8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صحافة لبنان

لطالما ابتُليت صحافة لبنان بالدخلاء عليها، وبمدّعي الانتماء الى أطرها وطبائعها ومناخاتها.. لكنها أيضاً، لطالما كانت على رحابة كافية لأخذ هؤلاء تحت ظلال أوراقها، حتى لو كان السمّ عدّتهم الوحيدة وصنو الحبر المدّعى.
وصحافة لبنان كانت مثل لبنان، وتركيبته وتعدّديته وفرادته وانفتاحه وكثرة تفلّته. وكانت فوق ذلك على غواية آسرة، شدّت العيون إليها وأعطتها ريادة في محيط ملجوم لكنّه متعطّش للضوء في كل حال.
وجاءها من كل حدب خُطّاب وعُرسان! بعضهم لردّ الأذى والضيم والتحامل والافتراء! وبعضهم لتغيير العالم وغيرهم لتحريره! وبعضهم لإشاعة رؤاه ونظرّياته! وبعضهم لشن حروب وخوض معارك وتصفية حسابات وتدبير انقلابات من على صفحاتها.. وكانت التركيبة المحلية، دستورياً وقانونياً متآخية مع طبائع الانفتاح المتراكمة فوق حقيقة كون اللبنانيين متعدّدي المذاهب والأديان والانتماءات والفظاعات.. ومعتادون في الإجمال على معطى الفوضى، ومتواطئون في الوقت نفسه على وصف هذا بالحرية!
ولا ينكر سوى قُصَّر، أنّ صحافة لبنان واكبت جموح اللبنانيين. ومثلهم تماماً، نجحت في دولة شبه فاشلة. وتطوّرت في ظل نظام تكربج في مكانه، ولم يتحرك محوره إلا عندما نُسف من أساسه! وطارت الجمهورية بأهلها ومؤسساتها، قبل أن تعود وتحطّ على أرض تغيّرت طبيعتها وطبائع أهلها!
وكُثُر تطاولوا على المهنة من خارجها. وحمّلوها أوزاراً فوق طاقتها وإمكاناتها. واتّهموها بما ليسَ فيها، وهي التي كانت ولا تزال افتراضياً ومبدئياً، برغم تبدّل الزمن وتطوّر آلة الإعلام في الإجمال، تُعنى بالقلم وليس بالمسدّس. وبالحبر وليس بالدم. وبالمطبعة وليس بغرف العمليات العسكرية.. وبالكلمة وليس بالعبوة الناسفة.
وكُثُر من أهلها ومن المفترين عليها، يعرفون يقيناً، أنّ مثالب الانحطاط المرافقة للحروب والانقسامات والفوضى والفلتان وتحكّم الرعاع بالشارع، بقيت قاصرة عن التمكّن من المهنة ومناخاتها، ولم يحجب هذه الحقيقة ودقّتها، شيوع ثقافة نزالية قتالية تعبويّة مواكبة للحرب التي دارت على الأرض.. وفي هذا احتوت صحف لبنان على ما يمكن أن يكون أرقى تنظير من نوعه لضمور الكلام وموت السياسة! ثم لتفخيم الموت طالما أنّ القضية مقدّسة! وكل شيء يهون إزاء المقدّس!
لكن حتى في تلك الأيام الكالحات الكلسيّات الأسيديات الحارقات بقيت صحافة لبنان أمينة لطبيعتها: لم يتسلّل إليها العسَس إلا قسراً وتعطيلاً ونسفاً واعتداءً. ولم تُرحِّب بالسفاهة والإسفاف إلاّ مضطرة ونقلاً عن غيرها ونشراً لنتاجات ذلك الغير، أكان تنظيماً سياسياً، أو مخلوقاً هجيناً يدمج السياسة بالأمن أو العسكر أو الميليشيا إلخ.. وحتى في النشر والنقل كانت أخلاق المهنة والاجتماع محفوظة في كلّ حين! كانت الشتيمة تُمحى! والافتراء يوضع بين مزدوجين! والإسفاف لا يمرّ! والتهديد (الشخصي)، غير وارد، والرعونة في مكانها، في الشارع وليس في الصحيفة!
كسَرَ تطوّر الزمن وآليات الاتصال ووسائله الصحافة المكتوبة في كلّ مكان، وفي لبنان بطبيعة الحال. ولكن، ولا مرّة شعرَ أهل هذه المهنة بانكسارهم مثلما هو حاصل راهناً، وفي زمن ممانعة آخر زمن.. حيث السفيه صار يُسمّى صحافياً! والموتور كاتباً! والمنحطّ بنّاءً! والمعتوه منظّراً!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00