ليس أمراً بسيطاً أن يقرّ رئيس أقوى دولة في العالم، أي باراك أوباما شخصياً، أن إدارته أخطأت التقدير في موضعين مترابطين، الأول إزاء قوة داعش، والثاني إزاء قوة الجيش العراقي.
والأمر جدير بالتقدير برغم صعوبة التسليم به. إذ ليس هيّناً ولا بسيطاً أيضاً أن تسيء وكالات الاستخبارات والأمن الأميركية حساباتها الى هذا الحد، ثم أن تشيع قراءة مبتسرة لتبرير ذلك التقصير: إذا كنت أنا أعرف! أن العراق كان مقبلاً على كارثة لا أفق لها بسبب ارتكابات وتصرفات وسياسات نوري المالكي، والتي منها خطيئة حلّ قوات الصحوات التي قضت على القاعدة ومشتقاتها عملياً وفعلياً وبالطريقة الصحيحة.. وهي الخطيئة التي تبيّن، أنها توازي خطيئة الحاكم الأميركي بول برايمر بحلّ الجيش العراقي غداة سقوط نظام صدام حسين.
.. إذا كنت أنا أعرف، فكيف يمكن لأقوى أجهزة الاستخبارات والاستشعارات والشمّ والبصبصة والتنصت والرقابة التابعة للولايات المتحدة، أن لا تعرف؟ وكيف يمكن إدارة أوباما أن لا تتوقع ارتدادات مذهبية لأداء مذهبي حتى داخل صفوف الجيش العراقي؟ وكيف يمكن لها أن تتجاهل كل ذلك الحراك الذي امتد على مدى شهور في الأنبار والرمادي وصلاح الدين (في الفلوجة وتكريت تحديداً) وتمثّل بالاعتصامات والتظاهرات والمواجهات المتفرقة، قبل وعشية ظهور داعش على سطح الأحداث في منتصف حزيران الماضي. وأن لا تقرأ تداعياته واحتمالاته؟!
الجواب الوحيد الممكن مربوط بخبث يدّعي أصحابه سوء التقدير لكنهم يغطون في الحقيقة سوء التقرير.. بمعنى أن أوباما اليوم لا يستطيع تبرير تلكؤه وتردده ولا سياسة الضرب بالتقسيط، نقطة نقطة! التي يعتمدها إزاء داعش وأطنابه، وتقصدّه إطالة عمر الحرب، إلا بالقول الادعائي أن داعش قوة عظمى! وإن التعرض له يحتاج الى سنوات وسنوات كي يتم القضاء عليه، وكي يمكن للرئيس الأميركي التالي، وربما بعد التالي! أن يقف يوماً ما على بارجة حربية، أو في الكونغرس، أو في قاعدة عسكرية ويعلن أن المهمة أنجزت!
وحينها، تكون دائرة العبث قد اكتملت بحرفية طبيّة رفيعة المستوى: نجحت العملية لكن المريض مات! أي قضينا على الإرهاب لكن سوريا تبخّرت!
والواقع الذي لا يُجادل ولا يُحاجج هو أن سوء التقدير الذي يُقارب الخطيئة، حكمٌ لا يليق سوى بالسياسة التي مارسها واتبعها مستر أوباما إزاء القضية السورية منذ لحظة تفجّرها. أو بالأحرى منذ لحظة بدء بشّار الأسد في دفعها نحو العسكرة التامة، وإحالة سوريا الى ميدان مفتوح للقتل والارتكابات والفظاعات وصولاً الى جريمة استخدام السلاح الكيماوي في آب 2013! كما منذ خروج تكتيكاته الى دائرة التنفيذ والتي جعل بموجبها سوريا، حقلاً مغناطيسياً جاذباً لكل أنواع الإرهاب، بعد أن كثّف إجراءاته الداخلية التي بنت وراكمت وشجّعت (وأطلقت من سجون النظام) الخلايا التأسيسية الأولى لـداعش والنصرة وما شابه!
.. ومع ذلك، يُحسب لرئيس أكبر دولة في العالم، أنه يقرّ بارتكاب الخطأ ولا يتردد.. مع الأمل في أن يقرّ بعد فترة وجيزة، أنه أخطأ في تقدير مدّة استمرار الحرب الراهنة!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.