8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الواقع النووي..

تمديد مهلة المفاوضات النووية الإيرانية - الغربية، يعني شكلاً أن الحسم مؤجل. وأن طرفاً لا يستطيع الادعاء بأنه خرج رابحاً على الآخر.. لكن المضمون والواقع يقولان شيئاً آخر، ومن بداية الطريق، قبل نهايته.
مجرّد ذَهاب إيران إلى المفاوضات على برنامجها النووي يعني انكسار ذلك المشروع وعدم وصوله إلى مراحله الأخيرة. ويعني بعد ذلك، أن كل الإرث التعبوي الثوري الذي بُنيت الجمهورية فوق أعمدته وأسسه، قد وصل إلى نقطة الامتلاء وصار استمراره مثل عدمه.. وذلك ليس تجنّيا ولا تحاملاً باعتبار أن إيران اكتشفت بعد ثلاثة عقود على استقرار ثورتها ونظامها الجديد، أن قصّة الشيطان الأكبر تستبطن فصولاً عن الملائكة! وأن شعار الموت لأميركا يستبطن إحياءً لسيرة ماضية، كانت العلاقات خلالها مميزة وممتازة. وأن باب الطموحات الإقليمية الواسعة والموروثة من النظام الشاهنشاهي البائد! لا يزال يؤدي إلى مكان أميركي ما! وأن شروط المرور إلى مصاف الادعاءات الكبرى، تستوجب فيزا لا يؤمّنها إلاّ ذلك الأميركي الشرير خصوصاً، وأتباعه الغربيون عموماً.
نجحت إيران في التكتيك لكنها خسرت في الاستراتيجيا. اشتغلت على المشروع النووي وفي ظنّها سلفاً، أن خياراتها ستوصل إلى مكان مريح: إذا نجحت في تصنيع القنبلة كان به، وإذا صُدّت عن ذلك في اللحظة المناسبة، كما هو حاصل الآن، فبإمكانها أن تقدّم فشلها وتستثمره كنجاح في مواضع أخرى.. في موضع السعي إلى القطبية الإقليمية والدور المميز! والذي، في واقع الحال، لا يعرف إلاّ ربّ العالمين ماذا يعني عملياً! طالما ان حدود الدول والكيانات قائمة وباقية ومستقرة! وطالما أن خطوط الطاقة وإمداداتها مؤمّنة بطريقة تمنع أي تلاعب مصيري بها! وطالما أن الاصطفافات مكتملة والشقوق المذهبية صارت صافية! وطالما أن أي لعب بمكوّنات أي دولة لا يعني إلاّ فتنة تامة واستنزافاً مفتوحاً لإيران المنهكة بالعقوبات والمحاصرة بالقطيعة مع ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. وطالما بعد ذلك وفوقه، أن إسرائيل ما كانت في كل تاريخها تحلم برؤية مفاعيل القبس الثوري الإيراني وهي تتآخى وتتماهى مع دمار المحيط العربي وخرابه.
يمكن إيران أن تدّعي ما تشاء لكنها في الواقع لا يمكنها الادعاء أنها كانت خيراً للعرب والمسلمين في معركتهم أو حربهم مع إسرائيل! ولا يمكن أن تستمر في نكران أنها أعطت سفارة لفلسطين، لكنها لم تستطع تقريب الفلسطينيين شبراً واحداً من أرضهم، بل العكس تماماً بتاتاً أبعدتهم عنها بمساحات الفتنة التي أنتجتها سياساتها الفئوية والمذهبية، وجعلت من قضيتهم شيئاً من أشياء أخرى موازية، أو أقل توازياً، مع قضايا محلية متفجرة وحارقة وحارّة ونكبوية بامتياز، من سوريا إلى اليمن ومن العراق إلى لبنان!
كان يمكن المشروع النووي الإيراني أن يكون رافعة لبناء توازن رعب مضاد مع الواقع النووي الإسرائيلي، لكن ذلك لم يحصل، ليس لأن العرب منعوا ذلك الإنجاز المترف والتاريخي، بل لأن إيران هي التي وضعت بسياساتها الجموحة تلك المسافة الفاصلة بينها وبين الوجدان العربي العام. عدا، بطبيعة الحال، عن أن الأمر في مجمله خارج الاختصاص العربي رسمياً وشعبياً، وداخل بكل تفاصيله وعمومياته في صلب الاهتمام الغربي! وفي الواقع ما يدلّ على أكثر من ذلك: لم تستطع إيران حتى أن تستثمر مشروعها في أي مساومة مع القنابل النووية والذريّة الإسرائيلية والتي كان عددها المعلن قبل ثلاثة عقود من الآن، أكثر بقليل من مئتين!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00