8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في التنوير والظلام!

ما كانت داعش ولن تكون إلاّ واحدة من نتاجات وظواهر عصر الممانعة وثقافته وسلوكه وخطابه وممارساته... بل هي أبرز تلك النتاجات والظواهر. وحالتها تأكيد لمنطق الأمور: أرض ممانعة كهذه لا تُنبت إلا زرعاً كهذا. والباقي طحالب على الحوافي لا يُعتدّ بها ولا تُلحظ في الحصاد الأخير!
.. قيل ويُقال في التاريخ العمومي للبشر منذ مطلع القرن الماضي ما يؤكد القانون الفيزيائي الأول: لكل فعل ردة فعل موازية. وذلك في حسابات نشوء الظواهر السياسية المدمّرة يمكن أن يعني مثلاً انه لولا استبداد كليمنصو في نهاية الحرب العالمية الأولى وإصراره العنيد على إذلال الألمان بالجغرافيا والاقتصاد (والتعويضات) لما سرت روح هتلر القتالية المتحدّية في الجسد الألماني المنهك! ولولا ثورة لينين الطبقية في بطرسبورغ وموسكو لما فرّخ موسوليني وحزبه الفاشي في روما وميلانو، ولما وجد الحزب الاشتراكي النازي في برلين العجلة الفكرية الثانية لعربته التي جرّت البشرية الى أفظع مآسيها ومجازرها.
والقياسات ملائمة في جملتها. ولكل مبتدأ خبره. والغاشي هو من يفترض أن القوانين العامة لا تسري على حالته الخاصة. أو يعتقد أنه قادر وغيره عاجز. أو أنه واقعي وغيره حالم. أو انه محقّ وغيره مخطئ. أو أنه ملائكي وغيره شيطاني.. داعش في المبتدأ هي بنت شرعية لمن ركّبها وفبركها وصنّعها وسوّقها. وهذا بالدليل الحسّي المباشر وبـإجماع الشهود الثقات ليس سوى نظام الممانعة وغرفة عملياته المشتركة من طهران الى بغداد فدمشق.. لكن داعش في الخبر، وفي المحصلة الأبرز، هي خرطوشة صغيرة رميت في مستودع للبارود!
نبتة صبّار نمت في حديقة أشواك، ما كانت لتستمر لو لم يسدّ عنها الممانعون المياه العذب الفرات.. ولو لم يقتلعوا بأيديهم ونارهم كل شجرها المثمر وخضرتها الريّانة!.
وما الذي كان يمكن أن ينتجه الفكر التنويري الذي تشعّه ثقافة الممانعة الايرانية منذ ثلاثة عقود غير تلك الظواهر الموازية في إشعاعها وتنويرها؟ وما الذي كان يمكن أن تعكسه المرآة غير صورة الواقف أمامها؟ وكيف لمن يفترض انه حامل مفاتيح الجنّة أن لا يُصادَف بمدّعٍ أبرع منه! وكيف لمن لا يخجل ببيانه المذهبي أن يُصعَق ببيان مذهبي مضاد؟!
ضجيج العسس الفكري الممانع لا يصمّ الآذان عن سماع النغمة الأولى، ولا يطمس رنين رسالتها التبليغية: لولا ذلك الصلف والاستبداد والرعونة وشهوات القتل والسيطرة والسلبطة والاستئثار والأجندات الخاصة السياسية والقومية والمذهبية، التي ظهرت وتمظهرت في لبنان منذ 14 شباط 2005، وفي سوريا منذ آذار 2011 بل منذ ذلك الآذار العتيق في العام 1963! وفي العراق منذ المالكي وحكوماته (تحديداً وخصوصاً) ولولا ذلك التراكم المخزي للادعاءات الطنّانة والصيحات الديكية فوق خرائب عمران وأرواح عرب ومسلمين، سوريين وعراقيين ولبنانيين.. لولا ذلك وما هو أكبر منه وأفظع، لما أصاب سهم داعش ذلك الوتر المشدود فقطعه وأكمل عدّة الفتنة، مُلاقياً النفير بالنفير والصهيل بالصهيل والعويل بالعويل والويل بالويل!
هل يصدّق العسس الفكري الممانع حاله فعلاً وحقًّا؟ وهل يريد أن يقنع الآخرين أن ما يحصل هو تنوير إيراني يقاتل ظلامية داعشية! أي نكتة هذه؟!


يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00