لن يطول الأمر كثيراً قبل أن يكتشف إخوان مصر أنّ حربهم خاسرة سلفاً، وأنّ معاركهم المتفرّقة في سياقها ليست سوى تزخيم بالنار والدم والتخريب والفوضى، لتلك النتيجة الأخيرة والحتمية.
أخطأ هؤلاء في التفاصيل كثيراً، لكنهم في الجملة ارتكبوا معصيتين مزلزلتين. الأولى عندما افترضوا أنّ الثورة على نظام الرئيس حسني مبارك هي ثورة على نظام مصر وأساءوا تبعاً لذلك الظن والحكم والافتراض بمدى عمق دولة هذا النظام وحاولوا ابتلاع مؤسساتها ووظائفها بوضع اليد والسيطرة التنظيمية المباشرة. والثانية عندما أعادوا بأيديهم ترسيخ الصورة المألوفة عنهم التي جاهدوا للتستر عليها ونفيها من خلال انخراطهم في العملية الانتخابية.. صورة التنظيم الديني المرصوص الذي لا يتردّد في استخدام العنف ساعة يرى ذلك مصيرياً.
أشواك المعصية الأولى أوصلت إلى زوان المعصية الثانية. والأصل في الأمرين، افتراض النصّ الخاص كتاباً جامعاً. والقراءة أو الترجمة التفسيرية الذاتية لذلك النص هي المعيار الذي يجب أن يأخذ به العامّة.
هي ذاتها المعضلة التي تتحكّم بأداء كل التنظيمات المماثلة المستندة إلى البيان الديني الجامع شكلاً وإلى برنامجها السلطوي مضموناً! وعندما تصطدم بكل حائط قائم ولا تترك لوح زجاج إلاّ وتكسّره، تخرج إلى طبائعها الأولى مدجّجة بالفتاوى التبريرية: تحلّل القتل وتستبيح كل محرّم، وتفترض في ذواتها الفانية خلاصات إلهية مقدّسة لا يجوز شرعاً مواجهتها!
انتبهت مصر سريعاً إلى ذلك الثقل وقرّرت أنّ أكتافها لا تتحمّله! مشاكلها الاقتصادية والمعيشية أكبر من ترف التجارب الحزبية النخبوية. ودورها المركزي في العالمين العربي والإسلامي أخطر من تركه وديعة تضمر التجربة الإيرانية أكثر من التجربة التركية والخلاصات الطالبانية أكثر من الخلاصات الباكستانية! وتنوّعها وتراثها وثراء بنيانها الثقافي والفني والاجتماعي والعاداتي أكبر وأهم من جعله أسير ممارسة هشّلت في عام واحد شرائح واسعة وعريضة من الناس بمَن فيهم مَن يوصفون بـالسلفيين!
وأغرب ما في قصور الأداء الإخواني وعاهاته الكثيرة هو استعارته واحداً من أبرز مبادئ البعث في نسختيه العراقية والسورية: افتراضه أنّ الخارج يعوّض عن الداخل! وأنّ ترسيخ أقدام السلطة يبدأ في نسج علاقات إقليمية ودولية مُحكمة، وأنّ ذلك في ذاته يكون كافياً لتغطية مثالب الإمساك بالسلطة والممارسات القسرية والإلغائية والاستحواذية.
.. تدلّ ردود الفعل الأوروبية والأميركية على ما يجري، إلى نجاح المحاولة الإخوانية في بندها البعثي.. لكن هذا النجاح في ذاته هو صنوّ الفشل التام الذي سبقهم إليه بعثا العراق وسوريا!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.