القنبلة التي رمتها حماس ستنفجر فيها. إذ إن إعلان نائب رئيسها موسى أبو مرزوق قبول التفاوض المباشر مع إسرائيل ليس سوى تكتكة سياسية وإعلامية فارغة ولا تليق بأحد، لكنها قد تضع غزة وأهلها في مرمى استهداف اسرائيلي لا سابق له.
آخر ما تريده إسرائيل هو فلسطيني يقول إنه يريد مفاوضتها، وأول ما تطلبه هو فلسطيني ينهل من مكتبة الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد وما فيها من حِكَمْ عن تدمير إسرائيل ومحوها عن وجه الأرض!
لبناني عريق ومخضرم ويلمع ذكاء وفطنة لاحظ مفارقة طريفة: إسرائيل تملك أكثر من مئتي رأس نووي لكنها لا تتوقف عن الحكي عن السلام، فيما الأخ نجاد وقبله المرحوم أحمد الشقيري لم يملكا فعلياً شيئاً مما تملكه اسرائيل لكنهما ملآ الدنيا زعيقاً عن رميها في البحر ومحوها من الوجود!
على ذلك المنحى اللغوي المفرط في لغوه، بنت إسرائيل جزءاً أساسياً من مطالعتها الدفاعية في الغرب وأمكنها تمويه مشروعها اللصوصي والعنصري بإضاءات استثنائية على أحاديث إبادتها.. ضاربة على الوتر الأخلاقي (الحسّاس) في المجتمعات الأوروبية (والغربية عموماً) التي خرجت مدمّاة من تجربة النازي الألماني وخصوصاً مع الأقوام والأعراق الأخرى وفي مقدمها اليهود.
بدأت تلك التجارة تبور عندما اكتشف العالم لغة جديدة أطلقها الراحل ياسر عرفات.. طبعاً، ليست اللغة ولا التوجهات السلمية ما غيّر الاستراتيجيات الغربية وإنما انتهاء الحرب الباردة ومفاعيل ووظائف الكثير من النزاعات والكيانات والتنظيمات والجماعات التي كانت، كل في مجالها وجغرافيتها، جزءاً لا يتجزأ من خارطة المواجهة العالمية الشاملة، أو التي كانت بالأحرى، تشكّل مقوّمات تلك الحرب والبديل الحتمي عن الوصول الى لحظة الافناء النووي المتبادل.
.. لكن اللغة خسّرت إسرائيل أكثر بكثير مما خسّرتها الوقائع المستجدة بعد الحرب الباردة، أو شروط التفاوض، بحيث انمحت الى حد كبير يقينيات كانت متجذرة في العقل الجمعي الغربي. ومنها ان إسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة في منطقة وحوش. وان اليهود وحدهم الذين يحملون لقب الضحايا.. بل بدا ان هناك حقائق صادمة من نوع أن الفلسطينيين هم ضحايا الضحايا. وانهم أصحاب حق مسروق ومنهوب ومسلوب. وانهم يدفعون أثمان خطايا ارتكبها غيرهم. وانهم بالتالي، طلاّب عدالة أو بالأحرى طلاّب تسوية تضمن شيئاً من العدالة من خلال إعادة أجزاء من أرضهم اليهم، وإعادة أجزاء من شتاتهم الى تلك لأرض.
في ذلك لم تغفر إسرائيل لعرفات: الحرب الباردة أنهت خريطتها التوسعية الكبرى، لكن المسار السلمي واللغة الفلسطينية المستحدثة، أنهيا تفوّقها الأخلاقي في الوجدان الغربي العام وكشف الحقائق المخبوءة عن لصوصيتها وعنصريتها وهمجية ارتكاباتها!
لكن طالما أن الأمر كذلك، فلماذا تُلام حماس على قنبلتها؟
لأن أخطر ما في تلك التكتكة، انها ليست من المخزون العرفاتي وإنما من نقيضه، بل هي تستعير لغته من دون أن تملك خيمته السياسية الاقليمية والدولية.. وتضرب على وتر دولي حسّاس لكن بمرام داخلية فلسطينية. وتطرح كلاماً كبيراً عن قبول اسرائيل من دون أن تنتبه الى أنها هي ذاتها مرفوضة ومدانة في الخارج، وسيرتها في غزّة لا تختلف كثيراً عن سيرة أصحاب الانقلابات لكن بزيّ أصولي واضح. سيطرت على القطاع بانتخابات لكنها رمت بعد ذلك صناديق الاقتراع في البحر..
والأخطر من ذلك كله هو انها تتجاهل عمداً، أن هناك سلطة فلسطينية هي المخوّلة بالتفاوض باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين.. وتعطي إسرائيل ورقة إضافية للتنكيل أكثر فأكثر بذلك المفاوض وبالحقوق الوطنية التاريخية وتسمح لها بتأكيد مقولة إن لا شريك تفاوضه، ولا يوجد شعب فلسطيني واحد، بل مجموعات بشرية موزّعة بين الداخل، وداخل الداخل، والخارج، وحيث هم يجب أن يبقوا!
.. السيرة تطول. وكي لا تطول، يُطرح السؤال باختصار: اليس غريباً أن تعلن حماس قبول التفاوض المباشر مع إسرائيل وترفض في المقابل قبول إتمام المصالحة مع السلطة في رام الله؟ وأليس غريباً أن يدفع أهل غزة مرة أخرى، أثمان سياسات عشوائية وقصيرة النظر؟!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.