تقلق واشنطن من المصالحة الفلسطينية لكنها تقلق أكثر من غياب المصالحة السورية!.
الجملة فضفاضة وفيها شيء من الافتراء ربّما، لكنها في بدايتها ونهايتها صحيحة ولا تعوزها الدقّة.
غير مفهوم بالمرة، لأي فلسطيني أو عربي أن تقف إدارة باراك أوباما وتقول ان ردم هوّة الخلاف بين حماس وفتح هو أمر خطأ.. وان ذلك يهدّد مفاوضات السلام (!) أو أن تنظر بسلبية مفرطة الى ردّ الاعتبار لشعار الوحدة الوطنية الفلسطينية، في وقت تبقى هذه الإدارة تحديداً عاجزة وفاردة يديها بالهواء إزاء الامعان الإسرائيلي في ضرب أسس الوجود الفلسطيني من جذوره.. وعاجزة وتعلك الماء المالح إزاء الإمعان في ضرب مقومات السلام وفي مقدمها متابعة البرنامج اللصوصي الاستيطاني وبوتيرة غير مسبوقة بعد واحد وعشرين عاماً على انطلاق المفاوضات.
قد لا يطول عمر هذه المصالحة أكثر مما عمّرت سابقاتها، صحيح، لكنها راهناً تعبّر في الجانب السياسي منها (انس الأخلاقي والوطنيّ) عن انغلاق أفق التفاوض بين السلطة الوطنية وحكومة نتنياهو، وعقم المراهنة على أي تحرك أميركي حاسم لإطلاقها من أسرها.. طبعاً ذلك، لا يعني في المقابل أن السلام المفترض سينتج بالضرورة حرباً أهلية فلسطينية أو انقساماً داخلياً بعيد المدى. التجربة لم تدل على ذلك. بل الذي حصل هو أن حماس استثمرت في نتائج المراحل السابقة بقدر ما استثمر من أنجزها وأكثر. وقطاع غزة في نهاية الأمر عاد من الاحتلال والأسر نتيجة المفاوضات وليس نتيجة أي شيء آخر.
المصالحة بهذا المعنى تدلّ راهناً على أن المفاوض الفلسطيني يستند الى أرضية وطنية مشتركة عمادها أن إعادة أي جزء من الحقوق هي موضع إجماع داخلي رغم تعدّد الاجتهادات والشعارات. وان هذا الاجماع متطور الى حدود استخدامه كسلاح في مواجهة الصلف التفاوضي الإسرائيلي والتلكؤ (أو التخاذل) الأميركي في لعب دور لا بد منه لإنضاج المرحلة الراهنة من العملية السلمية... الخطيئة الأميركية الفاقعة كانت في ترك المفاوض الفلسطيني وحيداً في دائرة مغلقة: مفاوضات عقيمة وانقسام داخلي مرير! المصالحة مع حماس كسرت تلك الدائرة المشؤومة وأسقطت ورقة التيئيس من أيدي حامليها، إن كانوا في تل أبيب أو في واشنطن!.
في موازاة ذلك، تكبر علامات القصور الأميركي ويفيض الخبث الأوبامي إزاء الوضع السوري: الفلسطينيون أخطأوا لأنهم تصالحوا. والسوريون أخطأوا لأنهم تأخروا في التصالحّ!.. هنا تتمترس واشنطن خلف مقولة بائسة تفيد تمويهاً بأن لا حل عسكرياً للنزاع السوري.. وأن جنيف لا تزال صالحة للاستخدام السلمي!.
أوصل ذلك في زبدته الى خلاصتين تتحكمان بالعقل العربي الراهن وأحكامه إزاء إدارة أوباما: الأولى هي تكريس فكرة العداء. أي انه لو لم تكن هناك فائدة أكيدة من الخلاف الفلسطيني لما اعترضت تلك الإدارة على إنهائه. ولو لم تكن هناك مصلحة أكيدة في الحل السلمي السوري لما اعترضت على تأخرها. أي أن ما هو جيّد لها، سيء للفلسطينيين والسوريين والعرب من خلفهم! وهذه خلاصة موضوعية بغض النظر عما إذا كانت تلك الإدارة سعت إليها قصداً أو أنتجتها بذكائها!.
الخلاصة الثانية والأهم هي العودة الى المربّع الأول: ما هو جيد لإسرائيل جيد لأميركا ومن ذلك بقاء الأسد في منصبه.. والانقسام الفلسطيني على حاله.
التماهي الأميركي الإسرائيلي قصّة قديمة وطويلة وتاريخية، لكن الغريب، هو أنّ حرفاً واحداً لم يتغيّر فيها رغم كل ما حصل!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.