8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عباطة أم خبث؟

ليست مفاجئة حصيلة لقاءات موسكو الأميركية الروسية لا في شكلها ولا في مضمونها سوى في تغليف الفشل الواقعي الراهن بالعودة الى نجاح افتراضي سابق.
تفاصيل الكلام في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزيرا الخارجية الأميركي والروسي كان كافياً للاستنتاج أن اللغة المختلفة رغم تزويقها وتنميقها، عكست بقاء كل طرف في مكانه وانعدام إمكانية التوافق على طبيعة الحل في سوريا. سيرغي لافروف بقي يقرأ في الكتاب ذاته الذي كتبه زعيمه فلاديمير بوتين منذ الأيام الأولى للثورة السورية... ومصطلح العصابات المسلحة المتطرفة (مثلاً) الذي دأب نظام الأسد البعثي على استخدامه لتوصيف المعارضة له، أتى في حقيقته من تلك الجعبة اللغوية، كما غيره من المصطلحات الدالّة الى إصرار منهجي من أحفاد الثورة البلشفية الأكبر والأعظم من نوعها في بداية القرن العشرين، على نفي الطابع الثوري الوطني العام عن الحراك الشعبي السوري، دفع كل ذلك بالإرهاب والسلفية والتكفير، تماماً مثلما يفعل أهل الثورة الشعبية الإيرانية الأكبر والأخطر من نوعها، في الربع الأخير من القرن العشرين!
لقاءات موسكو لم تقدم أو تغيّر شيئاً. وإعلانها العودة الى اتفاق جنيف كان تتويجاً لمحاولة تمويه بشاعة الفشل بجمالية الفكرة التسووية، وهي التي وُلِدت أساساً مصابة بعطب مركزي خطير وأساسي عندما تركت إشكالية بدء الحل مع الأسد أو من دونه، مُبهمة ومعلقة في فضاء التحرك الميداني في سوريا نفسها.
والمفارقة، هي أن تلك اللقاءات أحرجت واشنطن وكشفت هزال موقفها: ذهبت الى التفاوض بأوراق مكشوفة، أخطر ما فيها عدم الرغبة في الانخراط بالمشكلة السورية ولا التورّط أو الإقدام على أي خطوة من دون التأكد الحسّي! والملموس! والواضح! والأكيد! من الوقائع المتعلقة بالكيماوي! وبفصائل المعارضة وطبيعتها! ونوع الأكل الذي يأكله عناصرها!
ذهبت مكشوفة الرأس الى صياد أرعن لا يهمه إلاّ تجميع الطرائد حتى لو كان ذلك على حساب نحو مئة ألف قتيل سوري ومئات آلاف الجرحى والمفقودين، وملايين المهجرين.. ودمار عميم عظيم أين منه دمار الديار الشيشانية ومدنها وعمرانها وناسها، على أيدي جحافل الجيش الأحمر الأسطوري!
ديبلوماسية التسوّل التي لم تؤتِ أُكُلها في النزاع العربي الإسرائيلي، يتبناها الأميركيون بعباطة ملفتة في الملف السوري، في لقاءات موسكو وغيرها.. يتسوّلون موقفاً روسياً يغنيهم عن شرّ الإحراج والتورّط. وكأنّ عقدة بوش العراقية، أحكمت حلقاتها حول عَصَبهم المركزي وتركتهم في موقع العجز أمام واحدة من أشنع المجازر البشرية في التاريخ الحديث.
لكن هل هي عباطة، أم خبث طافح ينهل أصحابه، مع الروس أساساً، من معين إسرائيلي واحد، لا يرى مصلحة له في سقوط النظام البعثي ولا في إنهاء النكبة السورية؟!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00