8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في المبالغة وأخواتها

للأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصر الله أن يعلن يقينياته والتزاماته وأحلامه وأهدافه النضالية والجهادية. وله أن يقدم البيان الخطابي والتعبوي والتحشيدي الذي يرتاح إليه ويراه مفيداً في سياق سيره نحو أهدافه. وله أن يربط أي شيء يخصّه بـالمقاومة، المحور المركزي الذي تدور حوله حياته وتفاصيلها...
لكن يبقى للمتلقي والسامع والمتأثّر بذلك الأداء، برضاه أو غصباً عنه، أن يستغرب مرّتين وبشدّة استنكارية واضحة. الأولى عندما يدمغ السيد حسن المقاومة واستهدافها بإطار مذهبي. والثانية عندما يقرّر وحده أنّ تحرير فلسطين في عنقه! متغاضياً عن وقائع كثيرة وحقائق أكثر.
في الأولى، لم أجد شخصياً على مدى السنوات الثماني التي مرّت، في الداخل الوطني والخارج العربي والإسلامي أحداً خرج من وراء الحجر واستهدف أو أراد استهداف مقاومة السيد حسن! لا لكونها مقاومة في ذاتها، ولا لكونها مدموغة بما دمغها به أسيادها وأهلها، بل رأيت العكس، كما رآه غيري!
رأيت أنّ المقاومة استُخدِمت غطاء لتغطية ارتكابات كبيرة وفظاعات أكبر بحق الآخرين. من بيروت إلى القصير وما بعد بعد القصير! ولأهداف وغايات وسياسات لا علاقة لها بتحرير فلسطين لا من قريب ولا... من الصين!
لا يتعلق الجدل برأي السيد الأمين العام ولا بقناعاته ولا بسياساته، بل يتعلق بالفارق الفعلي بين الوهم التعبوي والحقيقة المهدّئة: له أن يقاتل نصف الكرة الأرضية، وله أن يؤمن بالانتصار والانتظار والخلاص على طريقته، وله فوق ذلك أن يعتمد الأسلوب الذي يرتضيه لإيصال صوته وتبليغ رسالته، لكن لي ولغيري ملكة الجدال والسؤال والمقارنة ومشتقاتها. ولنا القراءة في وقائع الأيام والشهور والحوادث الحاصلة في السنوات الماضية. ولنا الاستنتاج التلقائي، بأنّ ربط الأداء الحزبي الصحّ أو الخطأ، بمذهب أو طائفة هو أمرٌ آتٍ من أصول المبالغة السياسية المقصودة والعفوية، ومن أصول المشاريع الفئوية ومتطلباتها، وليس من أصول الحقيقة ولا من فروعها لا من قريب ولا من بعيد. وفي الربط ذاك، ظلم مضاعف. أولاً من خلال أخذ الكل بجريرة الجزء والثاني من خلال تحميل ذلك الكل وزر أعمال وقرارات لا ناقة له فيها ولا جمل... ولا طير ولا حجل!
أمّا في القول الخاص بفلسطين وقضيتها، فالغريب أن يبدو بتلك الحدّة فيما المقاومة منخرطة بكل تلابيبها في حرب ضدّ الشعب السوري! وفي فتنة ضدّ العرب والمسلمين الآخرين! وفي خيارات وارتباطات تبدو فلسطين أحد عناوينها وليست العنوان الوحيد! ثم إذا كان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، هذا الرجل الشجاع، قال ويقول إنّ قصّة المقاومة المسلحة لم تعد طريق النضال لاستعادة الحقوق، وإذا كانت معظم الدول العربية والإسلامية موافقة على مبادرات ومساع لحل النزاع سلمياً وديبلوماسياً... وإذا كانت الأضرار والكوارث التي سبّبتها قوى الممانعة والمناتعة والمقاومة، للشعوب العربية والإسلامية في غضون ثلاث أو أربع سنوات لا تقارن بتلك التي سبّبتها إسرائيل على مدى 65 عاماً! بل تفوقها أضعافاً مضاعفة... وإذا كان اللبنانيون بعامّة والجنوبيون بخاصة، مصلوبين منذ أربعة عقود وأكثر على شجرة ذلك النزاع وعانوا ما عانوه وقدّموا ما قدّموه وحقّقوا ما حقّقوه، فلماذا تنكّب مهمات تنوء بثقلها دول وشعوب أكبر وأهم وأفعل وأغنى وأقدر وأخطر؟! ولماذا الدفاع بتلك الطريقة الاحتفالية عن فكرة الإبادة الاستئصالية الإيرانية المصدر؟ وهل تقدر إيران أصلاً على ذلك الحل الأخير للقضية الفلسطينية؟ وهل يتحمّل لبنان وأهله تبعات ذلك الجنون وتلك الهلوسة؟ وهل في الانتحار شيء من الحق والعدل ورفع الظلم وإنهاء الضيم وردّ الحيف النازل والطالع، واستعادة الحقوق وتحرير الأرض؟!
مَن تواضع لله رفعه، ومَن تواضع للحقيقة أنقذته، ومَن خَفَض الجناح لأهله نصروه، ومَن ظلم واستكبر خسر مهما ادّعى العكس!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00