المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر السوري علي سفر، الصادرة حديثاً بعنوان: يوميات ميكانيكية ـ يوميات على هامش الحريق السوري ـ 2012 ـ 2013 يصفها كاتبها، بأنها نص الفجيعة.
إذ إن هذه المجموعة، هي واحدة من أدبيات الثورة السورية الداخلية، التي ما زالت مستمرة، منذ ثلاث سنوات، والتي تعرضت لقمع همجي، حول حياة السوريين برمتها، الى فجيعة، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى. فسفر هو واحد من المبدعين السوريين، المؤمنين بعدالة هذه الثورة وشرعيتها، لذا، كان لا بد له من أن يواكبها شعرياً، منذ انطلاقتها، يوماً فيوماً، وذلك من خلال تدوين يومياته الشعرية هذه، عنها ـ وبطريقة تلقائية ـ كانعكاس آني لحدثيتهاـ على صفحته الخاصة على الفايسبوك، بدءاً من العام 2011 (وليس من العام 2012، على ما جاء على العنوان)، وانتهاء بما قبيل مغادرته سوريا في العام 2013. فكان أمراً طبيعياً، أن تكون أجواء هذه اليوميات، مأسوية، بسبب من وسم سوداوية الفجيعة لها، بميسمها الحارق. وبالرغم من ذلك، فان الشاعر، استطاع ـ في مجموعته هذه ـ وبشكل ضمني ـ (وفي ما عدا محطات قليلة هنا) إيجاد تلك المسافة، التي لا بد من حتمية وجودها ـ عادة ـ في ما بين النص الإبداعي، وما بين الواقع، الذي يحاول، هذا النص مقاربته.
فسفر، تمكن في نصوص هذه المجموعة، من اللعب الفني الحر، على تخوم الفجيعة، وفي قلبها معاً. حيث كيدية أغلب هذه النصوص، فاقت كيدية الواقع المأسوي، في ما حملته من استفزازية مجروحة، فرضتها مواجهة استفزازية هذا الواقع.
ذلك ان سفر، دفعته مأساة وطنه الحالية، لأن يصوع سيناريو يناسب المرحلة... كشريط حياة لوطن بات يشبه الجحيم. مع ذلك، فان متاهة الفجيعة لم تزغ بصيرة الشاعر عن مقاصده المعنوية، فبالرغم من الغضب بعريه يسكن قلبه.. وأثقال قلبه لا تكفي حتى لموت رحيم... لأن جمر قلقه المتأجج جعله في غاية الحيرة، فأطلق سؤاله، والذي هو أحد أسئلته الخانقة، التي بثها في ثنايا نصوصه هنا: وعلى أي مقتلة أميل؟ بالرغم من ذلك كله، فإن أضاليل الوجع، لم تقو على أن تحيد به عن مهمته الإبداعية النضالية التي نذر نفسه من أجلها، لذلك فإنها لم تفقده ذلك التوازن المطلوب في مجابهة الحدث المغرق في فجائعيته، ولا حتى استطاع من أراد ذلك له، ولأمثاله نحن الكتاب المتهمين بالكتابة بالحبر، وبالحب، وبالوطن، فاولئك الذين عبروا الشوارع وهم يزيفون الغضب، لم يستطيعوا خداعنا، ذلك لأنه في هذا الزمن السوري اللاطبيعي، ولادواء للكآبة فيه، كانت الكتابة لدى سفر، في هذا المقام، كانت الملاذ الوحيد الذي احتضن كل الالم والقهر، الملاذ الذي مكنه من عدم اضاعة طريقه الى مبتغاه، فـالطريق وحده يعرف السر، حيث تبعثرت أوراق الحكاية، فكان عليه ـ وبدوره ـ أن يلملم اشتاتها، برؤيات ورؤى جلية وواضحة، بالرغم مما اعترضه، من عوائق مادية ومعنوية: أضعفت العدد الصحيح للحواجز التي عبرتها... ولكني لم أضع الطريق...
الطريق إلى هدفه الأثير، الذي يشير إليه، إشارة دالة، بل بالغة الدلالة، عنوان القسم الأول لهذه المجموعة: فقط، أيقظ هذا النائم في الظلام.. (وعنوان القسم الثاني: الطريق إلى المنفى) فمن هنا، نعرف، لماذا جاء البوح السلس في إنسابيته الحميمية، الخالية ـ تماماً ـ من أية ادعاءات فارغة المضمون أو اي عنتريات، أو أي نوع من الـمخولة الكلامية الباذخة الطنين، فالبوح هنا، تحريضي، ولأنه لا بد له من أن يكون كذلك، يمد تعدد إيقاعات جرسه من غير فذلكة تواطؤية مع مراوغة بهرجة اللغة المنحطة عادة. لأن الشاعر، في نصوصه هذه، توخى التوقف عن مداراة الوجع بادعاء اللغة..! لأنه، هنا يعبر عن بديهيات، وفي التعبير عنها لا نحتاج لبراعات البلاغة.. وانطلاقاً من ذلك، فالكتابة الشعرية، في هذه اليوميات، يختلط فيها الموت بطعم الحياة، والشعر بطعم الواقع، في تشكيل عجيب... فرضته طبيعة الحدث الثوروي التاريخي/ المفصلي، بأسئلته الخانقة، التي تدعو إلى الفصل القاطع بين زمنين أحلاهما مر: سأعلق حنجرتي كعرف ديك، على أهبة هذا الصباح، سأوقظ الأشجار في هذا الخريف، كيف ترسم الفارق بين صحراء مضت؛ وغابة لا نراها حتى في حكايا الجنيات...!.
وعلى هذه الخلفية أطلق الشاعر صرخته المدوية في نصوص هذه اليوميات، التي تتراوح مضامينها، ما بين النص الكامل (قصيدة متكاملة)، وجملة شعرية واحدة، قوام اقصرها ثلاث كلمات فقط، هذا، على أن الخيط الناظم، لهذه اليوميات المتفرقة، (في الشكل والمضمون)، هو مناسبتها الممتدة امتداد الحدث ذاته، في حدود ما هو وارد في مبلغ تأثيراته هنا، المبثوتة ارتداياتها، عبر تعدد المستويات الصوتية لهذه الصرخة، علواً وانخفاضاً، وما بين بين، وبالعكس ايضا، احيانا بصيغة الجمع أو الجماعة نحن وأحياناً أخرى بالصيغة الفردية أنا، وذلك تبعا لمحمولات كل يومية بعينها، بما أملته على الشاعر شحناتها: الفكرية والوجدانية والنفسية والعاطفية (القلبية).. لكن جماع هذه الصرخة، متمثل في قوله، في النص المؤرخ بـ(3/1/2013)، وهو: عمرنا ناقص.. والقتلة كاملون...! هي غابة قتل حيث: سيقتلونك عند المنعطف.. قبضتك التي تخترق الهواء.. لن تتقاطع مع الرصاصة التي تدرك الطريق، وعنقك الذي ببريق العرق، مهبط هذا الوجع الرحيم.. سيقتلونك قبل ان ترى ما وراء الزاوية قبل ن ترى سورية كما لم ترها من قبل. لن يقدر الرفاق على إيقاف فيض دمك بقميصك أو ببياض اللافتة.. وعلى بلاط الشارع سترقد الحرية معك. يا لها من رفيق حميم ويا لها من أيام لا تعاد. سيقتلونها معك لتمضيا في رحلة جديدة، ولا أحد سيدرك كم كنت تشتاق لذاك المنعطف.. وسواك لن يروي للهواء ايقاع صوتك وأنت تهتف.. يا سورية لن تعودي كما كنت، قبل قبضتي وقبل ذاك المنعطف.
وعلى ذلك، فان العزاء الأكبر للشاعر هنا، ان سوريا هي: بلاد ستبقى رغم جور العابرين.... وفيما يشبه الاعتذار لوطنه، يفتتح سفر، هذه المجموعة، بقوله الاستدراكي هذا: لا شيء أكثر قهراً من ان تجد نفسك تكتب دون قرار مسبق نص الفجيعة..
[ يوميات ميكانيكية ـ يوميات على هامش الحريق السوري ـ 2012 ـ 2013 (شعر)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.