يقدّم أداء الإخوان المسلمين في مصر عيّنة مشابهة في سياقها العريض والرفيع لأداء حزب الله في لبنان. وإلى حدّ ما (مموّه حتى الآن)، لذلك الذي تعتمده حركة النهضة التونسية، والذي يميل حسن الظن ومعارج التحليل إلى وضعه جانباً وتصديق تلك الأجندة السرّية التي ضُبِط زعيم الحركة راشد الغنوشي وهو يتلوها داخل اجتماع مغلق مع سلفيي تونس قبل أشهر معدودة بدلاً منه!
الجامع بين الأنماط الثلاثة هو اعتبارها السلطة قمّة أهدافها الأخيرة. واستعدادها من أجل الحفاظ عليها ودوام الإمساك بها إلى الذهاب مسرورة ومنتشية نحو تخريب الاجتماع الوطني في بلادها وتحطيمه، بل تكسير كل ظواهر السلطة الشرعيّة انطلاقاً من قاعدة راسخة وثابتة، رسوخ إيمانها بنصّها الحركي المحرّف، وثبات جلوسها المطمئن على يقينياتها بعد تقديسها، هي أن لنا الصدر دون العالمين أو القبر.. إما أن تكون تلك السلطة طوع بناننا أو عمرها لا تكون سلطة لغيرنا!
والتجارب الثلاث، المصرية واللبنانية والتونسية، سبق وأن استلهمت تجربة حماس في غزة، فيما الأقرب إليها فعلياً هو تجربة جبهة الإنقاذ في الجزائر: صناديق الاقتراع هي الطريق وليست نهايته. تستخدم للوصول إلى السلطة مرّة واحدة ثم تُرمى في البحر.. والمعضلة الكامشة في خناق المجتمعات المعنية تكمن في أن اقترابها من اعتماد السلوك الليبرالي من خلال التصويت العام، يكون دائماً على حساب أمنها القومي العام وسلامها الأهلي وديمومة الاستقرار الهشّ والكئيب والنسبي الذي تتمتع به، بحيث أنّ خياراتها (إنسَ لبنان قليلاً) ضاقت إلى حدود معادلة واحدة لا ثاني لها: إما استمرار الخضوع لأنظمة فاشلة ونهّابة سرّاقة وقمعية ومنحطّة في بيانها وممارساتها، وإمّا المغامرة في ركوب مركب الثورة والإبحار به مع تلك الجماعات العدمية، رغم المعرفة المسبقة (نظرياً سابقاً وعملياً لاحقاً!) بأنّ هذه الجماعات مستعدة لإحراق المركب وإغراقه إذا لم تأخذ دفّته بيديها أو إذا حاول الآخرون أخذ دورهم في قيادته!
ما أظهرته جماعة الإخوان في مصر كان مواكباً للعصر في سرعته ليس إلاّ: أي أنّ انكشاف الجموح السلطوي الفاجر معطوفاً على غياب أي برنامج للحكم وأي رؤى حداثية لمعالجة كوارث البلد الاقتصادية والاجتماعية، لم يأخذ وقتاً طويلاً، بل إن تكثيف الزمن كشف الكوامن الأعمق لذلك المشروع، بحيث أنه وعند أوّل اصطدام فعلي مع الواقع المصري المتمرّد، تُرجمت تلك الكوامن على الأرض مسّاً غير مسبوق بثوابت مصر: تفخيخ المناخ الأهلي ووضعه عند حافة الانفجار الشامل، ثم التجرؤ على الجيش ميدانياً!
.. في مصر كما هو الحال في تونس وكما كان وصار في غزة: الوصول إلى السلطة على سيبة تقصير الآخرين وأخطائهم وليس على سيبة القدرات والأصوات الذاتية. ثم عند أي محاولة لمواجهة مشروع الاستبداد قبل اكتماله، تخرج الخناجر من جِرَابِها وأغمادها، وتُوضَع الحِراب على سكّة الخراب وفي مواضع الصوت ونداء الحرية!
تجربة حزب الله فيها التباسات الواقع اللبناني وسيرة التصدّي للاحتلال الخارجي، لكنها تشترك في الأساسيات ذاتها مع أقرانها في مصر وتونس وغزة: السلطة أهم من الإجماع الوطني والاستقرار الأمني المصيري، وأهم من ثوابت الدولة ومؤسسات الشرعية.. أساسيات تعود في جذورها إلى شجرة لئيمة اسمها العنف والفرض والإكراه، وهي الشجرة ذاتها التي كان اسمها في ألمانيا الحزب النازي وفي إيطاليا الحزب الفاشي!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.