لم يكن الأمر الواقع القائم في لبنان منذ ثماني سنوات يحتاج إلى إضافة جديدة ومريرة عليه.. وليس الوضع المزدوج المستجد المتعلق بتشكيل الحكومة وقانون الانتخابات سوى مناسبة استثنائية لإعادة تنشيط ذاكرة اللبنانيين إزاء طبيعة المواجهة التي ينخرطون فيها، وطبيعة المشروع الذي يهدّدهم في كل شأن وفي كل حال وفي كل حين.
والحال، إنّ النسيان ترف مكلف. والتغاضي أو التطنيش، خيار عابر وليس متوافراً بكميات حرزانة باعتبار المعادلة الدائمة المسيطرة والمهيمنة تفيد في الإجمال، أنّ كل مرحلة جديدة راهنة أسوأ من التي سبقتها. وكل مرحلة آتية ستكون أسوأ من الاثنتين. وبدلاً من أن تدقّ أجراس الحكمة عند أهل الممانعة لإغلاق بعض المنافذ المسيئة اليهم والى غيرهم، يفعلون العكس تماماً ويفتحون ما هو مقفل في بيت الفتن ويشرعون الأبواب على الريح الصفراء والعدم.
ليس هيّناً، أن يصير التماهي مكتملاً إلى هذا الحد بين وضع اللبنانيين الخاص وبين الشأن الكارثي العام. كان العكس وارداً في أيام صعبة ماضية. وكان يمكن كثيرين رغم تلك الصعوبة أن يختاروا الغربة في المكان أو خارجه، وأن يقيموا سدّاً معقولاً بين جغرافية النزاع وجغرافية البيت. وكان هؤلاء من أصناف شتّى، اتفقوا مع بعض الحظ، على تحاشي الاستنتاجات الخلاصية والأحكام القطعية، وقرروا أنّ الأمور الوطنية محكومة بسقف لا يُخرق هو التسوية الحتمية، باعتبار الكسر الإلغائي التام دونه مستحيلات تشبه ثلاثية الخرافة المألوفة عن الغول والعنقاء والخلّ الوفي!
كان ترف الخيار عند هؤلاء يستند إلى ذلك الاستنتاج الواقعي من جهة وإلى طبيعة المواجهة السياسية وغير السياسية التي كانت قائمة من جهة ثانية، والتي سمحت بتمايزات كثيرة وبؤر تنفس عديدة، وتركت هامشاً لا بأس به للأخذ والرد.
.. لكن منذ ثماني سنوات عجاف، ومشروع الممانعة يدكّ باللبنانيين أينما كانوا: بحياتهم ويومياتهم ودولتهم ومؤسساتهم ودستورهم وجغرافيتهم وسياستهم واقتصادهم وفنّهم وثقافتهم وتعليمهم وأدبهم.. وبترف التطنيش أو النسيان!
ألغى بديهيات ظلّت عصيّة حتى في أحلك الحروب واستبدل مكانها أمراً واقعاً واحداً ووحيداً هو السلاح ومنطق الفرض والتحدّي الدائم. وحوّل اللغة عن وظيفتها الأولى كوسيلة للحكي بين البشر إلى رديف للصواريخ ومتمّم حتمي للرصاص. وجعل من السياسة أداة حربية ليس إلاّ، ومن الاجتماع اللبناني شيئاً شبيهاً بالثكنة العسكرية، لكن بلا ضوابط وأخلاق وفروسية العسكر الوطني بين أهله!
الأمر الواقع الوحيد الذي يظلّل لبنان واللبنانيين، هو ذلك السلاح ومرادفاته، لكن يغيب عن بال أصحابه وأهله، أنّ الفتنة الكبرى عندما تصير أمراً واقعاً، تكون أقوى من الجميع.. ومن دون استثناء. وأنّ مَن قال بالأمس صدق: كل أمر واقع يقابله أمرٌ واقع آخر!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.