كان الإخوان المسلمون هم الناخب الأول للمشير عبد الفتاح السيسي! الناخب الثاني كان تطلع معظم المصريين إلى أمرين محوريين، هما الأمن والإقتصاد وما يتفرع عنهما من أمور وشجون وشؤون أخرى.
انتخابات الأمس هي الترجمة المنطقية للمسار الذي سلكه حكم الإخوان على مدى عام، بحيث أن ذلك التنظيم الآتي من غربة العمل المُلاحق والمُطارد، بدا صاخباً ولجوجاً ومستعجلاً في تصفية الحساب مع تلك الغربة ومسببيها، لكنه لم يفعل سوى النجاح التام في تهيئة الأرض لغربة أقسى وأخطر هي تلك التي جعلته عدو المصريين بقدر ما عاد عدواً لسلطتهم!
ولا تخطئ العين السارحة في قاهرة المعز، ولا الأذن المصغية للأنين ونغماته المتعددة الطبقات، تلك النتيجة المباشرة: للمرة الأولى في تاريخهم الممتد على مدى ثمانية عقود يخسر تنظيم الإخوان الشارع المصري بكل ألوانه وأصنافه، مسجلاً بذلك فتحاً لم يسبقهم إليه أحد: كشفوا بأنفسهم من دون تدخل مضاد، عجزهم عن إدارة السلطة بعد أن أفنوا العمر في التدليل على عجزهم عن توليد معارضة فعلية وبناءة لتلك السلطة.
بدا مشروعهم في عاصمته الأولى وفي ذروة انتصاره وكأنه خارج الزمن، ليس فقط بسبب سوء استخدام النص الديني وتأويله وتطويعه وفق أهداف سياسية وفي بيئة متدينة أصلاً وفصلاً، بل أيضاً (والأهم) بسبب القحط الإداري والقيادي الذي أظهره: الإنقضاض على مؤسسات الدولة لم يكن بهدف إصلاحها، بل ابتلاعها، ولا شيء آخر. لم يأت ذلك المشروع برجل واحد مناسب في مكانه المناسب. لا في المؤسسات الرسمية الإدارية المحضة ولا في تلك الأهلية المتفرعة عنها والمعنية بالشؤون العميقة الموازية، بحيث أن سائق سيارة الأجرة وصل إلى نقطة الفصل ذاتها التي وصل إليها القاضي والمحامي والطبيب والإعلامي والباحث المحلل السياسي والفنان والحرفي والمهني. تلقف الجميع المخاطر ودقوا جرس الإنذار: لم يخرجوا ضد حكم مبارك كي يأتي ما هو أسوأ منه! ولم يخرجوا طلباً لتغيير سلطوي، كي يأتي من يريد أن يغير (أو يحاول التغيير) في تركيبتهم الذهنية والفكرية والإجتماعية وسلوكهم المتآخي مع طبائع وعادات متراكمة على مدى التاريخ! ولم يخرجوا ضد إداري ناجح لكنه فاسد، كي يستبدل بمنتحل صفة فاشل وأكثر فساداً.
تطول لائحة المثالب التي أوقعت مشروع الإخوان في الأرض: لكن الأكيد هو أن انتخاب المشير السيسي سيعني شيئاً واحداً هو إبقاء ذلك المشروع في مستوى الأرض، إن لم يكن تحتها!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.