ابرز مقراته القيادية، حيث تتجه بلجيكا التي استقالت حكومتها منذ ايام لعقد انتخابات تشريعية في النصف الاول من شهر حزيران (يونيو) المقبل يتوقع المراقبون ان تفرز انقسامات اكثر حدة بين الفلمنديين والفرانكوفونيين بما يهدد وحدة البلاد وقد يؤدي في النهاية الى تقسيمها بشكل نهائي.
كل هذه التحديات تواجه الآن اتحاداً اوروبياً يرأسه رئيس وزراء بلجيكا السابق هرمان فان رومبوي الذي يفترض ان تستلم بلاده رئاسة مجلس الاتحاد من اسبانيا في اول ايام شهر تموز (يوليو) المقبل اي بعد نحو اسبوعين على نهاية انتخابات برلمانية يتوقع ان تزيد في حدة الانقسامات في الداخل البلجيكي. وبهذه الصورة المبهمة لما قد تؤول اليه الحال في بلجيكا، لا يزال قادة الدولتين نواة الاتحاد فرنسا والمانيا على الرغم من تصميمهم خططاً لإنقاذ اليونان ثم البرتغال من ازمتيهما الاقتصاديتين يواجهون احراجاً كبيراً تجاه شعوبهم وانتقادات حادة من معارضيهم السياسيين ومنافسيهم على السلطة في كل من باريس وبرلين.
واعلن فان رومبوي نيته دعوة زعماء دول منطقة اليورو (اي التي تستخدم اليورو كعملة رسمية لها) لقمة طارئة بعد نحو اسبوعين اي نحو العاشر من ايار (مايو) المقبل من اجل وضع خطط لوقف تدهور قيمة اليورو الذي هبط الى 1,31 دولار اميركي وهي اقل نسبة له منذ نحو عام.
وهذه القمة الطارئة ستكون الاولى التي يتم عقدها لدول اليورو منذ سقوط العملاق المصرفي الاميركي ليمان براذرز واندلاع الازمة المالية العالمية العام 2008.
وسيكون الموضوع الرئيسي في هذه القمة مسألة الموافقة ام لا على تنفيذ مبادرة الانقاذ المالي التي يتفاوض بشأنها مع الحكومة اليونانية كل من المفوضية الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي وصندوق النقد الدولي. وفي حال تمت الموافقة عليها سيتم تنفيذ هذه الخطة على اساس بيانات بدأ العمل عليها وسيتم انجازها خلال الايام المقبلة. وتتضمن الخطة كما هي مطروحة الى الآن تقديم 30 مليار يورو من قبل دول منطقة اليورو و15 مليار يورو من صندوق النقد الدولي. ولكن يتساءل المراقبون اذا كان مبلغ 45 مليار يورو كافياً لإنتشال الاقتصاد اليوناني من وحل مستنقع الديون التي خرجت عن سيطرة اثينا تماماً.
وحتى الآن اعطى زعماء الدول الاوروبية ضوءاً اخضر بتنفيذ الخطة ولكن يبقى ان يصادق عليها كل من البنك المركزي الاوروبي والمفوضية الاوروبية. وهو امر متوقع اتمامه وكان شدد عليه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مطلع الاسبوع الجاري خلال استقباله رئيس المفوضية الاوروبية البرتغالي خوسيه مانويل باروسو. اما موقف البنك المركزي الاوروبي فهو ايجابي بشكل واضح وكان عبر عنه رئيسه الفرنسي جان كلود تريشيه ان المسالة لا تحتمل الجدل. لا يمكن للأوروبيين ان يتركوا دولة عضواً في الاتحاد مثل اليونان تتخبط في ديونها.
الا ان هذه الخطة التي يأمل واضعوها ان تعيد اثينا الى وضعها الطبيعي، لم يتم نسجها بسهولة فقد عانى زعماء الدول الكبرى الكثير من التوضيحات لشعوبهم حول ضرورة تخصيص اموال لإنقاذ بلد صديق وخاصة ان اقتصاديات هذه الدول هي في طور التعافي من الضربة التي وجهتها اليها الازمة الاقتصادية العالمية، وبدأ عدد المتأففين في هذه الدول من جدوى وجود الاتحاد الاوروبي يزداد اطراداً كلما المت ببلد عضو في الاتحاد مصيبة ووجب على الدول الاخرى اعالته والوقوف الى جانبه.
ورداً على سؤال عما اذا كان العاشر من ايار (مايو) المقبل اليوم الذي اقترحه فان رومبوي لعقد القمة الطارئة تاريخاً متأخراً بعض الشيء للاستجابة الطارئة للتدهور الاقتصادي المستمر في كل من اليونان والبرتغال، اجاب الناطق بإسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو بأن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اتفق وباروسو على ضرورة تنفيذ خطة الانقاذ بأسرع وقت ممكن من اجل ضمان استقرار منطقة اليورو. واشار الديبلوماسي الفرنسي الى ان الرئيسين شددا ايضا على ضرورة بناء استراتيجية جديدة للإقتصاد الاوروبي تقوم بإدارتها حكومة اقتصادية اوروبية.
وتجدر الاشارة الى ان الدول الاعضاء في منطقة اليورو عددها 16 هي فرنسا والمانيا وايطاليا واسبانيا والبرتغال واليونان وبلجيكا والنمسا وقبرص وفنلندا وايرلندا وهولندا واللوكسمبورغ ومالطا وسلوفاكيا وسلوفينيا.
اما في بروكسل، فلا تزال المشاورات دائرة بشكل محموم بين الملك البرت الثاني وشتى الاطراف السياسية من اجل انقاذ بلجيكا من آتون الانقسام الذي يكاد يلتهمها. وتحاول الاحزاب البيئية والمحايدة بشتى الطرق اقناع الاطراف بعدم حل البرلمان وعدم اجراء انتخابات جديدة من شأنها ان تقود البلاد الى المجهول والمخيف مقدمين بديلا عن ذلك تعيين الملك لرئيس وزراء آخر غير ايف لوترم المستقيل لتشكل حكومة انقاذ. في حين يقترح الاشتراكيون الذين يدركون انهم متجهون الى صناديق الاقتراع لا محالة بسبب اصرار الفلمنديين على ذلك، ان يتم ضبط العملية الانتخابية المقبلة عن طريق وضع شروط او ضمانات لا تؤدي الى انقسام البلاد. ويرى عدد من المحللين السياسيين الاوروبيين امكانية كبيرة لإنقسام بلجيكا، حتى ان صحيفة لوفيغارو الفرنسية وصلت حد وضع استطلاع رأي لقرائها اذا ما كانوا يؤيدون ضم والونيا (جنوب بلجيكا ذو الغالبية الفرانكوفونية) الى الجمهورية الفرنسية.
ويتوقع المراقبون ان يصدر الملك البلجيكي خلال الايام وربما الساعات القليلة المقبلة امراً بحل البرلمان محدداً موعداً لإجراء انتخابات تشريعية بين السادس والثالث عشر من حزيران (يونيو) المقبل، وذلك لأنه لا يوجد انفراجات في المواقف المتصلبة للفلمنديين والفرانكوفونيين كما ان الوقت يمر بسرعة ولا يسمح لألبرت الثاني بالتأخر اكثر من ذلك خاصة وان بلاده عليها استحقاق استلام رئاسة مجلس الاتحاد الاوروبي من اسبانيا في مطلع تموز (يوليو) المقبل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00