كان أحمد سعيد شخصاً فصار منظومة.
المذيع المصري الأشهر في أيام حرب العام 1967 كان مثالاً للظاهرة الصوتية القادرة على تحريف الحقائق، وتزوير الوقائع، وتغطية الكارثة الفعلية بستار بلاغي، وتحويل الهزيمة على الأرض إلى انتصار كاسح على الهواء وموج الصوت وأثير الخديعة وذبذبات الإذاعة!
لم يكن فريد عصره بل وليد ذلك العصر، لكنه كان يختلف عن ورثته الحاليين في الظواهر الصوتية والقلمية الممانِعة، بأنّ كذبه كان مسوّراً بنبل القضية التي يكذب من أجلها. أي كان يكذب بشرف! لأنّ قصّة النزاع المصري مع إسرائيل لم تكن تعوزها مقوّمات الصدق والاستقامة والنيّات الصافيات، بل الإدارة والإمكانات وفوقها القصور الخطير في الحسابات وقدرات بعض رجال القرار في العهد الناصري فيما أهل منظومة الممانعة يحملون شماعة مقاومة اسرائيل ويذهبون بها الى كل فتنة ومصيبة.. بعيداً عن اسرائيل.
... لم ينسَ العرب أحمد سعيد ولا صوته بعد أربعة عقود ونصف العقد، بل يستحضره كثيرون في هذه الأيام لمناسبة الحرب السورية. مثلما استحضره ويستحضره كثيرون في لبنان منذ جريمة اغتيال الرئيس الراحل الشهيد رفيق الحريري حتى اليوم! حيث تحوّلت الظاهرة السعيدية الصوتية الفريدة المندفعة والمقطوعة عن سياقها السياسي، إلى منظومة إيرانية أسدية متكاملة في الإعلام والسياسة تحيل الضحيّة جلاّداً، والمرتكب بريئاً، والهزيمة انتصاراً، والتفتيت توحيداً، والمجزرة الجماعية إنجازاً عسكرياً، والفتك بالمدنيين دفاعاً عن العدل والحق، ودكّ المجتمعات والكيانات العربية والإسلامية وتخريبها من داخل شرطاً واجباً لمواجهة مؤامرات الأعداء، وهدر الثروات الوطنية بناءً لأسس ومداميك التحرير الأكيد!
تنكش تلك المنظومة وتزرع في الفضاء العام كما في العقول الخاصة، أنّ الحروب المذهبية والدفاع عن نظام المافيا والطغيان هما جزء متمّم لمعركة إزالة إسرائيل من الوجود وإيصال عزّة الأمّة إلى سدرة المنتهى!
... في الأيام القليلة، زاد منسوب أداء تلك المنظومة إلى مستويات بائسة وإلى حدود تجعل من الترحّم على أحمد سعيد واجباً أخلاقياً وإنسانياً... وسياسياً ومصيرياً!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.