8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سياسة واشنطن الداخلية في العهد الجديد: تحسين نهج أوباما أم الانقلاب عليه؟

يدخل السباق الى البيت الابيض اليوم اسبوعه الاخير وسط استمرار حلقات مسلسل فضائح المرشحين، الجمهوري دونالد ترامب والديموقراطية هيلاري كلينتون، في الظهور امام الرأي العام الاميركي الواحدة تلو الاخرى.
وهذا الوضع يجعل هذه الانتخابات الرئاسية فريدة من نوعها لجهة السمعة السيئة للمرشحين والشبهات التي تحوم حولهما على الصعيدين الشخصي والمهني. ولا يبالغ اي صحافي متابع لهذا الحدث الذي ينتظره العالم كل 4 سنوات، اذا ما اعتبر ان تغطية هذه الانتخابات تشبه الى حد بعيد تغطية اخبار مشاهير وصرعات الفن الهابط. فهذا امر طبيعي واوتوماتيكي عندما يكون احد المرشحين من اكبر المستثمرين في اعمال الفن والجمال، ومنافسته سيدة اولى سابقة نالت تعاطف العالم بأسره عند خيانة زوجها لها في البيت الابيض.
ومع قرار مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي اي) نهاية الاسبوع المنصرم، اعادة فتح ملف التحقيق في قضية بريد كلينتون الإلكتروني، بالتزامن مع تدفق شكاوى التحرش التي تتقدم بها نساء ضد ترامب، يصبح من الأصح ان يطلق على سباق البيت الابيض هذه المرة اسم سباق الفضائح، نظرا للتأثير الكبير الذي سيتركه مسلسل الفضائح هذا على خيارات الناخبين الاميركي في الثامن من تشرين الثاني المقبل. وقد يكون الفائز في نهاية السباق هو المرشح الذي اعتبر الشعب الاميركي ان خطاياه قابلة للغفران اكثر من المرشح الآخر.
وتعرض المستقبل في هذه الحلقة الاسبوعية قبل الاخيرة، ابرز ما يطال المرشحين من فضائح تفرمل حظوظ كل منهما في الفوز بالرئاسة، بالاضافة الى مواقفهما تجاه الملفات الداخلية المهمة مثل الاقتصاد والرعاية الصحية والبيئة والشؤون الاجتماعية والهجرة.
الفضائح
يعتبر عدد من الاميركيين ان مجرد حصر خيارهما الانتخابي الاخير بين ترامب وكلينتون هو فضيحة بحد ذاته، وتنتشر على المواقع الالكترونية للتواصل الاجتماعي شكاوى في هذا الصدد وتساؤلات عن سبب اضمحلال الشارع السياسي الاميركي الى درجة اوصلت هذين المرشحين الغير كفؤ بنظر كثيرين الى السباق النهائي.
فترامب عندما اعلن ترشيحه لنيل البطاقة الرسمية للحزب الجمهوري، اعتبره كثيرون مجرد نكتة، ولم يعره المرشحون الآخرون اي اهتمام. لكنه بحنكة شديدة ادرك مدى القرف الذي يشعر به الشعب من مظهر السياسيين التقليديين واسلوبهم المنمق في الكلام، فقرر ان يتطرف في حملته، وفي خطابه، لاعبا على الاوتار الحساسة لدى الناخبين، موهما اياهم بأنه المرشح الوحيد العفوي الذي يقول مباشرة ما يشعر به دون تكلف او مجاملات.
وقد نجحت رهانات ترامب في هذا المجال، فتساقط منافسوه الواحد تلو الآخر امام تسونامي العفوية والصراحة الذي باغتهم به. لكن ماضيه الحافل في عالم النساء، وزلات لسانه التي بها استقطب الجماهير والمؤيدين، سرعان ما بدأت ارتداداتها العكسية على شعبيته تظهر.
اذ بينما كان يحاول تخفيف وقع بعض الكلمات التي قالها بحق بعض النساء، ظهر تسجيل له وهو يتحدث عن كيفية التعامل مع النساء، وسهولة الامساك بهن من المواضع المحظورة، فأدى ذلك الى هدم كل ما كان بناه لجهة اعادة ثقة الناخبات الاميركيات به، اذ تبين لهن بوضوح مدى احتقاره للمرأة وازدرائه لها.
ثم ازدادت الامور سوءا مع اعلان عشرات النساء عن تحرشه بهن جنسياً، او تهديده لهن والتعامل معهن بإحتقار واستعلاء.
اما الشبهة الاخرى التي تحمل الناخب الى التشكيك في نزاهة ترامب، فتتعلق بفساده المالي وتهربه من تسديد الضرائب كأي مواطن اميركي عادي، فالمرشح الجمهوري لم يكلف خاطره ويوافق على نشر سجله الضريبي كسائر من سبقوه من مرشحي الرئاسة في تاريخ الانتخابات الاميركية.
أما كلينتون، فبدأت الشكوك تحوم حول اهليتها لمنصب كالرئاسة من قبل ان ترشح نفسها للمنصب، وتحديدا منذ مقتل السفير الاميركي في ليبيا عندما كانت هي وزيرة للخارجية. فبعض اقارب السفير يحمّلون كلينتون مسؤولية ما جرى، وان الاجراءات الامنية لم تكن كما ينبغي خصوصاً ان قريبهم قتل على الرغم من ورود احداثيات استخباراتية مسبقة بوجوب تعزيز امن الديبلوماسيين الاميركيين والتحذير من احتمال حصول اعتداء عليهم.
ثم جاءت قضية استخدام كلينتون عنوان بريد الكتروني خاص في اطار العمل الرسمي، لتظهر خرق المرشحة (عمدا او من غير قصد) بروتوكولات تعتبر خطًا احمر في قضايا امن الدولة واسرارها.
ولا تزال هذه القضية تتفاعل فصولا، على الرغم من اقدام المرشحة الديموقراطية على نشر كل ما يمكن نشره من الرسائل الالكترونية التي كانت في ارشيف بريدها الخاص، ولا يزال الملف يغلق ثم لا يلبث ان يعاد فتحه، خصوصاً بعد اقدام قراصنة الكترونيون مرتبطون بموقع ويكيليكس، على استهداف الرسائل الالكترونية الخاصة بالحزب الديموقراطي، ونشرهم ملايين الرسائل الالكترونية في محاولة اخيرة لعرقلة وصول كلينتون الى البيت الابيض.
واضاء بعض هذه الرسائل الالكترونية على دعم كوادر الحزب الاعمى والمسبق لترشيح كلينتون على الرغم من ان منافسها على البطاقة الديموقراطية برني ساندرز كان في الواقع محبوبا اكثر منها لدى القاعدة الشعبية للحزب.
ويحاول القراصنة من وراء تسليط الضوء على مثل هذه الامور، اثارة حفيظة انصار ساندرز ودفعهم الى التصويت ضد كلينتون او الاكتفاء بعدم التصويت، وكل هذا في النهاية سيصب في مصلحة ترامب.
اما اعلان مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جايمس كومي نهاية الاسبوع المنصرم اعادة فتح ملف بريد كلينتون الالكتروني، فمرتبط هذه المرة بـهوما عابدين وهي ناشطة ديموقراطية مقربة جدا من كلينتون، وتعتبر ركنا من اركان حملتها الانتخابية.
فعابدين كانت متزوجة من انتوني واينر، وهو نائب ديموقراطي سابق منحرف جنسيا، ولديه علاقات عنفية مع قاصرات خارج اطار الزوجية، كانت اف بي اي تجري تحقيقا في مراسلات قد يكون استخدم فيها هذا الرجل بريد زوجته الالكتروني للتواصل مع قاصرة عمرها 15 سنة. وعلى ما يبدو عثروا في بريد الزوجة التي تعمل لمصلحة كلينتون على بعض الرسائل الالكترونية الخاصة بالمرشحة الديموقراطية.
واعتبر كومي ان من واجبه اخطار الكونغرس بأن وكالته ستعيد التحقيق مجددا في رسائل كلينتون الالكترونية حتى وان كان فريقه لم يطلع بعد على محتوى الرسائل الالكترونية المعثور عليها، والتي اعترف كومي (بعدما اثار موجة غضب عارمة في الشارع المؤيد لكلينتون)، انه قد لا يكون فيها اي شيء ذي اهمية.
لكن ترامب لم يضيع الوقت وعزز انتقاداته واتهاماته لكلينتون مستغلا موضوع بريدها الالكتروني مجددا. ويبدو ان بعض الناخبين اهتزت ثقتهم بكلينتون من جديد، وقد تثبت الايام القليلة المقبلة المتبقية لموعد الانتخابات ان العودة الى الحديث عن تحقيق في بريد كلينتون، حتى وان كان فارغا في مضمونه، قد اصاب الحملة الرئاسية للمرشحة الديموقراطية في مقتل، لاسيما وان آثاره بدأت تظهر للتو في استطلاعات الرأي.
فوفق حساب لأحدث استطلاعات الرأي الاميركية قامت به بي بي سي امس، تقلص الفارق بين كلينتون وترامب في الساعات الـ48 الماضية من 15 نقطة مئوية الى 3 نقاط مئوية فقط. فكلينتون على صعيد البلاد بأسرها وبحسب اجمالي استطلاعات الرأي من مراكز مختلفة تتقدم على ترامب الآن بـ49 في المئة فقط مقابل 46 في المئة.
وهذا يعني ان الاميركيين ربما يغفرون لترامب زلاته مع النساء خصوصاً وان الرئيس السابق بيل كلينتون، زوج هيلاري، لم يكن افضل بكثير في علاقاته، لكنهم قد لا يغفروا لكلينتون اهمالها المهني في قضايا تهم الراي العام اكثر بكثير من نزوات ترامب ورغباته الجنسية.
وبغض النظر عن ادانة كلينتون، فإن ارقام الاستطلاعات الاخيرة تؤكد بما لا يحمل الشك ان مجرد اعادة موضوع البريد الالكتروني الى الواجهة (حتى وان مضمونه مجرد فقاعة صابون في الهواء) الا انه اثر جدا في آراء الناخبين واعاد ترامب فعليا وجديا الى المنافسة في الامتار الاخيرة قبيل خط الوصول
السياسة الداخلية الإقتصاد
في الشأن الاقتصادي، يلتقي المرشحان على ضرورة معاقبة الشركات الاميركية، التي تعتمد على اليد العاملة خارج حدود البلاد، بالحد من قدراتها على الاستفادة ماديا من هذا الامر، وذلك لدفعها باتجاه العودة الى الاعتماد على اليد العاملة الاميركية.
لكنهما يختلفان حول موضوع الأجور، فكلينتون تدعم زيادة الحد الادنى للأجور، اما ترامب فيرفض ذلك بشدة متذرعا بأن رفع الحد الادنى سيدفع العمال الى الخمول وعدم الانتاجية، ويعطل رغبتهم في الحصول على حوافز في حال عملوا بجهد اكبر، وهذا ما سيترك تداعيات سلبية على الشركات.
ولم يتردد المرشح الجمهوري مرارا بتذكير الناخبين بأنه سيكون افضل مدير للاقتصاد في حال اصبح رئيسا، فخبراته في كيفية تعزيز الثروات وانعاش الاقتصاد ستكون في خدمة جميع الاميركيين.
ويتشابه موقفا المرشحين كثيرا في ما يتعلق بأمور التجارة، فهما يؤمنان بالتجارة الحرة شرط ان تكون مقيدة بما هو مفيد للمصالح الاميركية، والفارق الوحيد بينهما ان ترامب يدعم وجوب فرض تكاليف وغرامات اضافية على الشريك التجاري بينما كلينتون ترفض ذلك.
البيئة
هناك انقسام عمودي في المواقف بين المرشحين حول موضوع البيئة، فترامب يرفض تماما الاعتراف بوجود ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي، ويعتبرهما مجرد اضاليل اختلقها اليساريون من اجل الترويج لأجنداتهم السياسية والاقتصادية، ويرى ان هذا الموضوع تحديدا ادى الى خسارة الملايين من العاملين في مجال الطاقة على انواعها مثل الفحم والنفط والغاز وظائفهم بحجة مزاعم التلوث وخطر اعمال التنقيب عن الطاقة على البيئة، وقد اكد مرارا انه لن يتقيد بما تم التوصل اليه في مؤتمر باريس للبيئة.
اما كلينتون، فتعتبر رائدة في دعم ابحاث الطاقة البلديلة الصديقة للبيئة وتسعى الى حظر اعمال التنقيب، وتتعهد باحترام الاتفاقيات الدولية الاخيرة لا سيما التعهدات التي تم التوصل اليها في مؤتمر باريس الذي عقد اواخر العام الماضي.
الشؤون الاجتماعية والحريات
تعتبر عودة الجرائم العنصرية ابرز التحديات التي تواجه الرئيس المقبل، وللحد منها، هناك العديد من الخطوات الاجتماعية التي يجب العمل عليها، وفي مقدمها طبعا موضوع حق حمل السلاح.
وفي هذا السياق يتبنى ترامب وجهة النظر الجمهورية التقليدية الداعمة لحق حمل السلاح كجزء من حق المواطن في الدفاع عن النفس.
اما كلينتون، فتذكر ان المعدل السنوي لضحايا حرية حمل السلاح هو اكثر من 30 الف قتيل، وتتعهد بإتخاذ المزيد من الاجراءات والتدابير لتقييد هذه الحرية واجراء اختبارات مشددة قبل منح اي شخص رخصة حمل سلاح.
ويناهض ترامب حق المرأة في الاجهاض، وذلك من منطلق ديني ارضاء للمسيحيين الملتزمين، بينما تدعم كلينتون بقوة لحرية المرأة في تحديد ما هو مناسب لها وبالتالي يحق لها الاجهاض ان رغبت في ذلك.
وفيما يدعم المرشحان حماية المثليين جنسيا من اي تمييز ضدهم في المجتمع الاميركي، فان ترامب يرفض تماما زواج المثليين، بينما تؤيد كلينتون هذا الزواج.
ويشتد الخلاف بين ترامب وكلينتون في مسألة الرعاية الصحية الواجب تقديمها للمواطن الاميركي، فترامب يرفض تماما البرنامج الحالي اوباما كاير الذي وضعه الرئيس باراك اوباما، ويؤكد ان لديه برنامجا افضل منه بكثير، اما كلينتون، فشددت على ان حصول المواطن على الرعاية الصحية هو امر من حقوقه الاساسية كإنسان، وانها ستواصل العمل ببرنامج اوباما مع اجراء بعض التحسينات.
وتعتبر مواقفهما جد متشابهة في مواضيع التعليم والقضاء. فعلى سبيل المثال يدعم ترامب الاستمرار في تنفيذ عقوبة الاعدام، وكلينتون ايضا تدعم ذلك، انما فقط كعقوبة ضد الجرائم الوحشية البشعة.
الهجرة
يعتبر موضوع الهجرة موضوعا مهما بالنسبة للناخب الاميركي بغض النظر عن عرقه ودينه. وهناك فارق واضح في المواقف بين المرشحين في هذا الخصوص، فترامب يعطي اولوية قصوى لعملية ضبط الحدود الجنوبية، ويرغب في اقناع السلطات المكسيكية ببناء جدار على طول الحدود بين البلدين لمنع المهاجرين الغير شرعيين من دخول الولايات الاميركية الجنوبية، والحد من عمليات تهريب المخدرات بين البلدين.
كما اكد ترامب مرارا على ضرورة منع المهاجرين المسلمين، خصوصاً القادمين منهم من اماكن الصراع حول العالم، من دخول الولايات المتحدة وحذر من مغبة استضافة لاجئين سوريين، فوصف هؤلاء بانهم مثل حصان طروادة الذي يتم ادخاله للقيام في وقت لاحق بشن هجمات داخل الولايات المتحدة. واشار الى انه سيسرع المسار البيروقراطي للحصول على الجنسية الاميركية للمهاجرين الشرعيين، وكذلك الامر مسار عمليات طرد المهاجرين غير الشرعيين من البلاد.
اما كلينتون فتحرص هي الاخرى على ضبط الحدود انما ليس الى حد بناء جدران او القيام بطرد تعسفي لجميع المهاجرين الغير شرعيين، انما عبر دراسة ملف كل مهاجر ومعرفة اذا كان له اقارب وعائلة يعيشون بإقامة شرعية، وشددت على ان احدى اولوياتها عدم تفريق الأسر والعائلات وان تنظم عملية التدقيق في ملفات المهاجرين غير الشرعيين وتنظيم امورهم وابعاد من يثبت ان لا علاقة تربطه بالولايات المتحدة اي لا عائلة ولا عمل.
ووعدت كلينتون ايضا بتنظيم موضوع الحصول على الجنسية مع وضع منظومة جديدة تبعد المتطرفين والمجرمين والنصابين عن البلاد، وتمنح الاولوية للمهاجرين ذوي السمعة الجيدة وذوي الهمة واصحاب الكفاءات.
واعلنت عزمها استضافة نحو 65 الفا من اللاجئين السوريين بعد غربلتهم جيدا على مدى عامين، وبعد التأكد عبر اجهزة الاستخبارات الدولية من ان لا خلفيات دينية متطرفة او اجرامية لديهم.
واعتبرت ان ما يرغب به ترامب حيال المهاجرين المسلمين امر غير قابل للتنفيذ لأنه من غير الممكن وغير المقبول اجراء اختبارات للمهاجرين من اجل تحديد انتمائهم الديني، مذكرة بما يتضمنه الدستور الاميركي من احترام لحق المعتقد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00