8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مخاطر المراوحة

رسوّ الوضع السوري عند مرفأ المراوحة رغم التحرّكات الميدانية المتنقّلة، يعني راهناً وسيعني لاحقاً، أنّ تكبير افتراضات تمدّده خارج حدوده صار وارداً أكثر من قبل وبطريقة قد لا تسرّ خاطر وحسابات المتفرّجين والمنتظرين الدوليين وأصحاب الأجندات الاستراتيجية الكبيرة منهم أكثر من غيرهم.
أرادت السلطة الأسدية منذ اليوم الأوّل لاندلاع الثورة الشعبية التامّة ضدّها، أن تواجهها وفق سياق مزدوج. الأوّل هو القمع العاري بعد شنق كل معاني الأنسنة وطبائع البشر على أوّل عمود كهربائي في درعا. والثاني الدفع باتجاه العسكرة، بحيث أنّه إذا لم تنجح الضواري في كسر إرادة المتظاهرين السلميين، يُصار إلى إباحة القتل بطريقة تجعل حتى المهاتما غاندي نفسه ينتفض في قبره ويعلن أنّه أوّل المعتذرين والمتراجعين عن نظريته وفلسفته المدنية والسلمية!
طبعاً نجح الأسد في باب الفشل. أي أمكنه إشاعة الفتك والقتل إلى حدّ إخراج الثورة من سياقها المدني إلى أسلاكها العسكرية. وافترض بداية أنّ ذلك سيسهّل عليه مهمّة كسرها والعودة إلى تسويق احدى أبرز الوظائف الأثيرة على قلبه والمتعلقة بـمحاربة الإرهاب.. نجح في المهمّة الأولى ولا يزال يجرّب في الثانية، علماً أنّه حقّق في هذه بعض المرتجى من خلال الندب الأممي المستمر حيال وجود بعض الجماعات الأصولية المصنّفة إرهابيّة في صفوف الثوار.
لكن ذلك كله، لم يعدّل في مسرى النزاع الأول.. ولم يدفع أحداً في سوريا الثورة والمحيط العربي والإسلامي كما في أوروبا والغرب في الإجمال إلى تغيير رأيه القائل بحتميّة زوال سلطة الأسد.. رغم أنّه علق في الصنارة الاسدية بعض السمك وتماهى بعض الغرب مع فكرة استخدام ذلك المُعطى في اتجاهات عدّة. منها الامتناع عن تسليح الثوّار خشية وقوع الأسلحة النوعية في أيدي المتطرّفين. ومنها ترك الفخّار يكسّر بعضه بعضاً: هؤلاء من جهة وحزب الله من جهة ثانية. والباقي تفاصيل يمكن أن تنتظر المعالجة حتى لو كانت بحجم المذبحة المهولة الفالتة راهناً.
.. واجب شرعي القول، إنّ أمور الثورات والفيضانات المذهبية والطائفية والعرقية في الشرق لا يمكن حسبانها بدقّة صائغ الذهب ولا باستخدام الكومبيوتر. آلياتها أعقد من الحساب الناشف والعلم الحديث، ومفاجآتها تركّع حتى روّاد الخيال اليقيني والفيزياء النووية! ومساراتها محكومة على الدوام بـالابداع غير المسبوق منذ مسارات حروب ومذابح القرون الوسطى.. ولذلك يصحّ الافتراض راهناً، أنّ مناخات وطراطيش المراوحة السورية في دائرة عدم الحسم قد بدأت تصل إلى الجوار فعلياً، وإن كان الأمر في الجوار التركي لا يزال في الشكل، فيما هو في الجوارين اللبناني والعراقي صار في المضمون. وبحسب المعلن والمفهوم، فإنّ لا مصلحة لأحد، إلاّ بشار الأسد وصحبه، في ذلك. فلِمَ الانتظار والمراوحة؟!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00