مرّة أخرى يقدّم الرئيس سعد الحريري بياناً للناس عنه وعن طبيعته وسياسته وثقافته...
قراره تمويل ترميم شارع سوريا في طرابلس وجعله مثالاً للتواصل بدل الانقطاع، ومساحة للتلاقي بدل القتال، وفسحة للعمران بدل الخراب، وخطّاً للتماس الحياتي بدل أن يكون للتماس العدمي، لا يخرج عن السيرة المألوفة التي تربّى عليها. ولا يغرف من خارج النصّ الأخلاقي والأدبي والانساني الذي وضعه رفيق الحريري، ولا يأتي بضرب غريب على نهج عزّ نظيره ومثيله.
.. بل هو أداء سياسي يُوَظَّف بنبل في العمران، على العكس تماماً من معظم الذين يشتغلون سياسة في لبنان وفي جبّتهم بناء منصّات نفوذ عمراني خاص بهم على حساب خراب الناس ودمار أرزاقهم وأمَانِهم واستقرارهم.. العمران في المشروع الحريري متشابه في الشكل والمضمون: السياسة والمال والامكانات والعلاقات العابرة للحدود في خدمته وليس العكس. وآخر مراميه وأولّها سواء بسواء هو تأكيد بديهياته: اللبنانيون مصطلح واقعي وليس افتراضياً. وهم ليسوا مفطورين على العداوة وإن كَثُرَ الخصام بينهم. والحرب في تاريخهم ليست القاعدة بل الاستثناء وإلاّ ما حوَتهم هذه الجغرافيا الضيقة على مدى مئات السنين، وما كان ممكناً تركيب ما أنتجوه من اجتماع أهلي وسياسي وثقافي وعمراني وفني وتربوي أعتُبر الأنجح في المنطقة والمدار المتوسطي الشرقي برغم كثرة عيوبه ومثاليه وشطط مراهقيه السياسيين!
.. وفي بديهيات ذلك المشروع ان ثقافة النبذ والنفي والاقصاء والامحاء، مناقضة للفطرة المتحكمة بأخلاق وعادات الناس في الاجمال فكيف الحال مع الذين تجمع بينهم عُرَى وثقى في الحَسب والنَسب واللسان والعرق والخصائص الدينية والثقافية والعاداتية على تنوعها وتعددها.. عدا عن الهوية الوطنية الكيانية السيادية القائمة؟!
في الراهن المباشر، يعني ترميم شارع سوريا، ترميماً للنسيج الأهلي الطرابلسي ومحاولة نبيلة لإعادته الى سيرته الأولى التي شوهها نظام الوصاية الاسدي وأدخلها في دفتر حساباته وغرضياته المريضة والمسعورة والتي تقدّم يوماً تلو آخر، بل لحظة بلحظة، عيّنات عن مدى غربته عن كل شأن بشري وإنساني، وعن طبيعته الأولى المشتملة على عنف ضارٍ لا سقوف تظلّله ولا حدود تلجمه.
ترميم شارع سوريا عساه مقدمة لترميم سوريا نفسها، من آثار سلطة الوحوش التي تعيث فيها تدميراً وتخريباً وتنكيلاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.