8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الصدق الروسي!

ربّما تكون الجملة الصادقة الوحيدة التي نطق بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف منذ اندلاع الثورة السورية: روسيا لن تنخرط في حرب ضدّ أحد في حال التدخّل الغربي في سوريا.. والأرجح أنّ صدقه هنا لم يكن خياراً بقدر ما كان ضرورة لتلطيف الواقع القائل إنّ موسكو (مثل إيران بالمناسبة) ليست مستعدة لأن تقاتل مباشرة دفاعاً عن الأسد ولن تفتح حرباً مع دول الغرب وحلف الأطلسي (ولم يسبق أن فعلت ذلك) لا من أجله ولا من أجل غيره ولا من أجل كاسترو قبله!
وبالاذن من منظّري الممانعة الأسدية وتخريصاتهم التي راحت في الوهم وصولاً إلى محور البريكس (مَن يتذكر؟) فإنّ موقف موسكو من الوضع السوري أساساً، جاء نتيجة حسابات مصالح خاصة بها وليس لأنّها تعتبر نظام البعث بديلاً من نظام لينين الذي هرّ في ليلة لا ضوء قمر فيها! وفي ذلك الاحتكام إلى حسابات المصالح، لا تستوي المقارنة، وبأي منطق، بين العلاقات مع أوروبا والغرب وتلك القائمة مع الأسد وبطانته، فكيف الحال بحديث الحرب؟!
.. حدود المناورة الروسية من أساسها لم ترسمها موسكو، بل واشنطن: عدم وجود قرار أميركي بالتدخّل في الوضع السوري هو مَن سمح للدبّ الروسي بأن يمدّ يديه إلى خارج صحنه! والإيحاء مجدداً بأنّ زمن الحرب الباردة عاد بحرارة! وأنّ الرفيق لينين عاد من غربته، وأنّ أحفاد ملهمه كارل ماركس تخلّوا عن لجوئهم الفكري إلى معسكر آدم سميث وعادوا إلى الحتمية التاريخية التي يحملها الصراع الطبقي إياه!
وأكثر من ذلك، حتى في ذروة الحرب الباردة بين الغرب من جهة والمعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي العظيم من جهة ثانية، لم تحصل المواجهة المباشرة ولا مرّة في التاريخ!.. حصلت مع بدايات الثورة البلشفية خلال الحرب العالمية الأولى مواجهات مع دول غرب أوروبا جاءت استكمالاً للحرب التي كان نظام القيصر منخرطاً فيها، وردّاً على الثورة عليه وحصاراً لها، وفي تلك المواجهة كانت معاهدة بريست ليتوفسك التي أنهتها، وصمة عار في ملف ثورة العمال والفلاحين المظفرة.. معاهدة كانت في حقيقتها استسلاماً وإذعاناً أكثر من كونها تسوية، خصوصاً وأنّ البلاشفة تخلّوا بموجبها عن أجزاء واسعة من الامبراطورية.. والأهم من ذلك أنّهم تخلوا عن طموحات بعض قادتهم بتصدير الثورة، قبل أن يتخلوا عن صاحب ذلك الطموح الرفيق تروتسكي ويرسلوه إلى المنفى وصولاً إلى المكسيك، حيث تكفّل به الرفيق ستالين أخيراً على طريقته المألوفة!
.. بل أكثر من ذلك وفوقه، فإنّ موسكو في كل تاريخ النزاع العربي الإسرائيلي لم تطلق رصاصة واحدة مباشرة مع العرب ضدّ أعدائهم. ولا طلقة! بل إنّ المفارقة العجيبة تكمن في أنّ العرب خسروا أرضهم في ذلك النزاع (بعد النكبة) في عزّ قوّة الاتحاد السوفياتي ومنظومته الملحقة به، وفي ذروة تحالفهم معهما، ولم يسترجعوا شبراً واحداً إلاّ بعد انهيار تلك المنظومة وانتهاء الحرب الباردة دفعة واحدة!
الجملة الصادقة التي قالها لافروف، قالها مُكرهاً.. لكنه قالها، في حين أنّ الأمر ذاته ينسحب على الموقف الإيراني، فمتى يُعلن؟ وهل من ضرورة لذلك أصلاً؟!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00