يقف نيكولا ساركوزي في نظارة القضاء ويُساءَل في تهم موجهة إليه تتعلق بتمويل إحدى حملاته الانتخابية. ويقف قبله جاك شيراك امام القضاء ويُساءل في تهم تتعلق بأيام كان عمدة باريس، ويقف ويحاكم بيرلسكوني بتهم ذات طبيعتين عامة وخاصة... ويقف العالم بذلك أمام مفارقة انقسامه إلى عالمين. واحد يسود فيه القانون على الجميع، وواحد آخر ينعدم فيه القانون.. وإذا وُجد كان لحساب نخب عصبوية حاكمة ومتحكمة.
انه الفارق الأزلي (؟) بين عالمين ما عادت المقارنات بينهما تعني شيئاً فعلياً:
عالم وصل الى مراتب تقديس الحياة والذات البشرية وحرية الانسان في الاختيار والانتماء. في العلم والطبابة وفي الجهل والمرض. في السمو والترقي وفي الخنوع والانحطاط. في الإبداع وفي التقليد. في الجهد والكسل. في العمل والبطالة. في المبادلة والاختيار.. حريته التامة في اختيار مصيره، وتحديد اولوياته وخياراته وطرقه، وما يناسبه وما لا يناسبه، عالِماً بالفطرة كما بالاكتساب والولادة والإشباع والتلقين، كما بالممارسة اليومية الساعاتية واللحظوية، وفي كل شأن ومجال ونطاق وسياق. إنه في القانون مثله مثل كل إنسان آخر في مجتمعه ودولته وحيّزه الجغرافي، لا ينقص في ذاته أو في لونه أو في إسمه أو في عرقه أو في دينه أو طائفته عن ذلك الآخر أياً كان، وفي أي رتبة أو مرتبة أو لون أو دين او مكان. مساواة تامة في السراء والضراء، وفي الفرص وانعدامها، في الأزمات وطواحينها.. عَالمٌ لو عاش فيه أفلاطون لاستقال من فلسفته واكتفى بالبلاغة والمصارعة!
في موازاة ذلك، عالم آخر قريب في الجغرافيا، بعيد في الزمن. ناسه رتب ومراتب، حريتهم هِبَة الحاكم المتسلّط وليست حقاً بديهياً لا يُجادَل. وهذه سلّم نازل وليس صاعداً. تتراوح درجاته وخياراته بين المعس بالقانون أو بالساطور. بالقتل أو بالنفي. بالتجهيل المنهجي أو العشوائي. بالفقر أو انعدام الفرص. بالمرض أو انعدام الرجاء. بالصمت أو الإذعان. بالرضوخ أو الجوع. بالسيرة الحزبية أو مدوّنة السجون. بالردح للسلطة أو بالخرس التام. بـالتعليم الرسمي المعرّب (من يتذكر؟) أو التسكع في الشارع والتسلّح بالجهل والفطرة المهجّنة، بالنشيد الحزبي أو بتكسير الحنك، بالخضوع للقوة والبطش أو الخضوع للمصحّ العقلي.. بالقبول بالدونية أو الغربة عن هذه الدنيا. بتقبل تمايز الإسم والدين والطائفة والمذهب، أو دفع أثمان كل حالة بحالها: إسمك يحدّد حظّك. ودينك يحدّد طموحك. وطائفتك تحدّد مبتغاك. ومذهبك يحدّد مصيرك!
.. وحريتك تامّة في الاختيار بين أن تُسرق وتبتسم أو تُسرق وتُحرق. أن تُمعس كرامتك أو أن تُمعس حياتك! أن تصمت على بيع بلادك أو تُباع معها. وأن تطنّش على نهب ثرواتها أو أن تطنّش الحياة في ذاتها عن وجودك من أساسه. أن تقفل فمك إذا أردت أن تحكي، أو أن تحكي وتقفل كل مسامات الروح فيك! أن تقمع ملكة السؤال أو أن يُقمع أي سؤال عن مصيرك. أن تبكي وحدك إذا أصابك مرض أو أن يبكي عليك سائر المرضى! أن تصلّي للمستبد أو يصلّي عليك سائر ضحايا الاستبداد! أن تعبد إله البطش والحديد والنار أو تروح خردة مطحونة في فرن وقّاد وناره لا تنطفئ. أن تنسى ربّ العباد الواحد الأحد وأن تعبد الطاغية إلى الأبد. أن ترضى الذلّ نهجاً والهوان مراساً أو أن تُداس بالأقدام وتُنخر بالرصاص وتُحرق بالأسيد وتُخنق بالغاز!
.. حريتك التامة في عالمنا هي أن تتفرج على عالمهم، وأن تكتفي بمتعة النظر والمقارنة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.